رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصوف المغربي: عمود الهوية الروحية والدبلوماسية الوطنية

الطرق الصوفية في
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية

يمثل التصوف في المغرب أحد أبرز ملامح الهوية الدينية والثقافية للبلاد، فهو ليس مجرد ممارسة روحانية فردية، بل مؤسسة متجذرة في التاريخ، ارتبطت بالطرق والزوايا الصوفية التي أسهمت في تشكيل البنية الدينية والاجتماعية والسياسية للمغرب. ومن خلال هذا التراث، تمكنت الدولة المغربية من توظيف الصوفية في مواجهة الجماعات المتطرفة، وتفعيل دورها في نشر الإسلام المعتدل وتعزيز الاستقرار الداخلي. كما لعب التصوف المغربي دورًا محوريًا في الدبلوماسية الروحية، حيث ساهمت الطرق الصوفية في بناء علاقات استراتيجية مع دول إفريقية وعربية، ما أضاف بعدًا سياسيًا واقتصاديًا لوجودها الروحي. هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف كيفية تطور التصوف في المغرب، من أصوله التاريخية إلى دوره الحالي في خدمة الدولة والمجتمع، مستعرضة أبرز الطرق الصوفية ومظاهر حضورها في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية.

دمج الصوفية

عمل النظام المغربي على إدماج الصوفية في الحكم بهدف مواجهة ومحاربة الجماعات الأصولية المتطرفة، ومنذ أحداث 11 سبتمبر 2001، تقوى الاتجاه الداعي إلى العودة إلى الإسلام "الصوفي" الذي ارتبط بالطرق والزوايا الصوفية التي طبعت تاريخ المغرب الرسمي والشعبي، وقد تحول التصوف  إلى عنصر أساسي ضمن استراتيجية إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب،  التي تعمل على تفعيل التصوف كمحدد للسلوك، بهدف مواجهة التيار السلفي بصيغته التقليدية والجهادية، حيث اعتبرت السلطات أن مصدر الخطر يكمن في الإيديولوجية السلفية الداعية للعنف. 

 

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

بعد عام من تعيين أحمد التوفيق، وهو مؤرخ وكاتب وروائي معروف، حدثت هجمات 16 مايو 2003 الإرهابية في الدار البيضاء، فاضطرت الدولة المغربية، عبر الجهاز المشرف على الشؤون الإسلامية، إلى مراجعة سياستها الدينية، حيث وجدت وصفتها المثالية من خلال التخلّي عن دعم التيارات السّلفية، وفتح الأبواب أكثر أمام التوجهات الصّوفية التي تشجع الإسلام المعتدل.

ويتجاوز عدد مجموعات الطرق الصوفية الـ 140 طريقة، فيما يبلغ مجمل عدد الزوايا والأضرحة، حسب إحصاء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لسنة 2019، سبعة آلاف زاوية وضريح، وغالبيتها أضرحة لأولياء صالحين يُعتبر بعضهم أقطابًا أو رموزًا للطرق الصوفية. فكما يقولون "إذا كان المشرق بلاد الأنبياء، فالمغرب بلاد الأولياء"؛ ذلك أنه "ينبت الصالحون بالمغرب كما تُنبت الأرض الكلأ". 

من جهتها، ترعى الدولة الزوايا والطرق الصوفية من خلال عدة مظاهر رسمية، لعل أهمها تقديم هبات ملكية خاصة إلى مجموعة من الزوايا، وقيامها بإصلاح العديد من الأضرحة من أجل الإبقاء عليها وتطوير أنشطتها. فضلًا عن تقديم الدعم اللازم لتنظيم العديد من اللقاءات ومواسم الطرق الصوفية، ومن بينها اللقاء الصوفي العالمي "سيدي شيكر" بنواحي مدينة آسفي، الذي يستقبل مئات المنتسبين إلى الطرق الصوفية، ويعد رباطًا يضم عشرات الزوايا من أزيد من 50 بلداً في العالم.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

انتشر الطرق الصوفية في المغرب بعد القرن الخامس الهجري إبان حكم يعقوب المنصور الموحدي، الذي بنى زاوية في مدينة مراكش، واعتنى ملوك المغرب بإنشاء الزوايا، مثل "دار الضيافة" التي بناها المرينيون، أو الزاوية العظمى التي أسسها أبو عنان فارس، خارج مدينة فاس، وكانت تسمى في فترة من فترات تاريخ المغرب "دار الكرامة".وتنشط في المغرب عشرات الزوايا الصوفية، مثل الطريقة الشاذلية التي تنسب إلى أبي الحسن الشاذلي، وهناك الزاوية البودشيشية القادرية والزاوية الدلائية، وغيرها.

تأسيس الزوايا بالمغرب 

التصوف بالمغرب مقرون بذكر الزوايا، ويقصد بها المدرسة التي نشأ فيها وترعرع فيها، يعتبر مصطلح خاصا بالمجتمع المغاربي، وفي المشرق العربي تعرف بـ "خانقاه" أو "تكية" وكلاهما لفظ أعجمي، وقد تأسست في بداية أمرها بقصد تلقين المريدين القيام بشعائر الصوفية، لكنها لم تلبث أن تحولت إلى مدارس دينية، لم تقتصر على تلقين الأوراد، والتفرغ للخلوة والعبادة. بل تعدت ذلك إلى تلقين العلوم الإسلامية بكامل فروعها، كما أصبحت مقصودة للضيافة وإيواء الغرباء والمسافرين، حتى قيل في تعريفها "إنها مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة".

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

غاية التصوف في المغرب، التحلي بالأخلاق المحمدية؛ والتصوف الذي دعا إليه الجنيد، تصوف أخلاقي ذوقي. فيقول الجنيد كما ورد في "حلية الأولياء" لأبي النعيم الأصفهاني: "علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به"، وفي موضع آخر: "التصوف هو اجتناب كل خلق دني واستعمال كل خلق سني، وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت".

في كتابه "مؤسسة الزوايا بالمغرب"، يرى الباحث في الشؤون الدينية، محمد ضريف، أن التصوف بالمغرب، تطور على مرحلتين، مرحلة التبعية، ومرحلة مغربة التصوف، أما التبعية؛ فيُقصد بها أن التصوف في البدء إذ ظهر في المغرب، كان مشرقي الهوى. وفيما بعد، والحديث هنا عن المرحلة الثانية، بدأت محاولة مغربته. مغربةُ التصوف، وفق ضريف، مرحلةٌ دشنها عبد السلام بن مشيش، وقد سعى فيها إلى التميز عن التابعين، أمثال أبي مدين الغوث وعلي بن حرزهم. ثم أكمل مسعاه تلميذه أبو الحسن الشاذلي، ليصل الأمر ذروته مع محمد بن سليمان الجزولي.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

رغم أن الصوفية تعد أهم ركائز "التديُّن المغربي" الذي يدرِّس فقه الإمام مالك، والعقيدة الأشعرية، ويطوف حول معارف الإمام الجنيد، وسلكوا طريق التذوق والارتقاء في مقامات أهل الطريق، فإن المتصوفة لم ينقطعوا عن ممارستهم للحياة الاجتماعية العادية، ولعبوا أدوارًا، دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا وأيضًا اقتصاديًا، وكان الدور السياسي حاسمًا في مراحل عديدة من تاريخ المغرب، وذروة هذا الدور حين احتل "الأيبيريون" سواحل المغرب في القرن الخامس عشر للميلاد، وقتذاك، تجلت للعيان فائدة التنظيم؛ إذ حمل المتصوفة على عاتقهم عبء تعبئة الناس لتحرير ثغور بلادهم.

ظهر التصوف كاتجاه فكري وأخلاقي بالمشرق، وأصبح له بالتدريج قواعد ومقامات ومصطلحات خاصة. وبنية تنظيمية ما فتئت تتطور متخذة شكل الطائفة ثم الطريقة، بعد أن خضع في مسيرته لعدد من المؤثرات لا يزال النقاش قائمًا حولها بين الدارسين، وأدى هذا التنوع في المصادر إلى تنوع في توجهات الصوفيين ومشاربهم. 

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

التصوف السني

فظهر في التصوف اتجاهان أساسيان عرف أحدهما بـ"التصوف السني" أو الأخلاقي وأبرز ممثليه الإمام أبو القاسم الجنيد، وعرف الأخر بـ"التصوف الفلسفي"، وأشهر ممثليه الإمام أبو يزيد البسطامي، وأصبح لكل اتجاه منهما طبيعته واصطلاحاته الخاصة وانتشرا معًا بالمشرق والمغرب، ورغم وصول تأثيراتهما إلى الغرب الإسلامي فإن الغلبة كانت للاتجاه الأول لدى صوفية المغرب الأقصى. 

يعتبر العصر المرابطي، بداية لمرحلة تحول مهمة في تاريخ التصوف بالمغرب الأقصى، ورغم غياب التقاليد الصوفية بالمعنى الاصطلاحي، فقد كانت هناك حركة زهديه واسع تستمد وجودها من الخلفية التاريخية للإسلام في المغرب، ومن طبيعة العصر نفسه الذي طغت عليه سمة الصلاح والجهاد، تجسدت أولا في الحركة "المرابطية" التي اعتمدت في تكوينها طابعًا زهديًا عمليًا بتوجيه الإمام عبد الله بن ياسين الجزولي، الذي تعتبره كل من كتب مناقب العلماء والصوفية أحد رجالها كـ"المدارك" و"التشوف، وغيرهما. 

ويرى التصوف المغربي أن الطريقة من المدارس السلوكية للتصوف، حيث تجعل من أصول القرآن والسنة منهاجًا لها في السلوك التربوي والأخلاقي، وما أعلى من قيمة شيخ الطريقة هو تأطيره للمنتسبين إليه تأطيرًا خاليًا من كل الشوائب؛ فالشيخ ضروري في أي علم من العلوم وهو بمثابة المرشد الكامل، الذي سلك الطريق وعرف مداخله ومخارجه وعرف مكائد الشيطان وما يصيب النفوس من آفات ووساوس. 

<span style=الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية ">
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

ويرى الدكتور أنس عبد الهادي الحسيسن، أن "العهد الموحدي" يعد مرحلة انتشار التصوف المغربي، وظهور أعلامه الكبار، إذ كان أكثرهم ينتمون إلى الطريقة "الجنيدية"، الذين مهدوا للطفرة الكبرى للتصوف فيما بعد، أي بعد استفادته من حرية الرأي والتعبير، يضاف إلى هذا العنصر العناية التي أولاها السلطان "يوسف الموحدي" للتصوف ليصل إلى مداه مع يعقوب المنصور المتوفى سنة 595 ه، وبهذا كان القرن السادس الهجري نقطة تحول في المشهد الفكري بالمغرب، ليعم التصوف السني القرن السابع.

في العهد المرابطي، بدأ التصوف المغربي يعرف تحوُّلات عدة، ذلك لأن الدولة "المرابطية" التي تبنَّت السلفية ساهمت في خفوت التصوف بمعناه التقليدي، لكن أجواء الزهد والصلاح والجهاد ظلَّت حاضرة بقوة. في البداية، حاول المتصوفة تجنُّب الاصطدام بالسلطة السياسية "المرابطية"، لكن القوى الصوفية انتفضت فجأة بعدما تمكَّن الوهن من المرابطين، وهو ما مهَّد للموحِّدين الانقضاض على حكم المغرب الأقصى، ومن ثمَّ تمكَّنت الصوفية من إيجاد تربة خصبة لمعاودة الظهور. 

المقامات الصوفية في المغرب - أرشيفية 
المقامات الصوفية في المغرب - أرشيفية 

ويرى الدكتور أنس عبد الهادي الحسيسن، أنه على الرغم من أن التصوف بالمغرب ربما خفت إشعاعه في بعض الأوقات، إلا أن التصوف بالمغرب ظل شامخًا، وكان في مجمله مُستنِدا إلى السنة، فجذوره إسلامية سنية، وأن مسار التصوف المغربي، والأشواط التاريخية، التي قطعها مر بمراحل متعددة انطلاقا من عهد الجنيد وأبي يزيد إلى عهد عبد القادر الجيلاني، ثم من عهد أبي مدين وعبد السلام بن مشيش إلى زمن الشاذلي في القرن السابع الهجري، ثم من عهد الشاذلي إلى عهد الجزولي، وكذلك من عهد الجزولي إلى وقتنا الحاضر، وأنه تأسيسا على ما سبق، فإن البداية التاريخية للتصوف بالمغرب، انطلقت مع أبي القاسم الجنيد (ت297ه)، فهو أول رواد التصوف وصاحب أول محاولة للتوفيق بين التصوف وتعاليم السنة، وإليه يعود الفضل في إغناء الفكر والثقافة الصوفية الإسلامية.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

مع مرور السنوات، تمكَّن التصوف من تثبيت أقدامه في المغرب، وظهرت له مدارس عديدة، مثل المدرسة الأخلاقية التي تبنَّت "التصوف السني" بالمعنى الحرفي، مُستلهمة سيرة أبرز رموزه "أبو القاسم الجنيد"، ومع انتشار الزهد ظهر مفهوم آخر تشرَّبه المغاربة وهو مفهوم "الرباط"، ويُقصَد به حراسة ثغور المسلمين من الأعداء. وقد تعزَّزت هذه الوظيفة الجهادية العسكرية بوظيفة جهادية أخرى تتعلق بالنفس هذه المرة، إذ أقبل المرابطون في الثغور على مجاهدة النفس وحملها على العبادة في إطار الاستعداد للجهاد الجسدي. وعرف المغرب بعد هذا النشاط الروحي تأسيس عدد من الرباطات التي كانت أقرب في وظيفتها إلى الزوايا الصوفية، من أبرزها رباط الشاكر الذي يُطلَق عليه أيضا رباط "عقبة من بلد النفيس"، وهو يُنسب إلى "شكر بن عبد الله الأزدي" أحد أصحاب عقبة الفاتح، الذي ظلَّ في المغرب بأمر من الأخير سنة 64هـ/683م ليُعلِّم الناس الإسلام، فاجتمعت حول رباطه قبائل "المصمودية" التي أعلت شأنه، كما اهتم به الأدارسة كثيرا، إذ احتضن موسما سنويا لأهل الصلاح في المغرب بقي قائما حتى عهد المرينيين.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

الدبلوماسية الروحية

اكتسبت الزوايا الصوفية في المغرب أدوارًا مهمة في نشر التصوف في شمال إفريقيا، بما بات يُعرف بـ "الدبلوماسية الروحية"، التي تلعب دورًا مهمًا في توطيد العلاقاتٍ الدبلوماسية مع بعض دول إفريقيا. في ظل مساهمة الإرث الروحي في صناعة وبناء شراكات استراتيجية حيوية مع عدد من البلدان. وكانت الطريقة "القادرية"، من أبرز الطرق التي وصلت إلى حوض النيجر وإثيوبيا وزامبيا، كما توطدت الطريقة "التيجانية" في دول إفريقية مثل السنغال، حيث تحظى بحضور قوي ومؤثر داخل الدولة، يتجاوز ما هو روحي إلى ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي أيضًا.

وقد أسهم هذا الحضور في تشكيل قوة ضغط لفائدة المغرب في القضايا السياسية الكبرى، لا سيما قضية الصحراء، ففي ديسمبر 2007، ظهر سوء تفاهم بين المغرب والسنغال، إذ استدعت الرباط سفيرها بدكار إثر تصريحات لسياسي من حزب معارض في عهد حكومة رئيس الجمهورية حينها عبد الله واد، وهنا تحركت الطريقة التيجانية نحو مقر الحزب الاشتراكي السنغالي، لحل الأزمة لصالح المغرب، ما منح يمنح الطريقة بعداً آخر ضمن أدوارها السّياسية في المغرب ومحيطه الإقليمي.

وبدوره، يرى يوسف الكتاني أحد المنتمين إلى الزاوية الكتانية أنّ "الزوايا الصوفية بالمغرب تساهم بصفة حاسمة في تشكيل السياسة الدينية للبلاد، وفق الحفاظ على هوية البلاد الأصيلة التي تتخذ من العقيدة الأشعرية وفقه المذهب المالكي وتصوف الجنيد، أو التصوف السلوكي السُني، أصولاً وركائز لا محيد عنها".

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

من الظل إلى الواجهة

يمكن تصنيف الزّوايا والطرق في المغرب في خانة التصوّف المؤسساتي، الذي يُعدّ أكثر تنظيمًا وتأثيرًا من التصوّف الفردي، إذ تمزج هذه المؤسسات الصّوفية الخطاب الذي يجمع بين النّسب الشريف لآل البيت، والكرامات، والعلاقة بالسّلطة، والأدوار الاجتماعية. كما لم يؤد دخول تيارات دينية مختلفة إلى المغرب، إلى تراجع جذري لمكانة الزوايا كما كان متوقعًا، بل حدث العكس وقوي حضورها بعد فترة من الكمون في الظل. 

تمدّدت الطرق الصوفية داخل تشعّبات المجتمع لتضم أطيافًا لم يكن يُتوقّع انخراطها في التدين الصّوفي التقليدي، مثل النخب الحداثية أو الفئات الشابة. لم تعد خفية في نسيج الأحياء الشعبية، مكتفية ببعض العوائل التي توارثت الولاء لها. كما أن شيوخ الطرق الصوفية تجاوزوا البعد الديني لحضورهم الخاطف في المشهد العام في مناسبات خاصة، وداخل الزوايا نفسها.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

وتُعرف مراكش باسم مدينة السبعة رجال، الذين يعتبرون بمثابة رابط روحي يربط مدينة المليون نسمة - بحسب وصفها في التقاليد الإسلامية. لقد كان كلُّ رجل من هؤلاء الأولياء السبعة فقيهًا إسلاميًا معروفًا أو حكيمًا أو صوفيًا من العصور الوسطى. وأضرحتهم الصوفية تقع في أماكن متفرِّقة داخل مدينة مراكش القديمة وحولها، علمًا بأنَّ العثور عليها في متاهة المدينة يحتاج بعض المهارة.

ومن بين هذه الأضرحة ضريح "سيدي بن سليمان الجزولي"، الذي عاش في القرن الخامس عشر وكان معروفًا في المغرب وخارجه بكتابه "دلائل الخيرات"، وهو مجموعة من الأدعية الإسلامية. وبعد أن قضى فترة طويلة في السفر إلى الأماكن المقدَّسة في القدس والمدينة ومكة، يُقال إنَّ الجزولي عاش في عزلة لمدة أربعة عشر عامًا وتوفي في النهاية أثناء الصلاة.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

وهناك ضريح آخر له شعبية هو قبر "سيدي بلعباس"، وهو رجل حكيم من القرن الثاني عشر عاش عدة سنوات زاهدًا في كهف خارج مراكش. واستقر بدعوة من سلطان عصره في المدينة، حيث تبرَّع له الحاكم بمدرسة من أجل التدريس وسكن لطلَّابه.

وقد عرف التصوف في المغرب تحولا بعد مرحلة تمايز العلوم، حيث أصبح التصوف علما قائما بذاته له رجاله، ومصنفاته، وخصائصه، وكثر الإقبال عليه، ثم أخذ مرحلة مميزة هي مرحلة انتشار الطرق والزوايا، لكن الاتجاه الذي ساد، وبقي ممثلا لطريقة الجنيد هو: تصوف الإرشاد والعمل والسلوك، ويسمى أيضا "التصوف العملي"، وإن أشهر الطرق التي تنتسب إليه على الإطلاق، والتي تعد مدارس مستقلة قائمة بذاتها لها أعلامها ومعالمها، وتمثل في نفس الأمر طريق الإمام الجنيد هي:

أولًا: الطريقة القادرية البودشيشية  

  ينسب أساس الطريقة القادرية إلى الإمام أبي صالح محي الديـن عبد القادر الحسني الجيلاني، ولد رحمه الله عام 470هـ على رأي معظم الذيـن أرخوا لحياته ومنهم الشيخ عبد الوهاب الشعراني. وكانت ولادته في قصبة من بلاد جيلان أوكيلان فعرف بالجيلاني أو الكيلاني أو الجيلي. وجيلان إقليم فارسي يقع في الجنوب الغربي لبحر قزويـن. وعرف بعلمه وصلاحه ودعوته إلى الله بالعراق. وتوفي الشيخ رحمه الله في بغد في رمضان عام 561هـ.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

وتنبثق الطريقة "البودشيشية" من ثنايا الطريقة "القادرية"، وينتمي إليها آلاف المريدين من داخل المغرب وخارجه، ويغلب على طقوسها الجانب الروحي، بحثًا عن الوصول إلى تنقية القلب وصفائه، وتنتشر زواياها في شرق المغرب، والتي يعقد بها العديد من حلقات الذكر والتسبيح   والتهليل، وقيام الليل، كما تعد مرجعا للدروس والتربية الدينية والروحية الصوفية، كما انتمى إليها العديد من متصوفة الجنسيات الإفريقية والأوروبية والأمريكية، وتوجد لديها فروع في دول خارجية مختلفة.

ثانيًا: الطريقة الشاذلية

تنسب الطريقة الشاذلية إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي، ولد رحمه الله تعالى بقبيلة لخماس من شمال المغرب سنة 571هـ، وكان للإمام عبد السلام ابن مشيش فضل كبيـر عليه حيث ساعده على اجتياز عقبات الطريق وما فيها من مقامات وأحوال بسهولة ويسر، كما زوده بالعديد من الوصايا التي بهرته وجعلته يقبل على التمسك بالشريعة والفناء في محبة الله سبحانه، وقد ظل الشيخ في جهاده ودعوته يدرس ويعظ ويتعهد مؤيديه بالتـربية والتوجيه إلى أن توفي رحمه الله سنة 656هـ .

وتتميز الطريقة الشاذلية بانتشارها الواسع، فهي الطريقة التي تفرعت عنها عدة طرق في المغرب والمشرق، مثل الجزولية، والزروقية، والوفائية، والناصرية وغيـرها من الطرق. وقد أرخ عدد من الباحثين أن ظهور الشاذلية بالمغرب كطريق ومدرسة كان متأخرًا عن عصر الإمام الشاذلي صاحبها بما لا يقل عن قرنيـن بعد موته. 

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

ثالثًا: الطريقة التيجانية

تنتسب الطريقة التيجانية إلى الإمام أبي العباس بن محمد بن المختار بن أحمد سالم التيجاني، الذي ولد بالجزائر وتوفي بالمغرب، وتلقى تعليما صوفيا ونشأ في حضرة الزاويا الدرقاوية والناصرية والوزانية، ما أثر في تكوينه الفكري والديني. وقد انتقل الشيخ التيجاني من الجزائر إلى المغرب فارًا من اضطهاد الأتراك واستقر بفاس بالمغرب، وتلقى ترحيبًا من السلطة الحاكمة وعناية خاصة من السلطان سليمان، وقد تجاوز في نهجه الصوفي طابع الزهد والتقشف، وكان بالعيش الرغيد في الدنيا والآخرة، وهو ما يفسر اتساع دائرة مريديه، حيث شملت التجار والأثرياء والراغبين في حياة الغنى والترف في الحياة الدنيا قبل الآخرة.

رابعًا: الطريقة العيساوية

وتنسب الطريقة العيساوية إلى الشيخ محمد بن عيسى المغربي الذي توفي بمدينة مكناس المغربية عام 1524م، ودفن في مكناس، وأصل هذه الطريقة يعود بدوره إلى الإمام محمد بن سليمان الجازولي، مؤلف كتاب "دلائل الخيرات".

خصائص الصوفية المغربية

ومن خصوصية المدرسة الصوفية المغربية عموما أنها تميزت بسيادة فكر إسلامي أصيل وطريق واضح مبسط، بحيث لم تعرف في أغلب الأحيان ذلك الإغراق في الفلسفات، والذي عرفته مناطق أخرى من العالم الإسلامي. وبوضوح في الممارسة، لذلك ناصرها العلماء على مر العصور، وألفوا في تأييدها وتدعيمها مؤلفات كثيـرة.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

وتتجلى أصالتها في التوفيق بيـن الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، فضلًا على جمعها المتفرد بيـن العلم الشرعي والممارسة الصوفية، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا يسير منهم، حتى إنه تصعب التفرقة بيـن العلماء الفقهاء والمتصوفة في معرض الحديث عن علماء الغرب الإسلامي وخاصة علماء العدوتيـن؛ لأن الصفة المشتـركة بيـنهم تتمثل في شمولية معارفهم وموسوعيتها، وقد أورد الباحث علال الفاسي في كتابه "التصوف الإسلامي في المغرب العربي" قائلًا: "مما امتاز به التصوف المغربي أن معظم رجاله ودعاته من أهل العلم بأصول الديـن وفروعه".

يبقى التصوف المغربي، بما يزخر به من طرق وزوايا وأعلام وروحانيات، أحد الأعمدة الأساسية للهوية الدينية والثقافية في المغرب. فقد أثبت قدرته على التكيف مع تحولات الدولة والمجتمع، من خلال الموازنة بين التمسك بالقيم الروحية والأخلاقية من جهة، والمساهمة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى.

الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 
الطرق الصوفية في المغرب - أرشيفية 

كما لعب التصوف دورًا استراتيجيًا في مواجهة التطرف والعنف، عبر ترسيخ نهج الوسطية والتسامح، وتعزيز الانخراط المدني والفكري للمجتمع، ما جعله أداة للدبلوماسية الروحية على المستويين الإقليمي والدولي. ومن ثم دراسة التصوف المغربي تكشف أن الثقافة الروحية ليست فقط عنصرًا هوياتيًا أو دينيًا، بل أيضًا قوة ناعمة تُسهم في صياغة السياسات، وتوطيد العلاقات الاجتماعية، وتحقيق استقرار الدولة، مما يجعل الصوفية شريكًا حيويًا في بناء دولة وطنية متوازنة ومتصالحة مع تاريخها وتراثها.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء