رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصوفية في مدينة المعراج.. بين الذكر ومقاومة الاحتلال

إيجبتكِ

التصوف في فلسطين ليس ظاهرة حديثة، بل له جذور تمتد عبر قرون طويلة منذ العصور الوسطى، عندما دخلت الطرق الصوفية إلى الأراضي الفلسطينية من خلال تواصلها مع القوى الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة من المشرق والمغرب.  إذ سكنته – كما في معظم أراضي الشام – طرق صوفية متعددة مثل الخلوتية، القادرية، النقشبندية والعلاّوية، بفضل انتشارها عبر علماء وشيوخ جاؤوا إلى القدس والحجاز وأقاموا زوايا لهم، حيث شكّلت هذه الزوايا مراكز للتربية الروحية والتعليم الديني وأماكن للذكر والتأمل.

 وقد تطوّر هذا التصوف ليشكّل جزءًا من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية في فلسطين، وزاد نفوذه خصوصًا في الحقب التاريخية التي شهدت اتصال فلسطين بمراكز الزهد والروحانية في الشام ومصر والمغرب، لا سيما في ظل الظروف التاريخية المعقّدة التي مرّت بها البلاد، من حكم عثماني إلى الانتداب البريطاني ثم الاحتلال الإسرائيلي.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

وشهد حكم الدولة العثمانية، العصر الذهبي للتصوف في فلسطين، حيث انتشرت الطرق الصوفية هناك، وساهمت على مدار تاريخها في مواجهة الاحتلال الإنجليزي ثم الإسرائيلي، وفي العصر الحديث، وبدعم من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، تأسس المجلس الإسلامي الصوفي الأعلى في فلسطين عام 1996، ولكن هذا المجلس توقف لفترة بعد وفاة "عرفات"، قبل أن يُفتتح مرة أخرى، ووصل عدد الطرق الصوفية في فلسطين إلى 16 طريقة، أبرزها: الرفاعية، والخلوتية، والقادرية، والشاذلية.

جذور التصوف في فلسطين وتاريخه

ومن أوائل السجلات التاريخية للصوفية في فلسطين كانت في العصور التي تلت الفتوحات الإسلامية، حيث بدأت الزوايا والمجالس الصوفية تظهر تدريجيًا في المدن الكبرى مثل القدس والخليل وغزة في سياق تعزيز الوجود الإسلامي، وتلقّي الزوار من الحجاز والشام خلال مرور الحجاج.

ففي القدس وغزة والضفة الغربية نشأت حلقات صوفية منذ القرن الرابع عشر الهجري، كما توثّقت تراثيًا روابط بين المشايخ المحليين والشيوخ القادمين من المشرق والمغرب، وخلال الحكم العثماني – الذي اعتنى بالطرق الصوفية وأتاح لها النشاط – ازدهرت الزوايا الصوفية كفضاءات روحية وتعليمية، الأمر الذي ساهم في ترسيخ التصوف كجزء من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، فدخلت الصوفية إليها من خلال اتصال أحد شيوخ عائلة "القواسمي" الذين يقطنون بمدينة الخليل بأعلام التصوف في الكوفة والبصرة، ومنذ ذلك التاريخ انتشرت الصوفية في الأراضي الفلسطينية، وما زالت موجودة حتى الآن، بالرغم من انتشار الحركات الأصولية المختلفة والجماعات المسلحة.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

التصوف في غزة

تمثل غزة بوابةً ساحليةً لقارتي آسيا وإفريقيا، وممرًا للقوافل التجارية ومحطةً على طريق الحج، خاصة للحجاج القادمين من المغرب العربي لأداء الفريضة، و"تقديسها" بزيارة المسجد الأقصى المبارك؛ وقد اشتهرت بعض العائلات الفلسطينية بالتصوف كعائلة الجعبري في الخليل، وعائلتي السعافين والخالدي في قطاع غزة، وعائلة المقدسي في القدس، وظلّت الجماعات الصوفية محافظةً على طابعها جماعةً تربويةً هدفها الأساسي الدعوة إلى تربية النفس والبعد عن كل ما هو "دنيوي"، بما في ذلك السياسة.

أسباب انتشارها

ثمة أسباب مهدت الطريق أمام النشاط المعاصر للصوفية في القطاع، أبرزها الارتحال طلبًا للعلم، فقد توسّعت فكرة الارتحال طلبًا للعلم مع ندرة الجامعات الفلسطينية بسبب تضييق الاحتلال على الحياة التعليمية في البلاد، لا سيما قطاع غزة، وهو ما دفع الطلبة الغزيين نحو السفر إلى مختلف الجامعات العربية والإسلامية، والتي كان من بينها جامعات تُعد محاضن للفكر الصوفي.

ومن الأسباب أيضًا، تبني مؤسسات علمية في قطاع غزة للتصوف، مثل معهد الأزهر الديني، والذي يُعد امتدادًا لنهج الصوفية في مصر، ولا يزال مسلكه التربوي الروحي المنتشر عند طلبته صوفيًا.

يُضاف إلى تلك الأسباب سبب تتفرد به فلسطين، وهو النكبة التي أدت إلى طرد فلسطينيي الداخل المحتل من مدنهم وقراهم، فقد هاجرت أعداد منهم إلى القطاع، حاملين معهم إليه مناهجهم وطرقهم الصوفية، ومنذ ذلك الوقت أقام عدد من الصوفية المهجّرين زواياهم حيث مستقرّهم الجديد في القطاع، كشيخ الطريقة "العلاوية" بأقسامها، الشيخ أحمد السعافين (أبو حسن الفالوجي –نسبة إلى قرية الفالوجة المهجرة عام 1948-)، والذي عمل بوصية شيخه حسين أبو سردانة، وانطلق ليؤسّس أول زاوية لطريقته في مخيم الشاطئ غرب غزة، إلى أن تبعتها زوايا أخرى في القطاع.

مواجهة الاحتلال الصليبي والحقب القديمة

يسجل التاريخ ارتباط التصوف بجهاد الأمة حينما كانت فلسطين ساحة صراع مع الغزاة في العصور الوسطى، ففي معركة حطين وتحرير القدس عام 1187م، مثّل الصوفية قوة فكرية ومادية في مقاومة الحملات الصليبية، إذ خاض صوفية كبار مثل الشيخ غانم النابلسي وأتباع الطرق الكبرى معارك مباشرة ضد الغزاة، وكان لهم حضور في دعم الجيوش الإسلامية بقيادة صلاح الدين الأيوبي.

هذه الروايات تؤكد أن التصوف لم يكن بالضرورة حكرًا على العبادة الفردية والتقشف، بل دخل في سياقات مقاومة عملية عند الحاجة، وكان أحيانًا رابطًا بين الجهاد الروحي والجهاد العسكري.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

ويرى ابن عربي أن الطريق إلى هذا الجهاد لا يأتي إلا بعد الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس وترقيتها، حيث يقول: "وعليك بالجهاد الأكبر، وهو جهادُ هواك، فإنك إذا جاهدتَ نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء، الذي إن قُتِلت فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عند ربهم يرزقون".

أما الإمام أبو حامد الغزالي فيقول: "إن المنافقين كرهوا القتال، خوفًا من الموت، أما الزاهدون المحبون لله تعالى، فقاتلوا في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص"، ويقول أيضًا: "ولقد عظم الخوف من أمر الخاتمة، فأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة".

فالغزالي الذي يتحدث عن الكرامات والمجاهدات الروحية هو نفسه من يرى أن أسلم الحلول لضمان حسن الخاتمة هو الجهاد، معتبرًا أن النفس الصوفية الزاهدة هي الأسبق للتنازل عن الدنيا من أجل الآخرة، ومن ثم فإن الفكر الصوفي يحث على الجهاد، كما يدعو للتعايش والحب.

خلال الاحتلال البريطاني والعهد الحديث

مع الاحتلال البريطاني لبلاد فلسطين والانتداب في أوائل القرن العشرين، لم تتوقف النشاطات الصوفية عن أداء دور روحي وثقافي، وأدت الزوايا الصوفية دورًا في حفظ الهوية الدينية والثقافية وإدامة صمود المجتمع الفلسطيني في وجه ضغوط التطبيع ومحاولات التفتيت.

كما أسهم بعض الصوفيين في تعزيز المقاومة الشعبية من خلال التربية الروحية، والاحتفال الديني المشترك الذي يجمع الفلسطينيين في مناسبات دينية وإحياء ذكريات روحية تعزز الانتماء والهوية الوطنية، دون أن تكون بالضرورة مرتبطة بتنظيمات سياسية أو عسكرية.

وقد وصل عدد الطرق الصوفية في فلسطين إلى 16 طريقة، أبرزها: الرفاعية والخلوتية والقادرية والشاذلية، وتُنسب الطريقة الرفاعية إلى الشيخ أحمد بن علي الرفاعي (1118 - 1182م)، المُلقب بـ"أبو العلمين"، وهو فقيه شافعي أشعري، وتنتشر الطريقة في العراق ومصر وسوريا وغرب آسيا وفلسطين، والشيخ نبهان بن عبدالله البابلي هو شيخ الطريقة الرفاعية الحالي في فلسطين.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

وينتشر أتباع الطريقة بكثرة في مدينة نابلس؛ حيث يُقيمون مجالس ذِكر صوفي يومي الخميس والإثنين من كل أسبوع، ومن أشهر الزوايا الرفاعية هناك زاوية "الخضر" التي تقع في حارة القيسارية بنابلس.

أما "الطريقة الخلوتية"، فتنسب إلى الشيخ حمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي، المُتوفَّى في مصر سنة 986 هجرية، وهو من أئمة الصوفية في خراسان في القرن العاشر الهجري، ولقب "الخلوتي" نسبة إلى الخلوة الصوفية، وتعد هذه الطريقة واحدة من أشهر وأكثر الطرق الصوفية انتشارًا في فلسطين، وتولى قياداتها الشيخ الطريقة، الشيخ عبد الرؤوف القاسمي، الذي أنشأ الطريقة الخلوتية القاسمية الجامعة الرحمانية، وتنتشر في العديد من المدن الفلسطينية، وأشهرها الخليل.

وفيما يتعلق بالطريقة القادرية، والتي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (1078-1166م)، فهي تُعد إحدى أقدم الطرق الصوفية المنتشرة في فلسطين، حيث نقلها إلى هناك الشيخ محمد البغدادي القادري الكيلاني (1909 – 1995م).

وكان "الكيلاني" شيخًا للطريقة في القدس، وأيضًا شيخًا للمريدين في فلسطين عامة، ولم يخلف بعد وفاته أحدًا في الطريقة، وإنما أقام الشيخ أحمد النتشة مُقَدّمًا بعده يرجع إليه أبناء الطريقة في عموم الأراضي الفلسطينية.

كما توجد للطريقة الشاذلية، التي تنسب إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي (1175 - 1258م)، عدة فروع في مختلف مدن فلسطينية، ومن أشهرها الطريقة المحمدية الشاذلية، وتولى إمامة الطريقة الشيخ أحمد بن منصور قرطام الحسيني، الذي توفي في يناير 2025، وتتمركز الطريقة في قطاع غزة، ولها موقع إلكتروني يسمى بـ"واحة آل البيت"، وهناك أيضًا فرع للطريقة يسمى بـ"الشاذلية اليشرطية"، وتنشط في الأردن، وفي منطقة القرارة في خان يونس.

وفي قطاع غزة أيضًا يوجد فرع للطريقة الشاذلية يسمى بـ"العلاوية"، ولها زاوية باسمها في حي الزيتون، ومركز تعليمي تابع لها يُعرف بـ"أهل الله"، وكان شيخها وإمامها الشيخ مصطفى السعافين، الذي تُوفي في 3 سبتمبر 2017، وتولى المشيخة بعده ابنه الشيخ محمد الهادي مصطفى السعافين.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

وتنتشر أيضًا في عدة مدن فلسطينية الطريقة الأحمدية البدوية، التي تُنسب إلى الشيخ أحمد البدوي (1199 - 1276م)، وتقع زاويتها الرئيسية في حي الدرج بالبلدة القديمة في قطاع غزة، وتولى مشيختها الشيخ عبد الرؤوف أبو حمدان (خليفة الشيخ محمد بن جابر الحسيني الأحمدي).

وفي الضفة الغربية، تنتشر الطريقة "النقشبندية"، التي تُعد من أشهر الطرق الصوفية في فلسطين، وتتبعها الزاوية النقشبندية في مدينة القدس، ويطلق عليها الزاوية الأزبكية أو البخارية، وقد تحولت إلى متحف تراثي، وتولى مشيختها الشيخ عبد العزيز موسى البخاري، بعد أن أخذ البيعة من الشيخ ناظم الحقاني، المُتوفَّى عام 2014 في قبرص.

وتُعد هذه الطرق امتدادًا لتقاليد صوفية عالمية تمتد جذورها إلى العراق ومصر والمغرب، لكنها أخذت في فلسطين أبعادًا محلية مرتبطة بالبيئة الاجتماعية، وقد ساهمت في نشر موروث روحي وثقافي، وكان المريدون والزوّار يلجؤون إلى الزوايا بحثًا عن الزهد والاستنارة الروحية والتربية الأخلاقية.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

ارتبط التصوف في قطاع غزة منذ نشأته ارتباطًا وثيقًا بالحركة العلمية بين مصر وفلسطين، فقد كان جملة من أبناء فلسطين يذهبون لمصر لتلقي العلم في الأزهر الشريف، وكثير منهم عاد وهو يحمل إجازةً التربية في إحدى الطرق الصوفية، وكان من بين هؤلاء العلماء من المعاصرين: الشيخ أبو المعالي أحمد بسيسو شيخ السادة الحنفية في غزة، وولده الشيخ عمر، وحفيده الشيخ محمد خلوصي بسيسو الحنفي قاضي غزة الشرعي، إلى جانب مؤرّخ غزة الشيخ عثمان الطباع، والشيخ محمود سكيك، والشيخ حسين أبو سردانة وغيرهم.

علاقة التصوف بالمقاومة في السياق الحديث

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

على الرغم من أن التصوف ليس حركة سياسية منظمة، فإن الإرث الروحي الصوفي في فلسطين قد ألهم أجيالًا من الفلسطينيين في صمودهم ضد الاحتلال، ليس فقط عبر الجهاد المسلح، بل عبر المقاومة الثقافية والروحية التي تحافظ على الهوية وتواصل التراث الديني والاجتماعي الفلسطيني في ظل الاحتلال. فالتصوف بطبيعته يجعل التركيز على الإحسان والذكر والتربية الروحية محورًا أساسيًا، وهذه القيم لعبت دورًا في دعم تحمل الصعاب والمحن، ما يجعله جزءًا من النسيج الاجتماعي المقاوم، حتى وإن لم يتبلور على هيئة تنظيم سياسي أو عسكري مباشر.

ومن المتعارف عليه في قطاع غزة قوة الروابط الاجتماعية بين السكان، والتي تظهر ملامحها في المناسبات الاجتماعية ترحًا وفرحًا، وهو ما ساهم في انتشار الصوفية، مع تمركز طرقها في عائلات معينة أكثر من غيرها. يضاف إلى ذلك اعتماد الوراثة طريقةً يُعتمد عليها في انتقال مشيخة الطرق، حيث إن شيخ الطريقة يورث المشيخة لولده ثم لولد ولده، وهو ما يزيد من التفاف العائلة حول الطريقة، يتبعهم في ذلك الجيران والأصدقاء الذين يرتادون مجالس الصوفية إما مجاملةً أو تأثرًا أو عوزًا.

ويمكن القول إن التصوف في فلسطين ظاهرة تاريخية عميقة الجذور، اهتمت بالبعد الروحي والاجتماعي للمجتمع الفلسطيني، وتمسّكت به الزوايا والطرق الصوفية على مرّ القرون، من العهد العثماني إلى الاحتلال الحديث. رغم أن الصوفية في فلسطين لم تتمّيز غالبًا بانخراط سياسي علني في الجهاد المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي كما في بعض التجارب الصوفية الأخرى في التاريخ الإسلامي، فإنها جسّدت جانبًا من قوة مواجهة الاحتلال عبر تعزيز الهوية والثقافة والصمود الروحي، ما يجعل التجربة الصوفية جزءًا من تاريخ الاحتجاج والتمسّك بالأرض والهوية.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

وفقًا لدراسة أعدّها الطالب في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية في غزة "منذر بدوان"، لاستكمال متطلبات الحصول على شهادة الدراسات العليا عام 2018، والتي حملت عنوان "الطرق الصوفية عرض ونقد"، فإن الصوفية في القطاع تنقسم إلى قسمين: أولهما طبقة المشايخ وبعض المعلّمين الذين هم على دراية وعلم بعقائد الصوفية، وثانيهما العامة من الصوفيين الذين "لا يجيدون سوى الذكر والاستغفار، ويمثلون 60% من صوفية غزة".

وبحسب دراسة الطالب "بدوان"، فإن الطرق الصوفية في قطاع غزة هي امتداد للطرق الصوفية العالمية، حيث يدرسون الكتب نفسها، ويتبعون المنهج والسلوك نفسه تقريبًا، وأنه لا تزال العديد من الزوايا الصوفية التابعة لعدد من الطرق - والتي أنشأها مشايخ فلسطينيون هُجِّروا خلال نكبة 1948 - نشطةً في قطاع غزة، إلا أنّ الطريقة الشاذلية، والتي تُعدّ إحدى أكبر الطرق الصوفية الممتدة في البلاد الإسلامية، هي الأكثر انتشارًا في غزة. ونتيجةً لاتساعها كان لها تفرعات عدة، منها: الطريقة العلاوية والطريقة اليشرطية، التي لا تختلف كثيرًا في منهجها وسلوكها عن الطريقة الأم. وفي العموم فإن الطرق الصوفية المتعارف عليها في القطاع.

يعد التصوف مكونًا أساسيًا من مكونات الثقافة الإسلامية في فلسطين، ووجوده في قطاع غزة ضارب في القدم، ويرجع بأصوله إلى أوائل الصلات العلمية الروحية بين علماء المغرب والمشرق الإسلاميين، فقد كان علماء الإسلام يؤمّون المسجد الأقصى المبارك فيقيمون فيه طرقهم وزواياهم وتكاياهم التي يقومون فيها على تربية المريدين وحثهم على الأخلاق الفاضلة والعلم الشريف، وقد انتقلت جلّ هذه الطرق من القدس إلى قطاع غزة، ولا سيما بعد أحداث النكبة عام 1948م. كما أنّ الوجود الصوفي في فلسطين ارتبط بالحملات الأولى للمجاهدين فيها.

التصوف والهوية الوطنية الفلسطينية

على الرغم من أن غالبية الطرق الصوفية في فلسطين لم تكن مرتبطة بأجندات سياسية محددة، فإنها لعبت دورًا في الحفاظ على الترابط الاجتماعي والهوية الوطنية في مواجهة الاحتلال من خلال ورش الذكر الجماعي والتعليم الديني الذي يحافظ على البنية الثقافية الإسلامية، وتعزيز التواصل بين الفلسطينيين عبر مناسبات دينية مشتركة وزيارات الروحانيين، وتوفير فضاءات للقاء وتماسك المجتمع في أوقات الضغوط والمحن.

وفي بعض الأحيان تعرضت هذه الزوايا لضغوط من فصائل داخل فلسطين بسبب الاختلافات الأيديولوجية، كما حدث في غزة مع بعض القيود على النشاط الصوفي من قبل أطراف أخرى، ما يعكس حساسية العلاقة بين التصوف والسياسة في المشهد الفلسطيني المعاصر.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

مناهج التصوف في قطاع غزة متعددة، والأصل فيها انبثاقها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويرجع سبب التعدد إلى كون التصوف في حدّ ذاته يقوم على التجربة الذاتية، فكل شيخ مربٍّ يتخذ في سيره إلى الله تجربةً سلوكيةً معينةً ثم يراها نافعةً صالحةً فيقررها منهجًا للسيْر إلى الله، فمن أخذ بها يُعدّ آخذًا بمسلك تربوي معتبر ما دام هذا المنهج مقيدًا بقواعد الشرع الحنيف، ولذا يُعدّ التنوع والتجديد في مناهج التزكية وأساليب التربية في الحركة الصوفية شيئًا أساسيًا في تاريخها الأول والحديث والمعاصر، وهو ما يحفظ بقاءها إلى وقتنا الحالي ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان.

الصوفية ومواجهة التحديات

مع بروز التيارات الأصولية في العقود الأخيرة وتصاعد المنافسة الأيديولوجية، واجهت الصوفية تحديات مثل النقد من بعض الجماعات المتشددة التي انتقدت طقوسها، بينما تمكنت الصوفية من المحافظة على حضورها في المجتمع عبر التركيز على الجانب الروحي والبعد الأخلاقي. وعلى الرغم من أن الصوفية في فلسطين لم ترتبط عادة بتنظيمات مقاومة مسلحة ضد الاحتلال كما حدث في تجارب أخرى بإفريقيا وآسيا، إلا أن حضورها كان جزءًا من النسيج الثقافي المقاوم للحياة القسرية، من خلال تعزيز الهوية الدينية والثقافية الفلسطينية، وتقديم بيئات استقرار وتربية روحانية وسط ضغوط الاحتلال والسياسة، وخدمة المجتمع في أوقات الحاجة والشدائد. ويعتبر التصوف في فلسطين حالة فريدة، حيث يحافظ على طابعه الروحي بعيدًا عن الخطاب العسكري أو السياسي الصريح، رغم أنه يعكس روحًا مقاومة للظروف القاسية التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر التاريخ.

التصوف في فلسطين يمتد كظاهرة روحية وتربوية عبر مئات السنين، ويعكس تجربة فريدة في كيفية اختلاط الدين بالثقافة والاجتماع تحت وطأة الاحتلال والتحولات السياسية المتسارعة. وقد ساهم التصوف في تعزيز صمود الهوية الإسلامية الفلسطينية من خلال الزوايا والمجالس الروحانية التي استمرت في العمل رغم التحديات، محافظة على دورها كفضاء للتربية والتواصل الثقافي، والتمسك بالقيم الأخلاقية في مواجهة تقلبات التاريخ.

يُعد التصوف في فلسطين ظاهرة تاريخية وروحية عميقة الجذور، امتدت على مدار قرون، من الفتح الإسلامي مرورًا بالعهد العثماني وصولًا إلى العصر الحديث والاحتلال، حاملاً قيم الزهد والذكر والتربية الروحية التي شكلت ركائز الهوية الدينية والاجتماعية والثقافية الفلسطينية. لقد جسّد التصوف جزءًا من المقاومة الروحية والثقافية، فكان متنفسًا للحفاظ على الهوية والارتباط بالأرض، ومصدر قوة للصمود في وجه محاولات الاحتلال والتفتيت.

الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 
الطرق الصوفية في فلسطين - أرشيفية 

كما لعبت الزوايا والطرق الصوفية دورًا تربويًا وتعليميًا، وحافظت على التواصل الاجتماعي بين الفلسطينيين، مساهِمةً في صقل الشخصية الوطنية والروحية، بعيدًا عن الانخراط السياسي المباشر. ويظل التراث الصوفي الفلسطيني شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على الجمع بين العبادة، الثقافة، والمقاومة في آن واحد، مؤكدًا أن الروح الصوفية ليست فقط مسلكًا للتقوى والذكر، بل وسيلة للحفاظ على الهوية وحماية القيم في مواجهة تحديات التاريخ.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء