التكيف وتوسع الانتشار.. استراتيجية التنظيمات الإرهابية في موزمبيق
يُعد إقليم كابو ديلجادو، الواقع شمال دولة موزمبيق في أقصى جنوب شرق أفريقيا، من أكثر الأقاليم الأفريقية تناقضًا واضطرابًا؛ فهو من ناحية من أغنى الأقاليم الأفريقية من حيث الثروات الطبيعية والنفط والغاز الطبيعي، ومن ناحية أخرى يُعد من أكثر الأقاليم فقرًا وعوزًا، ما أهّله ليكون موطنًا وملاذًا آمنًا لتنظيم داعش، الذي نجح في إيجاد موطئ قدم له في إقليم الجنوب الأفريقي.
يقطن الإقليم أغلبية مسلمة تعاني من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما وفّر حاضنة شعبية مهمة للتنظيمات الإرهابية في البلاد. ففي عام 2009 بدا أن الأوضاع قد تشهد انفراجًا بالنسبة لمسلمي الإقليم، عقب الإعلان عن الاكتشافات والاحتياطات النفطية العالية فيه، الأمر الذي دفع شركة توتال الفرنسية آنذاك إلى ضخ نحو 20 مليار دولار كاستثمارات مباشرة في الإقليم. غير أن ظروف الفساد الحكومي، ولا سيما المرتبطة بحزب فريلمو الحاكم، حالت دون استفادة سكان الإقليم الفقير من العوائد النفطية الهائلة، ما ولّد حالة من التمرد والعصيان داخل الإقليم المسلم، وهو ما سهّل على التنظيمات المتطرفة التغلغل في الأوساط المسلمة في شمال موزمبيق.

نشوء حركة الشباب
في عام 2003 تم تأسيس تنظيم "أنصار السنة"، المعروف شعبيًا باسم تنظيم "حركة الشباب" (ولا توجد أي علاقة بين حركة الشباب الموزمبيقية وحركة شباب المجاهدين الصومالية، كما لم تُسمَّ الحركة في موزمبيق تيمنًا بالتنظيم الصومالي، وإنما أُطلق عليها هذا الاسم لكون أعضائها من الشباب المسلمين المهمشين والعاطلين عن العمل).

اتسمت عمليات حركة الشباب بالمحدودية الشديدة حتى عام 2017، حين بدأت في التوسع وتعزيز قوتها عبر التواصل مع جماعات أخرى خارج موزمبيق. وفي عام 2019 تمت مبايعة تنظيم داعش والانضمام إلى ما يُسمّى تنظيم الدولة الإسلامية في أفريقيا الوسطى. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت عمليات الحركة في التوسع والانتشار واتخاذ طابع أكثر عنفًا ودموية؛ إذ تسببت عملياتها خلال الفترة من 2017 إلى 2019 في مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، وتشريد ما يقارب مليون نسمة، فضلًا عن احتلال مدينة كيسانغا وميناء بريا في شمال البلاد.
ونتيجة تمدد تنظيم "داعش" في الإقليم الشمالي لموزمبيق وتوسع عملياته، نجحت حركة الشباب المدعومة من التنظيم في احتلال مدينة بالما النفطية في مارس 2021، ما أدى إلى انسحاب الشركات النفطية من البلاد، وعلى رأسها شركة توتال. وتنازلت موزمبيق، وقتها، ولأول مرة منذ اندلاع أعمال التمرد في كابو ديلجادو، عن موقفها الرافض لأي وجود لقوات أجنبية على أراضيها، وطلبت من الدول الأفريقية، وخاصة مجموعة السادك ورواندا، التدخل عسكريًا، كما طالبت بدعم كل من فرنسا وروسيا والبرتغال للمساعدة في ضبط الأمن في كابو ديلجادو.
في يوليو 2021، حققت الاستجابة الإقليمية الأفريقية دورًا مهمًا في مكافحة الإرهاب في موزمبيق ومنع تمدده في إقليم الجنوب الأفريقي. فعلى سبيل المثال، كانت رواندا في طليعة الدول التي أعلنت مشاركتها ضمن القوات الأفريقية الهادفة إلى فرض الاستقرار في شمال موزمبيق المضطرب أمنيًا وسياسيًا.

السيطرة على بالما
شهدت مدينة بالما الساحلية، الغنية بالغاز الطبيعي، في مارس 2021 هجمات إرهابية نفذها تنظيم داعش في موزمبيق، ما أدى إلى تخلي الحكومة عن رفضها القاطع لوجود قوات أجنبية على أراضيها لمحاربة تمدد التنظيمات الإرهابية، وهو ما أسفر عن توقف الشركات النفطية العالمية عن العمل في المدينة، مثل شركة توتال الفرنسية.
عُقد اجتماع دول الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك) في أبريل 2021، وتم خلاله اتخاذ قرار بإنشاء مركز للعمليات الإنسانية والحالات الطارئة في شمال موزمبيق، مع التوصية بنشر قوة دولية قوامها ثلاثة آلاف جندي في شمال البلاد. كما جرى توسيع الدور الأفريقي بضم رواندا إلى هذه القوة المشتركة، إضافة إلى طلب المساعدة من فرنسا والبرتغال لدعم الجهود الموزمبيقية في مواجهة الإرهاب.
تكيف مرحلي
أسهم التدخل الإقليمي في إقليم كابو ديلجادو عام 2021 في تخفيف وتيرة العمليات الإرهابية في شمال موزمبيق، كما ساهم في تخلي تنظيم داعش عن بعض المواقع والموانئ داخل البلاد، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى وقف العنف نهائيًا؛ إذ لجأت حركة الشباب إلى تكييف أوضاعها الداخلية بما يتلاءم مع مستجدات المرحلة وانتشار القوات الأجنبية.

ووفقًا لمعهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا (ISS)، نجحت حركة الشباب في تفكيك خلاياها إلى وحدات أصغر، ووسعت نطاق عملياتها ليشمل مناطق جديدة داخل مقاطعة نياسا، كما كثفت الهجمات الإرهابية على الطرق الملاحية البحرية، غير أن هذه العمليات لم تحظَ بالزخم ذاته الذي حظي به هجوم بالما عام 2021.
قصور في الاستجابة
أطلق معهد دراسات الأمن في جنوب أفريقيا تحذيراته بشأن التعاطي الحكومي مع الأزمة الأمنية في كابو ديلجادو، إذ غالبًا ما تُصوَّر الأزمة على أنها نتاج التدخل الخارجي وما يُسمّى بالإرهاب العابر للحدود، وليست نابعة في الأساس من عمق المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الإقليم. فجميع قادة حركة الشباب هم في الأصل مواطنون من كابو ديلجادو، وكانوا في السابق قادة لحركات احتجاج محلية رافضة لأوضاعهم الإنسانية والاقتصادية، وهو ما يفسر حالة الرضا الشعبي النسبي التي يحظى بها قادة الحركة في الأوساط المحلية شمال موزمبيق.
بصيص أمل
رغم غياب البعد الاجتماعي عن المعالجة الأمنية في شمال موزمبيق، برزت مؤخرًا بارقة أمل لإيجاد حل جذري لأزمة كابو ديلجادو، تمثلت في انتخاب الرئيس دانيال تشابو عام 2025، الذي يسعى إلى المزج بين خيار المكافحة العسكرية، على غرار سلفه فيليب نيوسي، وخيار الحوار المجتمعي مع المجتمعات المحلية في شمال البلاد، لمعالجة الديناميات المحلية لنشوء الإرهاب وتغذية التمرد.

وخلال حملته الانتخابية، أقر تشابو بأن الحروب مصيرها الانتهاء، وأنه لا بد في نهاية المطاف من فتح باب الحوار. ومع ذلك، ورغم مرور عام على توليه السلطة، لا يزال مبدأ الحوار في مراحله الأولى والهامشية، ويفتقر إلى الدعم المؤسسي الكافي.
وختامًا:
تؤكد العديد من قوى المعارضة السياسية في موزمبيق على أهمية الحوار كإجراء بنّاء لمعالجة الأزمة الأمنية والسياسية في كابو ديلجاددو؛ فالحوار ليس مجرد مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمتمردين، بل هو عملية أشمل تهدف إلى إعادة بناء الثقة، واستعادة التماسك الاجتماعي، وإيجاد قنوات للتواصل السلمي.
ويمكن للحوار الأفقي داخل المجتمعات وفيما بينها أن يسهم في معالجة التوترات المرتبطة بالعرق والدين والنزوح، كما يمكن للحوار الرأسي بين المجتمعات ومؤسسات الدولة أن يحسّن الاستجابة والمساءلة، في حين قد تمهّد المحادثات المُدارة بعناية مع المتمردين الطريق نحو خفض التصعيد.



