من الجهاد إلى السياسة: كيف ترى إسرائيل تحولات الخطاب السوري؟
في 6 يناير الماضي، شهدت العاصمة الفرنسية باريس اختتام الجولة الخامسة من المفاوضات الإسرائيلية-السورية برعاية أمريكية، وقد خلصت المفاوضات إلى تشكيل خلية اندماج مقرها العاصمة الأردنية عمّان، تتولى مسألة الإشراف على الوضع الأمني في جنوب سوريا، ومراقبة خطط نزع السلاح، ومناقشة الانسحاب الإسرائيلي من مناطق جبل الشيخ والعديد من المناطق التي تم احتلالها فور سقوط نظام بشار الأسد.
خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات، بدت إسرائيل وكأنها غير راضية عن مخرجاتها، وأنها تحت ضغط أمريكي شديد لقبول التفاوض مع الجانب السوري؛ فرئيس الوزراء الإسرائيلي يرى أنه لا جدوى من المفاوضات مع الجانب السوري في الوقت الراهن، وذلك لأمرين: أولهما أن إسرائيل نجحت بفعل قوتها وقدرتها في تأمين حدودها الشمالية وإبعاد الخطر عن تلك الحدود، وأن النظام السوري حاليًا لا يقوى على مواجهة الجيش الإسرائيلي في مناطق جبل الشيخ. أما الأمر الثاني، فهناك عدم ارتياح إسرائيلي للأيديولوجية الدينية التي يتمتع بها النظام السوري الحالي؛ فالرئيس السوري أحمد الشرع وبطانته السياسية (هيئة تحرير الشام سابقًا) ينتمون فكريًا وأيديولوجيًا إلى ما يسمى تيار السلفية الجهادية، والتي يُعد محاربة اليهود وإزالة إسرائيل أبرز مقولات ذلك التيار الجهادي، كما أن هذا التيار يتقارب فكريًا وأيديولوجيًا وحركيًا مع الفكر السائد حاليًا في فصائل المقاومة الفلسطينية، حيث حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

لذا تنظر إسرائيل بعين الريبة والحذر في التعامل والتعاطي مع النظام السوري الجديد، رغم التطمينات الأمريكية المستمرة. وفي هذا الإطار، حاول معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب تفكيك الخطاب الديني للنظام السوري الحالي والوقوف على جدية النظام السوري في تحقيق اتفاق سلام مع إسرائيل، وذلك عبر مقال تحليلي شارك فيه كل من أوفير وينتر، الباحث الأول بالمعهد والمحاضر في قسم الدراسات العربية والعبرية بجامعة تل أبيب، وكارميت فالنسي الباحثة بالمعهد، وأخيرًا أمل حايك الباحث المساعد في برنامج سوريا بمعهد دراسات الأمن القومي.
إضفاء الشرعية
في البداية، حاول المقال المنشور على موقع معهد دراسات الأمن القومي تفسير عملية التحول في الخطاب الديني والسياسي السوري إزاء إسرائيل، من خطاب يحمل مواقف عدائية تجاه إسرائيل ويرفض السلام معها، إلى خطاب أقل حدة في الانتقاد؛ إذ لوحظ في الفترة الأخيرة تراجع في لهجة انتقاد إسرائيل في الخطاب الديني السوري وإبراز العداء معها، حتى في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري.
يفسر المقال أن التحول في الخطاب الديني الحالي في دمشق لا يعبر عن حالة تحول أيديولوجي عميق في الفكر والخطاب الديني يمهد لإمكانية تحقيق مصالحة شاملة بين دمشق وتل أبيب، وإنما هو عبارة عن مجرد محاولة لإضفاء الشرعية على ترتيبات محدودة يمكن تبريرها وتمريرها على أنها هدنة بين طرفين.
ونتيجة تلك البراجماتية الدينية السورية في التعامل مع إسرائيل، يوصي كاتبو المقال بضرورة عدم اعتماد إسرائيل فقط على الترتيبات العسكرية في إطار التسوية المقبلة بين البلدين، بل يجب أن يكون هناك إطار عمل متكامل يتضمن أبعادًا سياسية والتزامًا مستقبليًا متبادلًا بحل النزاعات سلميًا، الأمر الذي سيتيح لتل أبيب فهمًا أعمق لنوايا النظام السوري.

طريق القدس يبدأ من دمشق
تُعد الرموز الدينية هي عصب النظام الجديد في دمشق، وبالتالي تُعد القضية الفلسطينية، وفي القلب منها قضية القدس، هي العمود الفقري للتيار السياسي السائد حاليًا في دمشق. وإن تراجعت مركزية القدس في الخطاب الحالي مؤقتًا، إلا أنها ستظل الفكرة المركزية الرئيسة في هذا الفكر. فعلى سبيل المثال، في الماضي القريب قبل نجاح الثورة السورية، كان يتمتع رجال الدين في هيئة تحرير الشام بحرية أكبر في التعبير عن آرائهم الدينية، وبالتالي احتلت قضية القدس حيزًا من خطاباتهم، رغم أن خطابهم الرئيسي في ذلك الوقت كان النضال ضد نظام بشار الأسد.
فعلى سبيل المثال، الشيخ أسامة الرفاعي، المفتي العام للجمهورية السورية، سبق أن أيد فتوى تحظر الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام. كما التقى الرفاعي في عام 2022 برئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في أنقرة، في محاولة منه لثني الحركة عن إعادة علاقتها مع النظام السوري من جديد، كما أصدر الرفاعي وقتها بيانًا يشيد بحركة حماس ويعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لجميع المسلمين.
وبعد أسبوعين من طوفان الأقصى الذي وقع في 7 أكتوبر 2023، عقدت هيئة تحرير الشام مؤتمرًا صحفيًا تضامنيًا مع حركة حماس تحت عنوان "من إدلب إلى غزة ـــ الجرح واحد"، وكان من بين المتحدثين مظهر الويس الفقيه بالهيئة، ووصف إسرائيل وقتها بالكيان السرطاني الذي زرعه الغرب في قلب العالم الإسلامي لتفتيت الأمة ومنع نهضتها، ودعا وقتها إلى الجهاد في سبيل الله ونصرة المقاومة.
التغير في الخطاب
بعد 8 ديسمبر 2024، خفت لهجة هيئة تحرير الشام العدائية لإسرائيل لصالح خطاب آخر يركز على تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار الداخلي، الأمر الذي يثير تساؤلًا: هل هذا تحول أيديولوجي حقيقي أم براغماتية تكتيكية تهدف إلى ضمان ترسيخ المشروع الإسلامي السوري وبقائه؟
ومن أبرز مظاهر التحول في الخطاب هو تحول خطاب مظهر الويس؛ فبعد أن اعتلى منصب وزير العدل في الحكومة السورية الجديدة، طالب بضرورة التفريق بين إدارة الدولة والأيديولوجيا، مقدمًا المبرر للتخلي عن المعتقدات السابقة، كما ساق العديد من المبررات الشرعية حول شرعية التعاون مع التحالف الدولي لمحاربة داعش، وذلك استنادًا إلى المصلحة وفقه المقاصد الرئيسية للشريعة الإسلامية.
أما بالنسبة للوضع مع إسرائيل، فقد خفت موجة انتقاد إسرائيل في الخطاب السياسي الرسمي السوري، وإن ظل الخطاب الديني ينتقد الأفعال والتصرفات الإسرائيلية، وإن كانت بدرجة أقل من الماضي. فعلى سبيل المثال، في مؤتمر هيئة تحرير الشام بعد 7 أكتوبر طالبت الهيئة بالجهاد ضد إسرائيل، لكن مؤخرًا في الخطاب الديني السوري، عادة ما كان يتم انتقاد إسرائيل بعد تدخلها في الشأن السوري، مثل انتقاد أسامة الرفاعي مفتي سوريا للغارة الإسرائيلية على درعا في مارس 2025، وأيضًا انتقاده لطائفة الدروز في محافظة السويداء بعد تعاونهم مع إسرائيل؛ أي أن الخطاب الديني الناقد لإسرائيل مؤخرًا أصبح خطاب رد فعل للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في سوريا.

لا يتوقع الكُتاب الإسرائيليون خيرًا كثيرًا من وراء المفاوضات الأمنية الحالية مع النظام السوري الحالي، وذلك لأن المؤسسة الدينية الحالية في سوريا، ويقصد هنا مؤسسة الإفتاء، لا توفر الأرضية اللازمة من أجل اتفاقية سلام دائم مع إسرائيل، وأن كل ما ترجوه هو اتفاق هدنة يتم على أساسه الرجوع إلى ترتيبات واتفاقيات فك الاشتباك بين البلدين عام 1974، وعادة ما تشرعن الإفتاء السورية الاتفاقيات الأمنية بين سوريا وإسرائيل باعتبارها مشابهة لصلح الحديبية بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبيلة قريش.
يرى المقال الإسرائيلي أيضًا أن توقيع الاتفاقية مع سوريا سيسمح بنمو نظام إسلامي متشدد في سوريا، وبالتالي من المحتمل أن يكون مصدرًا للخطر في المستقبل على دول المنطقة، وفي المقدمة منها إسرائيل. لذا يجب التوقيع على اتفاق تطبيع أكثر شمولية يوضح نيات النظام السوري ويربطه بالعديد من الاتفاقيات السلمية التي لا يمكن تجاوزها.
ختامًا:
يمكن القول إن تل أبيب لم تستطع حتى الآن تجاوز مسألة الخلفية الأيديولوجية للرئيس السوري أحمد الشرع، وترى أن محاولاته للتقرب من أمريكا والدول العربية المعتدلة، وأيضًا إسرائيل، ما هي إلا محاولة تكتيكية هدفها تثبيت أواصر حكمه في دمشق كمرحلة أولية، قبل أن يعمل في المستقبل على تمدد مشروعه السياسي في المنطقة؛ فالمنهج السياسي الذي يتبناه الشرع يلزمه ويلزم أتباعه بضرورة الانتشار على مستوى العالم الإسلامي وتمدد دولته خارج الحدود، الأمر الذي سيجعله مستقبلًا في حالة صدام مع أي من دول الجوار السوري، خاصة الدول العربية.



