رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مونوسكو.. بين نقص التمويل والقيود القانونية في شرق الكونغو

قوات مونوسكو في إفريقيا
قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية

تعاني بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في إفريقيا، خلال الفترة الأخيرة، من فجوة كبيرة بين التوقعات المأمولة من تلك البعثات وبين القدرات المتاحة أمامها، فمعظم عمليات حفظ السلام في إفريقيا تعاني الآن من حالة انعدام القدرات لديها، وعدم توفير المخصصات المالية لإدارة شؤونها وعملياتها في القارة.

فعلى سبيل المثال، عانت بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال "الأميصوم" من افتقارها للتمويلات اللازمة لأداء نشاطها في الصومال طوال الفترة الممتدة من عام 2007 إلى عام 2022. ففي الفترة التي أعقبت جائحة كورونا، عانت بعثة "الأميصوم" من تحديات ضعف التمويل، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تعليق أعمالها في عام 2022، والتي من المقرر أن تنتهي تمامًا في عام 2025، لتحل محلها قوات بعثة الاستقرار التابعة للأمم المتحدة، والمعروفة باسم "أوسوم"، والتي من المفترض أن تشهد مشاركة مصرية كبيرة في تلك البعثة.

بعثة الأميصوم - أرشيفية 
بعثة الأميصوم - أرشيفية 

تعاني حاليًا بعثة "أوسوم" من تحديات كبيرة سبق أن أشارت إليها القاهرة في ديسمبر 2024، وتتمثل في انعدام التمويل الكافي لتلك البعثة العسكرية، والتي باتت تواجه تحديًا كبيرًا متمثلًا في بروز أنشطة تنظيم حركة شباب المجاهدين مؤخرًا، والذي نجح في استعادة عافيته بعد الضربات الأمنية الموجعة التي تلقاها في عام 2022، وأدت إلى فقدانه مواقعه الاستراتيجية في الولايات الوسطى بالبلاد، لكنه مؤخرًا نجح في استعادة بعض تلك المواقع، الأمر الذي يفرض ضرورة تحرك عاجل من أجل إعادة نشر قوات "الأوسوم" في البلاد لمجابهة تمدد تنظيم الشباب.

وعلى غرار أزمة الأميصوم والأوسوم، تعاني "مونوسكو" (بعثة الأمم المتحدة العاملة في الكونغو) من أزمة مشابهة متعلقة بنقص التمويل اللازم، فضلًا عن القيود العملياتية والأمنية التي تعيق قدرة تلك البعثة على تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة شرق الكونغو، والتي تشهد توترات كبرى أدت إلى مقتل الآلاف خلال الشهور الماضية، وتزايد حالات اللاجئين والنازحين من الكونغو إلى الدول المجاورة، خاصة بروندي، التي باتت تعيش أزمة سياسية كبرى، خاصة بعد ترحيل اللاجئين الكونغوليين إليها، فباتت غير قادرة على رعاية اللاجئين من ناحية، كما أن مطارها الرئيسي، مطار بوجمبورا، بات غير قادر على استيعاب المساعدات الإنسانية القادمة إلى مناطق شرق الكونغو الديمقراطية.

بعثة الأميصوم - أرشيفية 
بعثة الأميصوم - أرشيفية 

تجديد العملية

مؤخرًا، جدّد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولاية بعثته في جمهورية الكونغو لعام آخر، لتنتهي في 20 ديسمبر 2026، وسط تصاعد الاشتباكات في شرق البلاد، خاصة بعد تصاعد العنف خلال الشهور الماضية، والتي شهدت مقتل 7 آلاف مواطن، حسب تقديرات معهد دراسات الأمن في جنوب أفريقيا (ISS)، في المقاطعات الشرقية للبلاد، وهي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، وإيتوري.

كما تم رصد العديد من حالات العنف الجنسي الممنهج ضد المواطنين، فضلًا عن تجنيد الأطفال والزج بهم في أتون الحرب الدائرة، ووجود العديد من العراقيل أمام إيصال المساعدات الإنسانية الضرورية؛ إذ يعاني مطار بوجمبورا، عاصمة بروندي، من حالة اختناق، نظرًا لكونه المطار الوحيد المستخدم لنقل المساعدات الإنسانية إلى مقاطعات شرق الكونغو الديمقراطية.

قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 
قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 

قيود عملياتية

تعاني بعثة الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية من قيود عملياتية كبيرة أسفرت عن إعاقة قدرتها على ضبط الأمن في منطقة شرق الكونغو. فبعثة "مونوسكو" يغلب عليها طابع حفظ السلام وليس فرض السلام، بما يعني مهام خاصة مثل مراقبة وقف إطلاق النار، وتوصيل المساعدات، وحث الأطراف على قبول وقف إطلاق النار، أما عمليات فرض السلام أو بناء السلام فينبغي عليها التحرك الميداني لمواجهة القوات المتحاربة وتحييدها عسكريًا، وإجبار تلك القوى على وقف إطلاق النار والانسحاب بعيدًا عن مناطق تمركز المدنيين.

قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 
قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 

وهو ما ينطبق على منطقة شرق الكونغو، حيث ما زال العنف مستمرًا ومتجددًا ومتزايدًا، الأمر الذي ينذر أيضًا بحرب إقليمية على غرار حروب الكونغو الأولى والثانية، التي اشتركت فيها العديد من الدول الأفريقية في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة.

بداية الانهيار

انهارت الأوضاع في منطقة شرق الكونغو في عام 2021، حين اندلع القتال بين القوات الحكومية وبين قوات حركة 23 مارس المدعومة من رواندا. وفي عام 2023 تم وضع خطة أممية للانتقال السلمي وتهدئة الأوضاع في البلاد، إلا أن تلك الخطة انهارت تمامًا، فكان من المفترض أن تنتهي مهمة مونوسكو في ديسمبر 2025، إلا أن تدهور الوضع الأمني أدى إلى تجديد البعثة عامًا آخر.

غذّت عوامل عدة تفاقم الأزمة السياسية في شرق الكونغو خلال الفترة الماضية، أبرزها ضعف الدولة المركزية في كينشاسا، وانعدام سيطرتها على معظم أراضي الدولة الشاسعة، فضلًا عن تفاقم الفساد الداخلي، وأخيرًا تدخل دول الجوار في الأزمة الكونغولية، الأمر الذي زاد الأزمة تعقيدًا.

فعلى سبيل المثال، تُتهم رواندا حاليًا بدعم حركة «إم 23» المناهضة للحكومة، والتي تخوض معها اشتباكات مستمرة منذ عام 2021 إلى اليوم. أما الحكومة في كينشاسا، والحكومة الأوغندية، والبروندية، فتقدم الدعم إلى القوات الديمقراطية لتحرير رواندا المناهضة للحكم في كيغالي، عاصمة رواندا، والتي يغلب عليها عرقية الهوتو.

قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 
قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 

جدير بالذكر أن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، بعض أفرادها سبق أن اشتركوا في حرب الإبادة الجماعية التي تمت في رواندا في أبريل 1994 ضد أبناء جماعة التوتسي، والتي راح ضحيتها ما يقارب مليون قتيل خلال ثلاثة شهور فقط. لذا فإن الخطر من تمدد الصراع في منطقة شرق الكونغو ينذر باحتمالية ارتكاب مجازر إنسانية واسعة النطاق في منطقة البحيرات، وهو ما استدعى تدخل الأمم المتحدة بتجديد بقاء بعثتها عامًا آخر في شرق الكونغو، إلا أن تلك البعثة تواجه العديد من العقبات، أبرزها:

 أولًا: النقص الحاد في الموارد

تعاني البعثة حاليًا من نقص حاد في الموارد، نتيجة اتجاه الدول الكبرى إلى تخفيض حصتها المالية في هيئات وبعثات الأمم المتحدة. فالولايات المتحدة، مؤخرًا في عهد الرئيس ترامب، ومنذ أيام قليلة، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسومًا يفيد بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، منها 31 كيانًا تابعًا للأمم المتحدة. كما أن قمة العشرين التي عقدت في جنوب أفريقيا نهاية العام الماضي لم تسفر عن حلول تمويلية واضحة، وبالتالي باتت البعثة غير قادرة على مواجهة العمليات التي تقوم بها حركة «إم 23» المدعومة من رواندا.

قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 
قوات مونوسكو في إفريقيا - أرشيفية 

ثانيًا: العائق القانوني 

تواجه بعثة "مونوسكو" في الكونغو عائقًا قانونيًا، يتمثل في أنها مختصة فقط بحفظ السلام وليس فرضه. ولتحويل مهمة البعثة، ينبغي أولًا على مجلس الأمن فك الاشتباك القانوني في الكونغو، ومطالبة الأطراف بوقف الاقتتال، ومطالبة دول الجوار مثل رواندا وبروندي وأوغندا بسحب قواتها من الكونغو، ومطالبة الحركات المتمردة بتسليم سلاحها وإيقاف عملياتها العسكرية. ثم تأتي المرحلة الثانية بوضع خطة مرنة تقوم على تبادل المعلومات الاستخبارية، وقواعد الاشتباك، وتطوير آلية للإنذار المبكر، وأخيرًا تشكيل لواء للتدخل السريع يكون تابعًا للبعثة، يتولى مهمة تحييد الفصائل المسلحة العدوانية.

ختامًا:

تواجه بعثة الأمم المتحدة في الكونغو، "مونوسكو"، تحديات متشابكة من النواحي المالية والقانونية والعملياتية، مما يعقد مهمة حفظ السلام في منطقة شرق الكونغو، التي تشهد تصاعدًا مستمرًا للعنف والنزاعات الإقليمية. وبينما يمثل تجديد ولاية البعثة عامًا آخر محاولة للسيطرة على الأزمة، تبقى المعوقات البنيوية، مثل نقص التمويل، والقيود القانونية، والعراقيل الأمنية، عائقًا أمام تحقيق الاستقرار الفعلي.

نجاح بعثة الأمم المتحدة يعتمد بشكل أساسي على تعزيز الدعم الدولي، وإيجاد آليات قانونية وعملياتية تمكنها من الانتقال من دور حفظ السلام إلى فرض السلام، مع التركيز على حماية المدنيين ووقف تمدد الفصائل المسلحة. وفي ظل هذه التحديات، يظل مستقبل الاستقرار في شرق الكونغو هشًا، ما يستدعي تدخلًا دوليًا أكثر تنسيقًا وفاعلية لمنع انفجار الأوضاع الإنسانية والسياسية في المنطقة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء