التصعيد الإثيوبي–الإريتري: صراع المنافذ يعيد شبح الحرب إلى القرن الإفريقي
تعيش منطقة القرن الإفريقي حاليًا حالةً من الاستقطاب السياسي بين أقطاب مختلفة، تنذر بوقوع حرب وشيكة بين دول المنطقة، وتُعد إثيوبيا عنصرًا محرِّكًا في تلك الاستقطابات الدائرة حاليًا في منطقة القرن الإفريقي؛ فرغبتها الكبيرة في الوصول إلى منفذ بحري جعلتها تتخذ سياسات أكثر ضررًا بأمن المنطقة المضطربة في الأساس.
تشهد الحدود الإثيوبية الإريترية حاليًا تصاعدًا ينذر باحتمالية نشوب حرب وشيكة بين البلدين؛ فمطالبات إثيوبيا المستمرة بميناء عصب الإريتري تشهد تطورات كبيرة، خاصة بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي مؤخرًا بأهمية استعادة منفذ بلاده على البحر الأحمر، وأنه يجب تصحيح أخطاء الماضي، وأن ذلك بات مسألة وجودية لإثيوبيا غير الساحلية. وفي المقابل، رد وزير الإعلام الإريتري يماني جبريمسكل باتهام النظام الإثيوبي بالنزعة التوسعية وإشعال حرب غير مبررة مع أسمرة.
حرب التصريحات السياسية الأخيرة بين الطرفين أعادت إلى الأذهان مرةً أخرى تاريخ العلاقات المضطرب بين البلدين، وتحديدًا الحرب الحدودية التي اندلعت عام 1998، والتي تم استغلالها في ذلك الوقت من قبل الرئيس أسياس أفورقي في عودة نظام التجنيد الإلزامي، وتشديد القبضة الأمنية على البلاد، واستغلال ميناء عصب على البحر الأحمر للضغط على الجانب الإثيوبي من خلال غلقه أمام التجارة الخارجية الإثيوبية.
تكريس الاستبداد
ساهمت حرب عام 1998 في زيادة استبداد النظام السياسي الإريتري؛ فمنذ ذلك التاريخ وسّع النظام قبضته الأمنية على البلاد، مستغلًا التجنيد الإجباري في حشد ودعم النظام السياسي، الأمر الذي ساهم في خيبة أمل العواصم الغربية التي كانت ترى في إريتريا عشية الاستقلال عام 1993 واحدةً من النماذج الإفريقية الرائدة في التطور السياسي الديمقراطي، إلا أن النزاع مع إثيوبيا حوّل النظام إلى أقصى درجات التطرف والقمع السياسي.

كانت إريتريا في بواكير استقلالها تُعد حافزًا على التوجه الديمقراطي في إفريقيا في بداية التسعينيات؛ فعلى سبيل المثال، رحّب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في البيت الأبيض عام 1995 بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي، إذ أشاد كلينتون وقتها بالتوجهات الديمقراطية واقتصاد السوق الحر في أسمرة.
نشأة إريتريا
في نهاية القرن التاسع عشر، تم احتلال إريتريا من قبل إيطاليا، وخلال الحرب العالمية الثانية نجحت بريطانيا في طرد إيطاليا من مستعمراتها في شرق إفريقيا، الأمر الذي فتح شهية الإريتريين وقتها إلى تحقيق استقلال البلاد، خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. إلا أن لعبة التوازنات الدولية التي قادها كل من بريطانيا والإمبراطور هيلا سيلاسي حالت دون تحقيق إريتريا لاستقلالها، وفرضت عليها اتحادًا كونفدراليًا مع إثيوبيا عام 1952.
وفي عام 1962، انقلب الإمبراطور هيلا سيلاسي على الاتفاق الكونفدرالي بين البلدين، وضم إريتريا إلى بلاده، وعطّل عمل الجمعية الوطنية الإريترية، وضم إريتريا إلى باقي الأقاليم الإثيوبية؛ أي أن إريتريا أُعيد احتلالها مرةً أخرى، مما أدى إلى نشوب مقاومة وطنية مسلحة ضد الوجود الإثيوبي. ولم يحظَ النضال الإريتري بأي دعم دولي كافٍ خلال فترة النضال الممتدة من عام 1962 حتى عام 1993، حين تمكنت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا من فرض استقلال البلاد عن إثيوبيا. وساهمت الحروب اللاحقة عام 1998 في تعميق الشعور بالهوية الإريترية في مقابل محاولات إثيوبيا العودة من جديد إلى إريتريا.

تفكيك المجتمع الإريتري
تسعى إثيوبيا الآن إلى تصدير مشكلات داخلية في المجتمع الإثيوبي عبر تثوير الأقليات في الداخل الإريتري؛ فمن المعروف أن أغلب سكان البلاد ينتمون إلى جماعة التيجراي، والتي لها امتدادات في الداخل الإثيوبي، والتي كان منها أيضًا رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي.
فمؤخرًا استضافت أديس أبابا مؤتمرًا لعرقية العفر التي تسكن في بعض المناطق الغربية من إريتريا، وتسعى إثيوبيا من خلال تثوير عرقية العفر إلى إنشاء أزمة قومية في الداخل الإريتري، وادعاء وجود أقلية مضطهدة، معتمدةً أيضًا على السلوك العدواني للنظام السياسي في أسمرة تجاه الأصوات المعارضة له، من أجل إيجاد ذريعة إقليمية ودولية للتدخل في البلاد وإسقاط النظام، وبالتالي السماح لإثيوبيا بالوصول إلى موانئ البحر الأحمر وفتح منفذ بحري لها.
تفكيك الصومال
لا تكف أديس أبابا عن تثوير الداخل الإريتري؛ فسابقًا عملت على زعزعة استقرار الصومال وتقسيمه إلى أقاليم مستقلة، لأجل كسر حصار جغرافيتها السياسية، إذ عملت على دعم الأقاليم الصومالية الشمالية على الاستقلال وتمزيق الخريطة الصومالية، مثل دعم إقليمي بونتلاند وصوماليلاند، الأمر الذي أدخلها في صراعات سياسية مع النظام الفيدرالي الصومالي في مقديشو.
وعلى غرار صوماليلاند، تحاول إثيوبيا من خلال تثوير عرقية العفر في إريتريا خلق مزاعم استقلالية في إريتريا، من أجل تمزيق خريطتها الجغرافية وتمكين النظام السياسي الإثيوبي من الولوج مرةً أخرى إلى البحر الأحمر.

تداعيات الاستقطابات السياسية
تحاول أديس أبابا حالياً خلق حالة من الاستقطابات في منطقة القرن الإفريقي بين دول وكيانات تدعمها، ودول وكيانات معادية لها، وذلك من أجل تحقيق حلمها بالوصول إلى منفذ بحري يضمن استقرار تجارتها مع العالم الخارجي. إلا أن ذلك الاستقطاب يحمل تداعيات سلبية على أمن واستقلال المنطقة برمتها، أبرزها:
أولًا: اشتعال حرب إقليمية في المنطقة
محاولات الاستقطاب الإثيوبي ستؤدي في النهاية إلى اشتعال حرب إقليمية كبرى تبدأ من شمال كينيا حتى الحدود الإثيوبية السودانية، الأمر الذي سيؤدي إلى انخراط العديد من الدول، مثل إثيوبيا وكينيا والصومال وأوغندا وإريتريا والسودان، في تلك الحرب المتوقعة.
ثانيًا: توسع منطقة عدم الاستقرار
منطقة القرن الإفريقي مضطربة أمنيًا وتقع ضمن إقليم أكبر، هو شرق إفريقيا، الذي يتميز بانعدام الأمن وشيوع الاضطرابات الداخلية؛ فمثلاً في منطقة البحيرات الكبرى توجد الحرب الدامية في شرق الكونغو. لذا فإن اندلاع الحرب بين إثيوبيا وأحد جيرانها، سواء الصومال أو إريتريا، من شأنه جعل منطقة شرق إفريقيا أكثر رخاوة واتساعًا للحروب الإقليمية.
ثالثًا: زيادة تدخل الدول الإقليمية
اندلاع الحرب في منطقة القرن الإفريقي سيؤدي إلى تدخلات إقليمية موسعة من قبل دول مثل مصر وتركيا وإسرائيل وقطر والإمارات، إذ إن لكل هذه الدول مصالح ستعمل على حمايتها، وستتدخل لصالح أحد الأطراف في حال اندلاع أي حرب، أملاً في حماية مصالحها القومية.
رابعًا: زيادة نشاط الجماعات المتطرفة
في حال اندلاع الحرب في القرن الإفريقي، سيكون الأمر مواتيُا أمام الجماعات المتطرفة مثل حركة شباب المجاهدين، وداعش، وجيش الرب، من أجل التوسع والانتشار؛ فالوضع الأمني المنهار سيكون مناسباً أمام تلك الجماعات لتحقيق مزيد من النفوذ والانتشار.
يتضح أن الاستقطابات السياسية المتصاعدة في منطقة القرن الإفريقي لم تعد مجرد خلافات عابرة بين دول الجوار، بل باتت تعكس صراعًا بنيويًا على النفوذ والممرات البحرية وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية. وتبرز إثيوبيا بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة، إذ تسعى إلى كسر عزلتها الجغرافية عبر سياسات توسعية تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على أمن واستقرار المنطقة.
وتكشف التطورات الأخيرة على الحدود الإثيوبية الإريترية، إلى جانب محاولات تفكيك المجتمعات الوطنية في كل من إريتريا والصومال، عن نمط متكرر يقوم على توظيف الهويات العرقية وإشعال النزاعات الداخلية كوسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع. وهو مسار لا يهدد سيادة الدول المعنية فحسب، بل ينذر بفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية أعمق، ويهيئ بيئة خصبة لتمدد الجماعات المتطرفة.
وعليه، فإن استمرار هذه الاستقطابات دون أطر احتواء إقليمية فاعلة قد يدفع منطقة القرن الأفريقي إلى موجة جديدة من الصراعات طويلة الأمد، تتجاوز حدود الدول لتطال أمن شرق إفريقيا برمته. وهو ما يفرض على الفاعلين الإقليميين والدوليين البحث عن مقاربات سياسية ودبلوماسية توازن بين المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الاستقرار، قبل أن تتحول المنطقة إلى بؤرة صراع مفتوحة يصعب احتواؤها.



