رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مخاطر بيئية متصاعده: دلالات اعتزام نيجيريا زيادة إنتاج الوقود الأحفوري

سرقة النفط في نيجيريا
سرقة النفط في نيجيريا - أرشيفية

تُعد نيجيريا من إحدى أكبر الدول في العالم امتلاكًا لاحتياطات نفطية عالية تُقدَّر بحوالي 37.5 مليار برميل، وكذلك احتياطات غاز طبيعي تُقدَّر بحوالي 209.26 تريليونات قدم مكعب من الغاز، لتحتل بذلك المرتبة العاشرة عالميًا من حيث حجم الاحتياطات النفطية والغازية على مستوى العالم، كما تُعد من أبرز الدول الإفريقية في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك".

ورغم تلك الثروات النفطية التي تمتلكها نيجيريا، تعاني أبوجا من أزمة حادة في إنتاج النفط والغاز، خاصة أن منطقة دلتا النيجر، التي تنتشر فيها مصافي النفط مثل مصفاتي بورت هاركورت القديمة والجديدة، تشهد صراعات إثنية ودينية دموية بين العناصر المحلية حول مصادر المياه والغذاء، الأمر الذي دفع العديد من الشركات الاستثمارية إلى الانسحاب من الاستثمار في قطاعي النفط والطاقة في البلاد، مما أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي من النفط والغاز الطبيعي.

أزمة تهريب النفط في نيجيريا 
أزمة تهريب النفط في نيجيريا 

وتشهد حاليًا منطقة دلتا النيجر نشاطًا ملحوظًا لجماعة بوكو حرام وتنظيم داعش، حيث برع التنظيمان في استهداف الطلاب المسيحيين واختطافهم وطلب الفديات، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التدخل في نيجيريا بحجة الدفاع عن المسيحيين، وشن غارات جوية على معاقل التنظيمات الإرهابية في ولاية بورنو شمال نيجيريا بالقرب من بحيرة تشاد.

لا يمكن فصل الغارات الأمريكية الأخيرة على شمال نيجيريا عن الرغبات الأمريكية في الاستيلاء على النفط النيجيري، فالميزان التجاري بين البلدين يبلغ حوالي 10 مليارات دولار سنويًا، وتُعد السوق الأمريكية من أهم الأسواق المستوردة للنفط النيجيري، فوفق إحصائيات موقع الطاقة بلغت صادرات نيجيريا من النفط عام 2023 حوالي 235 ألف برميل يوميًا، بعد أن كانت 94 ألف برميل عام 2022، ووفقًا لتقارير موقع الطاقة فإن الولايات المتحدة تُعد الدولة الأولى المستوردة للنفط الخام النيجيري.

أزمة تهريب النفط في نيجيريا 
أزمة تهريب النفط في نيجيريا 

بعد أقل من أسبوعين من الغارات الأمريكية على مواقع داعش وبوكو حرام في نيجيريا، أعلنت نيجيريا عزمها على تعزيز إنتاجها من النفط الخام ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2030.

زيادة الإنتاج

تشير العديد من التقارير البحثية، إلى أن هناك حوالي عشرين دولة فقط على مستوى العالم تنتج نحو 80% من إجمالي الإنتاج العالمي من الغاز والفحم، وتحاول الحكومات على مستوى العالم مواصلة البحث والتنقيب عن الوقود الأحفوري من أجل سد الفجوة الخاصة بنقص الإنتاج، وذلك بالمخالفة للبنود المتفق عليها في اتفاقية باريس، التي تطالب بضرورة خفض الإنتاج من الوقود الأحفوري على مستوى العالم للحفاظ على المناخ وتقليل نسبة الاحتباس الحراري، حيث تنص الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمناخ على ضرورة خفض درجة حرارة الكوكب إلى أقل من 1.5 درجة مئوية، للعودة إلى مستويات المناخ لمرحلة ما قبل الثورة الصناعية.

مخالفة التعهدات المناخية

وفقًا للتقارير البحثية، تهدف أبوجا إلى مضاعفة إنتاجها من النفط خلال السنوات الخمس المقبلة ليصل الإنتاج إلى حوالي ثلاثة ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2030، كما تهدف إلى زيادة إنتاج الغاز بأكثر من 75% عن مستويات عام 2024، وذلك بحلول عام 2030.

الوقود الأحفوري - أرشيفية 
الوقود الأحفوري - أرشيفية 

الرغبة النيجيرية الحالية بزيادة إنتاج النفط والغاز بحلول عام 2030 تختلف وتتعارض مع الالتزامات النيجيرية بخفض الانبعاثات الحرارية بمقدار 29% بحلول عام 2030 و32% بحلول عام 2035، وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، أي العودة إلى المستويات الطبيعية للكربون في الجو.

زيادة الطلب

تعود رغبة أبوجا في زيادة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي بحلول عام 2030 إلى وجود العديد من السيناريوهات المرجحة لزيادة الطلب على الوقود والنفط، حيث تتوقع شركة بريتش بتروليم أن الطلب على النفط سيبلغ ذروته بحلول عام 2030، فيما تتوقع منظمة أوبك، التي تتبعها نيجيريا، استمرار نمو الطلب على النفط الخام حتى عام 2050، وهي الفرصة التي لا تريد نيجيريا تفويتها، حيث تساهم عائدات النفط والغاز الطبيعي في تمويل عمليات الإنفاق الحكومي في البلاد.

الوقود الأحفوري - أرشيفية 
الوقود الأحفوري - أرشيفية 

دلالات زيادة الإنتاج النيجيري

يحمل زيادة الإنتاج من النفط الخام النيجيري إلى ما يقارب ثلاثة ملايين برميل يوميًا خلال عام 2030 دلالات هامة، أبرزها:

أولًا: الاستجابة للضغوط الأمريكية

تعرضت أبوجا في الشهر الماضي للعديد من الضغوط السياسية الأمريكية تحت ستار حماية المسيحيين في البلاد، إلا أن واشنطن كانت في الحقيقة ترغب في السيطرة على النفط النيجيري، فاحتمالية رفع الإنتاج من شأنها عودة الشركات النفطية الأمريكية، مثل "شيفرون"، إلى العمل مرة أخرى في البلاد، كما أن زيادة إنتاج النفط النيجيري ستوفر الكثير على الولايات المتحدة، خاصة أن نيجيريا أقرب جغرافيًا للولايات المتحدة من منطقة الخليج العربي، كما أن وفرة إنتاج النفط على مستوى العالم ستدفع إلى حالة من الاستقرار في أسعار النفط عالميًا.

الوقود الأحفوري - أرشيفية 
الوقود الأحفوري - أرشيفية 

 

ثانيًا: زيادة الأخطار البيئية

زيادة إنتاج نيجيريا من النفط تعني زيادة المخاطر البيئية، بعيدًا أصلًا عن الزيادة الطبيعية المتوقعة للاحتباس الحراري، فنيجيريا دولة حافلة بحوادث تسرب النفط وحرائق أنابيب الغاز التي يتم استهدافها من قبل الجماعات المسلحة عمومًا، الأمر الذي أدى إلى دمار بيئي في حوض دلتا النيجر، فمعظم أراضي الحوض باتت ملوثة، وكذلك المجاري المائية في الدلتا، مما أدى إلى الإضرار بقطاعات الزراعة ومصايد الأسماك في تلك المنطقة.

ختامًا:

 يعكس اعتزام نيجيريا زيادة إنتاج الوقود الأحفوري محاولة واضحة لاستثمار نافذة الفرص المتاحة في سوق الطاقة العالمية، في ظل تزايد الطلب المتوقع وتنامي الضغوط الدولية، لاسيما الأمريكية، غير أن هذا التوجه يضع أبوجا أمام معادلة معقدة تجمع بين تعظيم العوائد الاقتصادية من جهة، والالتزامات البيئية والمخاطر الأمنية والبيئية المتفاقمة من جهة أخرى. فبينما قد تسهم زيادة الإنتاج في إنعاش الاقتصاد ودعم الاستقرار المالي للدولة، فإنها في المقابل تهدد بتعميق أزمات التلوث والصراعات المحلية في دلتا النيجر، فضلًا عن تقويض التعهدات المناخية التي قطعتها نيجيريا على نفسها. وعليه، يبقى نجاح هذه السياسة مرهونًا بقدرة الحكومة النيجيرية على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والاستقرار الاجتماعي، دون الانزلاق إلى كلفة طويلة الأمد قد تفوق المكاسب الآنية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء