التصوف في تركيا: من عمق الخلافة العثمانية إلى حواضن الدولة العلمانية
لم يكن التصوف في الدولة العثمانية يومًا نشاطًا روحانيًا معزولًا عن واقع المجتمع، ولا ممارسة تعبدية منزوعة التأثير، بل شكّل أحد الأعمدة الخفية التي استندت إليها البنية الاجتماعية والسياسية للإمبراطورية. فقد مثّلت الطرق الصوفية، عبر تكاياها وزواياها الممتدة من الأناضول إلى البلقان وبلاد الشام، شبكاتٍ متداخلة من الرعاية الاجتماعية، والتعليم الديني، وضبط السلوك الجماعي، وتثبيت القيم الأخلاقية، فضلًا عن كونها حواضن للتماسك الأهلي في فترات الاضطراب.
وقبل نشوء الدولة المركزية الحديثة، كانت التكايا تقوم بوظائف تتجاوز العبادة؛ إذ وفّرت المأوى للفقراء وعابري السبيل، وأسهمت في حل النزاعات، وأدّت دورًا تربويًا في تنشئة الأفراد على قيم الانضباط والزهد والتكافل. وفي هذا السياق، لم يكن الدراويش كائنات هامشية، بل فاعلين اجتماعيين حاضرين في قلب الحياة اليومية.
غير أن هذا الدور التاريخي دخل في مسار تصادمي مع تحولات القرن التاسع عشر، ثم بلغ ذروته مع القطيعة الكمالية التي سعت إلى إعادة صياغة الدولة التركية على أنقاض الإرث العثماني، بما في ذلك تفكيك البنى الصوفية. ومع ذلك، فإن العودة المعاصرة للاحتفاء بالتصوف – ولا سيما المولوية – تكشف عن تحولات أعمق في علاقة تركيا الحديثة بذاكرتها التاريخية، وتضع التصوف في قلب جدل الهوية والانتماء.
أولًا: التصوف في نشأة الدولة العثمانية
منذ البدايات الأولى لتكوّن الدولة العثمانية في الأناضول، لعب المتصوفة دورًا مركزيًا في تثبيت السلطة الناشئة. ففي المرحلة التي أعقبت تفكك دولة سلاجقة الروم مطلع القرن الرابع عشر، عاشت الأناضول حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية، وهو ما أفسح المجال أمام الطرق الصوفية لتقديم نفسها بوصفها ملاذًا روحيًا واجتماعيًا لعامة الناس.

كانت التكايا بمثابة فضاءات جامعة، تجمع بين العبادة والتعليم والرعاية، وتوفّر نوعًا من الاستقرار النفسي والاجتماعي في بيئة مضطربة. ولم يكن شيوخ التصوف منعزلين عن محيطهم، بل انخرطوا في شؤون المجتمع، وأسهموا في تسوية النزاعات، وبث الأمل، وتخفيف الاحتقان الاجتماعي عبر الوعظ والإرشاد.
وقد أدرك السلاطين الأوائل هذه الوظيفة باكرًا، فنسجوا علاقات وثيقة مع شيوخ الطرق، مستثمرين نفوذهم الروحي في ترسيخ شرعية الحكم. ولم يكن هذا التقارب مجرد تحالف مصلحي، بل علاقة تكاملية، إذ رأى المتصوفة في الدولة العثمانية إطارًا سياسيًا يحمي الدين والمجتمع، بينما رأت الدولة في التصوف مصدرًا للتماسك والشرعية.
ثانيًا: التصوف والفتوحات العثمانية
لم يقتصر حضور المتصوفة على الداخل العثماني، بل رافقوا الجيوش في مسار الفتوحات. فقد انتقل الدراويش إلى الأراضي المفتوحة، وأسّسوا الزوايا بوصفها نقاط ارتكاز لنشر الإسلام وتعليم القرآن وتقديم الخدمات الاجتماعية والثقافية للسكان المحليين.
وكان لهذه الزوايا دور مزدوج، ديني واجتماعي من جهة، وسياسي غير مباشر من جهة أخرى، إذ أسهمت في دمج المناطق الجديدة ضمن الفضاء العثماني، ومنحت التوسع العسكري بعدًا روحيًا وأخلاقيًا. وقد حرص السلاطين على رعاية هذه المؤسسات، فأنشؤوا لها الأوقاف، وخصصوا لها موارد ثابتة، ما جعلها جزءًا من البنية المؤسسية للدولة.
تشير السجلات العثمانية إلى انتشار واسع للتكايا، حيث أُنشئت مئات الزوايا في الأناضول وحده خلال القرن السادس عشر، يعمل فيها آلاف المشايخ والدراويش الذين كانوا يتقاضون رواتب منتظمة من أموال الأوقاف.
ثالثًا: الدولة والضبط الصوفي
رغم هذا الدعم، لم تكن العلاقة بين الدولة العثمانية والتصوف علاقة تسليم مطلق. فمنذ عهد أورخان غازي، بدأت الدولة تفرض نوعًا من الرقابة على النشاط الصوفي، خشية الانحراف العقائدي أو السلوكي. ففُرضت إجراءات لتفتيش التكايا، ومعاقبة من يخرج عن الانضباط الديني.
رابعًا: القرن التاسع عشر وبداية التوتر
مع دخول الدولة العثمانية القرن التاسع عشر، بدأت ملامح الدولة المركزية الحديثة في التشكل. ومعها تغيّر موقع الطرق الصوفية، إذ نظرت إليها السلطة بوصفها كيانات مستقلة إداريًا وماليًا، لا تنسجم مع نموذج الدولة الحديثة. اتخذت الدولة سلسلة من الإجراءات لإخضاع التكايا للرقابة، كان أبرزها تأسيس "مجلس المشايخ" سنة 1866، الذي تولّى الإشراف المركزي على شؤون الطرق، بما في ذلك تعيين الشيوخ. كما أُلحقت أوقاف التكايا بنظارة الأوقاف، ما أدّى إلى تجفيف مصادر التمويل المستقلة.
هذه الإجراءات هزّت البنية التقليدية للتصوف، لكنها لم تقضِ عليه. فقد طوّرت الطرق أساليب مرنة للمقاومة الهادئة، تراوحت بين العمل غير المرخص، واستغلال الثغرات القانونية، وبناء علاقات نفوذ غير رسمية مع البيروقراطية.

ويبين الدكتور عمار علي حسن في كتابه "التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر" ، (القاهرة 2009، ص169): ولم تكن للطرق والفرق الصوفية وكبار شيوخها في الدولة العثمانية مكانة دينية وشعبية فحسب، بل كان للطريقة البكداشية مثلا دور أساسي في تعبئة فرق الإنكشارية وإعدادها دينيا ونفسياً للقتال، إذ كان هؤلاء طليعة القوات العثمانية في حروبها الأولى ضد الممالك الأوروبية، وكان معظمهم كما هو معروف من أبناء الأسرى المسيحيين، ممن تتلقاهم الدولة ويقوم البكداشيون بالإشراف على تعبئتهم الدينية والعقائدية. وكانت بعض الأسر المسيحية في البلقان وغيرها تحث أبناءها على الالتحاق بهذه الفرق النخبوية، لتضمن لنفسها وأسرتها مكانة متميزة داخل الدولة. والواقع أن للعلاقة بين المتصوفة والسلطة تاريخا طويلا في المجتمعات الإسلامية، وكانت الدولة الفاطمية تشجع المتصوفة على التوافد إلى مصر لدعم نفوذها وشرعيتها. "ولما تولى صلاح الدين الأيوبي حكم مصر كان يدرك تماماً أن الهزيمة العسكرية والسياسية للفاطميين لا تكفي، فالدولة الفاطمية كان لها أيديولوجيتها الخاصة، ولذا أضحى من الضروري أن يبحث عن أيديولوجية بديلة، ولهذا قرب منه المتصوفة السّنة، فقام بنقل قبر "الكيزاني"، وهو صوفي سنّي قاوم شيعية الفاطميين، ثم استورد صوفية من الشرق، وأنشأ لهم خانقاه "سعيد السعداء"، وأرسل من لدنه متصوفة إلى الصعيد ومنهم عبدالرحيم القنائي، الذي كان متصوفاً شيعياً، وانقلب على أتباعه وانضم إلى سلطان الأيوبيين".
بينما يشر الدكتور كمال حبيب الذي كتب رسالة دكتوراه عن الإسلام والأحزاب السياسية في تركيا، ودرس بعمق حزب الرفاه 1983-1997، في كتابه "الدين والدولة في تركيا المعاصرة" القاهرة، 2010، ص28: "أن الطرق الصوفية مثلت القاعدة الاجتماعية للدولة العثمانية في بدايات تكوينها، ويضيف: "ظلت هذه الطرق مع تبلور مؤسسات الدولة تعبر عن الإسلام الشعبي متوازية مع الإسلام الرسمي تعبيراً عن الطبيعة التعددية للدولة العثمانية التي لم تكن تحتكر لنفسها الإسلام لتتحدث باسمه وحدها، ومن هنا سمحت للتعبيرات الدينية الإسلامية الأخرى مثل المذاهب الفقهية غير الحنفية والفرق غير السنية مثل المذهب الشيعي والطرق التي تعبر عن الإسلام الشعبي بتقاليده الخاصة، والتي تختلف بالضرورة عن الإسلام الرسمي الذي تبنته الدولة". ويشير إلى انتماء معظم السلاطين إلى الطرق الصوفية، فيقول: "ومع تشجيح السلاطين لهذه الطرق انتشرت في قطاعات مهمة بين العثمانيين مثل التجار والحرفيين بطوائفهم المختلفة، بحيث تداخلت الحرف مع الانتماء إلى طرق صوفية معينة كانت تمثل الإطار الأخلاقي الضابط للمنتسبين إليها".

خامسًا: التصوف والسياسة في أواخر العهد العثماني
رغم التضييق، حافظت الطرق الصوفية على شعبيتها، بل اكتسب بعضها نفوذًا سياسيًا غير مباشر. برزت "النقشبندية الخالدية" في أوساط العلماء ودوائر الحكم، ووجد السلطان عبد الحميد الثاني في التصوف حليفًا اجتماعيًا في إطار مشروعه للوحدة الإسلامية.
في المقابل، تحوّلت بعض الطرق إلى بؤر معارضة، كما في حالة البكتاشية المرتبطة بالإنكشارية، والتي قُمعت بعد القضاء على الإنكشارية سنة 1826. وهكذا ظلّ التصوف عنصرًا متحركًا بين الشرعية والمعارضة.
سادسًا: من حرب الاستقلال إلى القطيعة الكمالية
مع هزيمة الدولة العثمانية واحتلال الحلفاء، لعب بعض شيوخ التكايا دورًا في دعم حركة الاستقلال بقيادة مصطفى كمال. واستُخدم الرمز الديني لكسب الشرعية الشعبية، فافتُتح البرلمان عقب صلاة الجمعة، وحضر شيوخ طرق بارزون في المشهد التأسيسي.
غير أن هذا التقارب كان مرحليًا. فبعد تثبيت أركان الجمهورية، اتجه أتاتورك إلى قطيعة جذرية مع الماضي العثماني، واعتبر الطرق الصوفية حاضنات للمنهجية العثمانية. وجاءت انتفاضة العالم الصوفي الشيخ سعيد النورسي عام 1925 لتشكّل الذريعة الحاسمة لإغلاق التكايا.
وصدر قانون 677 سنة 1925، فأُغلقت جميع التكايا والزوايا، وحُظرت الألقاب الصوفية، وصودرت الأوقاف، وأُغلقت الأضرحة. ودخل التصوف مرحلة العمل السرّي.
سابعًا: البقاء في الخفاء والعودة التدريجية
لم يختفِ التصوف، بل تكيّف، وانتقلت حلقات الذكر إلى البيوت، وهاجر بعض المشايخ، واندمج آخرون في المجتمع المدني. ومع التعددية الحزبية بعد 1950، عاد التصوف جزئيًا تحت غطاء ثقافي، فسُمح بإحياء المولوية بوصفها تراثًا ثقافيًا، لا كممارسة دينية، واحتُفظ بالحظر القانوني، مع تخفيف تطبيقه.
ثامنًا: المولوية والعثمانية الجديدة
مع صعود العدالة والتنمية، استُثمر الإرث الصوفي ضمن مشروع "العثمانية الجديدة". وأصبحت المولوية رمزًا ثقافيًا وسياحيًا وقوة ناعمة. أُدرج السماع ضمن التراث الإنساني، وتحولت التكايا إلى متاحف.
لكن هذا الإحياء أثار جدلًا واسعًا بين من يراه حفاظًا على التراث، ومن يعدّه تسليعًا للتصوف وتجريده من جوهره الروحي.
تاسعًا: أبرز الطرق والجماعات الصوفية
لم تكن الصوفية في تركيا مذهبًا دينيًا بالمعنى التقليدي، بل هي طريق لتزكية النفس وتطهير القلب والتمسك بالأخلاق، لذا ليس هناك تناقض مع انتشار السلفية في المجتمع كذلك، رغم التناقض الإيديولوجي بين التيارين، وهذا ما أكده الباحث عماد قدورة، خلال الدراسة التي أعدها ونشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

قدورة في دراسته أرجع معرفة تركيا بالتصوف إلى الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند (1318 – 1389)، الذي تُنسب إليه الطريقة النقشبندية التي تعد أصل الطرق الصوفية في تركيا، بجانب أنها واحدة من أكبر الطرق الصوفية في العالم، وترجع إلى المذهب الحنفي الذي يتبنى منهج أهل الرأي والعقل في فهم القرآن والسُنة وتأويل نصوصِهما.
أولًا: الطريقة النقشبندية
تعد "الطريقة النقشبندية" هي أكبر الطرق الصوفية في تركيا من حيث عدد المنتسبين إليها، و ينتمي للأخيرة الكثير من قطاعات النخب التركية، حيث اتجه شيوخ ومريدو تلك الطريقة إلى تعزيز حضور طريقتهم ونشرها في أوساط أساتذة الجامعات، وموظفي الدولة، وأبناء الطبقة الوسطى من التكنوقراط، وأصحاب المهن الحرة، هذا إلى جانب قطاعات من المثقفين، ورجال الأعمال، ورؤساء الأحزاب السياسية.
ويستند المتصوفة الأتراك في طريقتهم "النقشبندية الخالدية" إلى علم الكلام والبرهان الذي يمثله المدرسة "الماتريدية"، وتنسب إلى أبي منصور محمد الماتريدي الذي نشأ في القرن الرابع الهجري في سمرقند (ت. 332هـ)، وتعتمد في تأسيسها ونشأتها على المذهب الحنفي فقهًا وكلامًا.
تتميز النقشبندية بالعديد من الميزات الإيديولوجية التي تميزها عن غيرها من الطرق الأخرى لا سيما من حيث عودة سلسلة الانتقال الروحي فيها إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من خلال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وليس علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وتنبثق عنها العديد من الجماعات والطرق النقشبندية، أمثال:
1) جماعة إسكندر باشا
وتنسب إلى الشيخ محمد زاهد كوتكو، المتوفى عام 1980 م، ولها دور كبير في خلق صيغة اجتماعية وحركية وغير مسبوقة في ظل طابعها الطابع الصوفي، ولها تأثير كبير في المشهد السياسي التركي بشكل مباشر، حيث اختلفت توجهات كوتكو مع سلفه المباشر، عبد العزيز بيكين (1895-1952) والذي كان قد منع الخلط بين الإسلام والسياسة الانتخابية، حيث سعي كوتكو في المقابل على تشجيع مريديه على العمل في مراكز التأثير في الدولة.

وقد تربي نجم الدين أربكان، قبل أن ينتمي إلى جماعة الإخوان، وقيامه بتأسيس حزب "النظام الوطني" عام 1970 بتشكيل. ثم حزب "السلامة الوطنية"، وقد انتمى غالبية أعضائه من أبناء الطريقة "النقشبندية".
2) جماعة "النور"
وتُنسب جماعة "النور" أو النورسية إلى الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، (1877م-1960م)، وتعد من أكثر الجماعات ذات النزعة الصوفية حضورًا وتأثيرًا في شرائح المجتمع التركي، بالأرياف والمدن ولها امتدادات خارج حدود الدولة التركية. وقد تأسست هذه الجماعة بعد وفاة النورسي.
ومن أبرز الجماعات المتأثرة بالنورسية أو المنبثقة منها هي جماعة "الخدمة" التي تزعهما فتح الله كولن، وقد امتلك شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات، والمؤسسات الإعلامية من صحف ومحطات تلفزيونية وإذاعية على مستوى العالم، وداخل تركيا قبل اصطدامها الأخير مع حزب "العدالة والتنمية"، ولاسيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة التي اتهمت قيادة تلك الحركة بالوقوف وراءها، والتي أعقبها حظر وملاحقات قضائية واسعة لأعضاء وأنشطة الجماعة.
3) جماعة أرانكوي
وهي جماعة صوفية تمارس نشاطها من خلال الوعظ الديني بوجه عام، بعيدًا عن الانخراط في المجال العام كثيراً، بسبب أحداث مانمان عام 1930 التي تعرض لها المتصوفة في تركيا إلى محن كبيرة، مما جعلها تمارس نشاطاتها باحتياط وحذر.
4) جماعة "المنزل"
نسبة إلى قرية "المنزل" التي كان يعيش فيها شيخ الجماعة النقشبندي محمد راشد أرول، وقد تشعب نشاط تلك الجماعة بسرعة كبيرة في أنقرة وإسطنبول، وانتشر بسرعة أكبر بعد الانقلاب العسكري عام 1980، وكان ذلك جزئيًا بسبب سمعتها المتداولة بوصفها الجماعة الدينية الداعمة للدولة. ونتيجة لذلك، بدأت تنتشر في مناطق غربي تركيا كواحدة من أسرع المناطق لنمو الجماعات الدينية في البلاد.
قد عرف عن مؤسس حزب "الوحدة الوطنية" الراحل، محسن يازيتش أوغلو"، قربه من الطريقة. وقد شاركت الطريقة المنزلية في حكومة العدالة والتنمية بوزيرين: هما وزير الطاقة تانير يلديز ووزير الصحة رجب أكداج. وفي عام 2005 أنشأت الحركة جمعية رجال الأعمال تومسياد. التي تملك 1500 عضو مسجل، وهو ما يشير بوضوح إلى مدى نفوذ تلك الجماعة.
5) السليمانيون
تنسب إلى شيخهم النقشبندي سليمان طوناخان، وقد سعت هذه في المقام الأول إلى توفير التعليم القرآني والحفاظ على المساجد مفتوحة. وفي المناطق التي كانت تشكو نقصًا في الأئمة؛ حافظت الطريقة على حضور أئمتها هناك والحفاظ على المساجد عاملة. وبعد السماح بالدورات القرآنية في عام 1947 انتشر طلاب الطريقة في جميع أنحاء تركيا، واليوم تقف الحركة باعتبارها واحدة من أكثر الحركات الدينية انتشاراً وتنظيماً على مستوى تركيا وأوروبا وبالأخص في ألمانيا، وقد شارك كمال كاكار خليفة مؤسس الطريقة في رئاستها وزوج ابنته في البرلمان التركي لثلاث دورات مختلفة ممثلاً عن حزب العدالة الذي كان يقوده سليمان ديميريل.

ثانيًا: الطريقة القادرية
تنتسب الطريقة القادرية إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، وتعد قريبة من السياسة بعد النقشبندية. ويعد مؤسس حزب تركيا المستقلة حيدر باش، جزءا من جماعة الإجماليين التابعة للطريقة، وتنشط في ولاية طرابزون، وتصدر مجلتين شهريتين ولها قناة تلفزيونية باسم "مالتَم" كما أن لها حزبًا سياسيًا رأسه حيدر باشا أيضاً، ومن أبرز الطرق الصوفية الأخرى في تركيا الطريقة الخلوتية والعُشّاقية والجراحية والبكتاشية والمولوية.
ومن فروع القادرية، "الغالبية" وتنسب إلى شيخها غالب حسين كوش أوغلو (توفي عام 2013)، وتتركز أنشطتها في إسطنبول (بيلكدوزو)، وأنقرة وتشوروم، والعديد من المدن في تركيا. وكذلك الطريقة "التلوية" وهم من أتباع الشيخ سلطان ممدوح (توفي عام 1847) الذي يوجد قبره في مدينة تيلو في ولاية سرت، وتنشط في سيرت وأنقرة وإسطنبول وإلازيغ، وكذلك الطريقة "المحمدية"، وهم أتباع محمد أوستا أوغلو والذي يلقب نفسه بـ"الشيخ سيد"، ويعيش في إسطنبول، وتنشط الجماعة في إسطنبول وأنقرة وقيصري ودوزجه.
ثالثًا: الطريقة الخلوتية
وهي إحدى الطرق الصوفية نسبة إلى محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي المتوفى في مصر، ويتشعب منها "الجراحية"، والتي تعود أصولها إلى محمد نور الدين الشيراحي، الذي عاش في إسطنبول في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ويقع نزلهم بجوار مسجد جانفيدا خاتون في منطقة كاراجمروك في الفاتح بإسطنبول، وينتشر أتباعها في إسطنبول وبورصة، وكذلك "الشعبانية" وتنشط في إسطنبول تنشط الطريقة وبورصة وإسكشهير وأنقرة وأفيون، ويخرج منها كذلك الطريقة "العشاقية" التي أسسها حسن حسام الدين، ومركزها في منطقة قاسم باشا في ولاية إسطنبول، والتي يتواجد فيها قبر مؤسسها، وتنشط في إسطنبول وأنقرة وتشورم وبولو.
رابعًا: الطريقة المولوية
تُعد الطريقة المولوية واحدة من أشهر الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، وأكثرها حضورًا في الوعي الثقافي والروحي خارج حدود العالم الإسلامي، ويرتبط اسمها بالشاعر والمتصوف الكبير جلال الدين الرومي (1207–1273)، الذي شكّل فكره الروحي وأشعاره الأساس الفلسفي والوجداني لهذه الطريقة. وقد نشأت المولوية في الأناضول، وتحديدًا في مدينة قونية، التي ما تزال حتى اليوم مركزها الرمزي والروحي الأبرز في تركيا.
تعود جذور الطريقة المولوية إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، عقب وفاة جلال الدين الرومي، حيث قام ابنه سلطان وَلَد بتأسيس الطريقة وتنظيم تعاليمها وتحويلها من تجربة روحية فردية إلى مؤسسة صوفية متكاملة. وقد انتشرت المولوية سريعًا في أنحاء الدولة السلجوقية ثم العثمانية، لتصبح واحدة من الطرق الأكثر قربًا من البلاط الحاكم والنخبة الثقافية.
خلال العصر العثماني، لعبت الزوايا المولوية (التكايا) دورًا مهمًا في الحياة الدينية والفكرية والفنية، وخرج منها شعراء وموسيقيون وفنانون، وأسهمت في تشكيل الذائقة الجمالية والروحية للمجتمع العثماني.

تقوم الطريقة المولوية على رؤية صوفية عميقة تجعل من المحبة الإلهية جوهر العلاقة بين الإنسان والله، وترى في السلوك الروحي رحلة تطهير للنفس وارتقاء بالروح. ويحتل شعر جلال الدين الرومي، ولا سيما كتابه الشهير المثنوي، مكانة مركزية في التربية المولوية، بوصفه دليلًا روحيًا وأخلاقيًا.
وترفض المولوية الجمود الفقهي والتعصب المذهبي، مؤكدة على البعد الإنساني العالمي للإسلام، وهو ما جعل خطابها أكثر قابلية للانتشار خارج البيئة الإسلامية، خاصة في الغرب.
ويُعد طقس السماع، المعروف عالميًا بـ"رقصة الدراويش الدوّارة"، أبرز ما يميز الطريقة المولوية. ولا يُنظر إلى هذا الطقس بوصفه رقصًا ترفيهيًا، بل ممارسة روحية رمزية تعبّر عن دوران الكون حول الخالق، وسعي الإنسان للتحرر من الأنا والاتحاد بالمحبة الإلهية.
يرتدي المولويون خلال السماع لباسًا خاصًا؛ فالقبعة الطويلة (السِكّة) ترمز إلى شاهد القبر، والعباءة السوداء إلى القبر نفسه، بينما يرمز الثوب الأبيض إلى الكفن، في إشارة رمزية إلى الموت عن الذات وبعث الروح.
بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، أُغلقت التكايا والزوايا الصوفية عام 1925 في إطار سياسات علمنة الدولة، ما أدى إلى توقف النشاط المؤسسي للطريقة المولوية. غير أن حضورها لم يختفِ تمامًا، بل استمر في إطار ثقافي وفني.
وفي العقود اللاحقة، أعادت الدولة التركية تقديم طقوس المولوية بوصفها تراثًا ثقافيًا، لا ممارسة دينية، خاصة في قونية وإسطنبول. وفي عام 2008، أدرجت منظمة اليونسكو طقس السماع المولوي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، ما أسهم في تعزيز حضوره عالميًا.
أصبحت الطريقة المولوية اليوم جزءًا من المشهد السياحي والثقافي في تركيا، حيث تُنظم عروض السماع في المناسبات الرسمية والمهرجانات السياحية، لا سيما خلال ذكرى وفاة جلال الدين الرومي في ديسمبر من كل عام، والتي تُعرف باسم "ليلة العُرس"، في إشارة صوفية إلى لقاء الروح بمحبوبها الأزلي.
ويثير هذا التحول جدلًا بين من يرى فيه حفاظًا على التراث الصوفي، ومن يعتبره تفريغًا للتجربة الروحية من مضمونها وتحويلها إلى عرض فولكلوري.
تجاوز تأثير الطريقة المولوية حدود تركيا، حيث تنتشر جمعيات ومراكز مستلهمة من فكر الرومي في أوروبا وأمريكا، وتُعد أشعاره من الأكثر ترجمة وانتشارًا في العالم. وقد أسهم هذا الامتداد في تقديم صورة مختلفة عن الإسلام، قائمة على التسامح والحب والسلام الداخلي.
تمثل الطريقة المولوية نموذجًا فريدًا للتصوف الإسلامي الذي جمع بين الروحانية العميقة والفن والجمال، واستطاع أن يترك بصمته في التاريخ العثماني، وأن يحافظ على حضوره في تركيا الحديثة رغم التحولات السياسية والثقافية. وبينما تتأرجح اليوم بين بعدها الروحي الأصيل وتمثلاتها السياحية، تظل المولوية شاهدًا حيًا على قدرة التصوف على التكيف والاستمرار، وعلى عالمية رسالة جلال الدين الرومي التي ما تزال تجد صداها في الشرق والغرب على السواء.
ينتشر التصوف في المجتمع التركي بصورة كبيرة عزاه أستاذ التصوف في كلية الإلهيات في جامعة مرمرة بإسطنبول، سليمان ديرين، إلى أن الإسلام وصل للأتراك على أيدي الصوفيين، كما يرى من وجهة نظره أن المبادئ الأساسية للتصوف التي تقوم على حب الذات الإلهية والزهد تتناغم بشكل كبير مع الأخلاق العامة للمجتمع التركي، كما تظهر أنشطة الصوفية في المجتمع التركي بصورة أكبر في الخدمات، حيث يدشنون العديد من المشروعات التي تخدم رجل الشارع العادي بمختلف توجهاته، فيبنون المساجد والمستشفيات ويقدمون المساعدات المالية والعينية للفقراء والطلاب والمحتاجين، كذلك يقيمون الولائم في رمضان.
ويرى ديرين، أن الصوفية في تركيا تختلف عن نظيرتها في مختلف الدول العربية والإسلامية، حيث تتميز بحضورها القوي في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ورغم الحظر الذي فرض عليهم فترات طويلة، فإن السياسيين على اختلاف توجهاتهم يلجأون لأنصار تلك الطرق في الأوقات الحرجة.
ويكشف الأكاديمي التركي أن مساهمات الصوفية الخيرية والمجتمعية لا تتوقف على الداخل وفقط، حيث يقدمون المساعدت إلى بعض الشعوب الإسلامية في الخارج، كما هو الحال مع الشعب الفلسطيني ومسلمي بعض الدول الإفريقية، كذلك إغاثة المتضريين من الكوارث البيئية كما حدث مع متضرري زلزال إندونيسيا وضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان قبل أعوام.
ختامًا:
يُظهر مسار الطرق الصوفية في تركيا كيف ظلّ التصوف عنصرًا حيًا في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي، رغم ما تعرّض له من تحولات حادة بين الاحتضان الرسمي والتهميش القانوني. فمنذ الجذور العميقة في العهد العثماني، حيث أدّت الطرق الصوفية أدوارًا روحية واجتماعية وسياسية متشابكة، وصولًا إلى القطيعة الكمالية التي سعت إلى اجتثاثها من المجال العام، ظلّ التصوف قادرًا على التكيّف والبقاء، مستندًا إلى حضوره الشعبي ومرونته التنظيمية.
وفي تركيا المعاصرة، عاد التصوف إلى الواجهة بصيغ جديدة، تجمع بين البعد الثقافي والرمزي والتوظيف السياسي، خاصة في إطار استدعاء الإرث العثماني واستخدامه كقوة ناعمة في الداخل والخارج، وتعكس هذه التجربة صراعًا أعمق على الهوية والذاكرة، بين دولة سعت إلى علمنة المجال العام، ومجتمع حافظ على جذوره الروحية بوسائل مختلفة. وبين هذين المسارين، يبقى التصوف شاهدًا على قدرة الدين الشعبي على إعادة إنتاج نفسه، مهما تبدّلت السياقات السياسية والقانونية.



