رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قبيلة العفر في القرن الإفريقي: الجغرافيا السياسية وأبعاد الدور الإسرائيلي

قبيلة العفر في القرن
قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية

في نهاية ديسمبر الماضي أعلنت إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال "صوماليلاند" كدولة مستقلة، في اتجاه يعزز الطموح الإسرائيلي في السيطرة على جنوب البحر الأحمر، وإقامة قواعد عسكرية واستخباراتية لها في منطقة القرن الإفريقي، ومراقبة تحركات أعدائها مثل جماعة أنصار الله "الحوثي" في اليمن وميناء الحديدة.

جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليجرّ موجة من الانتقادات الواسعة للسلوك الإسرائيلي، الذي رفض تمامًا مسألة الاعتراف بإقليم يطالب بالانفصال، وعليه بدأت الدول الإقليمية في إبداء تخوفاتها من تلك الخطوة الإسرائيلية المنفردة.

كما فتح الاعتراف الإسرائيلي أيضًا الباب أمام العديد من القوى السياسية الراغبة في الانفصال لتحقيق النجاحات التي حققتها جمهورية أرض الصومال الانفصالية، ففي مطلع العام الحالي حاول المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، بقيادة عيدروس الزبيدي، اتخاذ خطوات مشابهة لخطوات أرض الصومال، وإصدار إعلان دستوري يتضمن تحقيق استفتاء حول تقرير المصير لأبناء الجنوب اليمني، إلا أن الحزم الذي أبدته المملكة العربية السعودية ساهم في انهيار المشروع الجنوبي مؤقتًا، وتم تعزيز قدرات الحكومة اليمنية في السيطرة على المناطق الانفصالية في محافظتي المهرة وحضرموت اليمنيتين.

قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 
قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 

حماية العفر

لم يكتفِ التمدد الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي بمنطقة صوماليلاند، فمؤخرًا نقلت صحيفة أديس أبابا ستاندرد أن قادة قبيلة العفر المنتشرة بين دول إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا يطالبون ويتطلعون إلى تعزيز العلاقات مع إسرائيل، في مواجهة المخاوف الأمنية المتصاعدة من تعرضهم للقمع على أيدي النظام السياسي في إريتريا بقيادة أسياس أفورقي.

يشير الموقع الإثيوبي إلى أن مؤتمرًا عُقد في إثيوبيا خلال الفترة الممتدة من 28 ديسمبر إلى 30 ديسمبر 2025، جمع شخصيات سياسية ممثلة لشعب العفر، وضم شخصيات سياسية وممثلين عن الشباب والنساء والقادة الدينيين والصحفيين والحقوقيين، وذلك من أجل توحيد الجهود المبذولة لمكافحة القمع في إريتريا، وتعزيز الروابط بين المجتمعات العفرية المنتشرة عبر الحدود المشتركة لدول القرن الإفريقي. وفي ذات السياق، أكد الحاضرون في مؤتمر شعب العفر في إثيوبيا على أهمية الدعم الإثيوبي الجيبوتي لهم.

من هم العفر؟

تُعد قبيلة العفر من أهم القبائل المنتشرة في منطقة القرن الإفريقي، خاصة في جيبوتي وإريتريا والمناطق الشمالية الشرقية لإثيوبيا. وفي السابق كانت توجد مملكة موحدة تحكم العفر في العصور القديمة، إلا أنه بعد ظهور الدول القومية في أفريقيا تشرذمت قبيلة العفر بين أربع دول إفريقية، وهي إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، ويشكل العفر نسبة معتبرة في إثيوبيا وجيبوتي، ويدين المجتمع العفري في شرق إفريقيا بالإسلام.

قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 
قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 

أكبر تهديد يواجه العفر حاليًا يأتي من قبل تهديدات "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة"، الحزب الحاكم حاليًا في إريتريا، لذا يحاول المجتمع العفري استمالة الجانب الإسرائيلي إلى صف القضية العفرية، ملوحين في الوقت نفسه بأهمية التعامل مع المجتمعات العفرية، كونها تشرف على طرق تهريب الأسلحة في مناطق شرق إفريقيا، والتي تستغلها كل من إيران وحزب الله في تهريب الأسلحة الخاصة بهما.

دلالات التقارب الإسرائيلي ــ العفري

يحمل التقارب الإسرائيلي ــ العفري، الذي بدأ في التشكل مؤخرًا، العديد من الدلالات السلبية على أمن ومستقبل منطقة القرن الإفريقي، منها على سبيل المثال:

أولًا: تشجيع الحركات الانفصالية وهدم الدول الوطنية

تعد المطالبات العفرية الأخيرة بالتعاون مع إسرائيل واستجلاب حمايتها الأمنية والعسكرية والسياسية من شأنها تعزيز طموحات الحركات الانفصالية في منطقة القرن الإفريقي، وبالتالي من المحتمل أن نرى خريطة فسيفسائية في المستقبل القريب تضم عشرات الدول المستقلة في المنطقة، والتي تعبر كلٌّ منها عن نفوذ إحدى الدول الكبرى والإقليمية، وهو ما قد يعرض أمن واستقرار المنطقة للخطر الشديد، ويبقي الأمن فيها مرهونًا بتوافقات الدول الكبرى والإقليمية.

قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 
قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 

ثانيًا: تمدد النفوذ الإسرائيلي في إريتريا

في حال إتمام التعاون بين العفر وإسرائيل، ستكون إسرائيل قد نجحت في تمديد نفوذها البحري في جنوب البحر الأحمر من ميناء بربرة جنوبًا وحتى ميناء عصب وأرخبيل دهلك شمالًا، مما يعني امتداد النفوذ الإسرائيلي التام على مناطق جنوب البحر الأحمر، والسيطرة على الملاحة فيه بشكل كامل، وتهديد المصالح السياسية والاقتصادية لباقي الدول المستفيدة من الملاحة في البحر الأحمر، كمصر، التي تعتمد على نشاط الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس كمصدر أساس للدخل القومي.

ثالثًا: السيطرة على خطوط التهريب في شرق إفريقيا

تعد تلك المنطقة ساحة جيدة لتهريب السلع والخدمات والأسلحة من وإلى الدول الإفريقية، وساهمت إيران وحزب الله والحوثي في استغلال تلك المنطقة من أجل تسهيل عمليات تهريب الأسلحة.

قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 
قبيلة العفر في القرن الإفريقي - أرشيفية 

رابعًا: خلق أقليات أكثر تميزًا في منطقة القرن الإفريقي

قد يسهم التعاون الإسرائيلي مع العفر في خلق إشكالية الأقلية الأكثر تميزًا، وهي الأقلية التي تتميز بامتلاكها العديد من الموارد، والأكثر غنىً وتميزًا، وهو الأمر الذي قد يسبب حالة من الغبن الاجتماعي، خاصة في صفوف الأغلبية التي لا تمتلك العديد من الموارد، الأمر الذي يهدد في المستقبل بحروب ونزاعات أهلية بين تلك الجماعات، وذلك على غرار الصراع بين الهوتو (الأغلبية قليلة الموارد) والتوتسي (الأقلية غنية الموارد) في رواندا، حيث تسبب الغبن الاجتماعي في حدوث الإبادة الجماعية للتوتسي في أبريل 1994، والتي راح ضحيتها مليون مواطن من التوتسي. لذا فإن محاولات خلق أقلية عفرية متميزة في القرن الإفريقي من شأنها زيادة حدة الغبن الاجتماعي في المنطقة، وزيادة مؤشرات الحرب الأهلية في البلاد، خاصة في إريتريا، إذ يسوق العفر أنفسهم حاليًا على أنهم النظام البديل في حال الإطاحة بحكم أسياس أفورقي في إريتريا.

ختامًا:

التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها الاستراتيجي الأوسع، المرتبط بإعادة تشكيل موازين النفوذ في البحر الأحمر ومحيطه، واستغلال الهشاشة البنيوية للدول والمجتمعات المحلية. فالتقارب مع الكيانات الانفصالية أو المكونات الإثنية العابرة للحدود، مثل إقليم أرض الصومال وقبيلة العفر، يحمل في طياته مخاطر جدية على وحدة الدول الوطنية واستقرار الإقليم، ويهدد بتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي. وعليه، فإن استمرار هذا النهج من شأنه تعميق الأزمات القائمة، وإعادة إنتاج أنماط جديدة من الصراع الأهلي والتدخل الخارجي، بما يفرض على دول المنطقة والقوى الإقليمية المعنية مقاربة أكثر تنسيقًا ووعيًا لمواجهة تداعيات هذا التمدد والحفاظ على أمن واستقرار القرن الإفريقي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء