رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إيران والاحتجاجات: هل تستدعي طهران ميليشياتها الخارجية لقمع الداخل؟

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية - أرشيفية

يشهد الشارع الإيراني في الأسابيع الأخيرة موجة احتجاجات واسعة، انطلقت من أزمة ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية، وتوسعت لتطال مطالب سياسية أعمق، تعكس حالة استياء شاملة من نظام الملالي. ومع تصاعد حجم المظاهرات، برزت تساؤلات متكررة: هل حقًا قامت طهران باستدعاء ميليشياتها المسلحة المنتشرة في الخارج، مثل كتائب حزب الله في العراق، وبقية الفصائل العراقية والأفغانية واللبنانية، لقمع الاحتجاجات داخليًا؟

وفقًا لما كشفته وسائل إعلام عراقية، عن انضمام ميليشيات عراقية موالية للنظام الإيراني للمشاركة في قمع الاحتجاجات الشعبية في طهران، يُقدَّر عددهم بنحو 800 عنصر ميليشياوي حتى الآن، في تطور خطير يعكس اتساع نطاق التعامل الأمني مع الأزمة الإيرانية خارج الأطر المحلية، وأن العناصر غالبيتهم منتمون لكتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، ومنظمة بدر، وسط تنسيق أمني مباشر مع جهات إيرانية.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

وأن عملية تجنيد المقاتلين لم تعد سرية، بل أخذت طابعًا علنيًا عبر التحريض المباشر على التطوع، حيث نشر عدد من المدونين والعناصر الموالين لإيران دعوات صريحة للمشاركة في "الدفاع عن النظام". ومن بين هؤلاء المدعو وسام عزيز، أحد قيادات الحشد الشعبي في العراق، وقاسم ولايتي، من عناصر عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وأن أكرم الكعبي، زعيم حركة النجباء، كان أول من بادر بإرسال مقاتلين إلى إيران.

وأوضحت وسائل الإعلام العراقية أن عمليات حشد ونقل الميليشيات اتخذت غطاء زيارة العتبات الدينية، ويتم نقلهم إلى قاعدة الإمام الخميني في الأحواز، ومنها يُعاد توزيعهم على المدن والمناطق التي تشهد كثافة عالية في الاحتجاجات. ووفق ذلك أفاد عدد من المحتجين الإيرانيين، عبر منصات التواصل الاجتماعي، بأنهم لاحظوا عناصر أمنية تشارك في القمع وتتحدث العربية ولا تتقن الفارسية، ما عزز الشكوك حول تورط عناصر أجنبية في عمليات القمع.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

يُضاف إلى ذلك أن بعض المقاتلين الأفغان أو العراقيين المرتبطين بالحرس الثوري يقيمون داخل إيران أصلًا، وقد يتم استخدامهم في تحجيم المظاهرات الداخلية، سواء بملابس مدنية أو ضمن وحدات رسمية، ودون الإعلان عن هوياتهم أو أدوارهم.

منظومة قمع داخلية مكتفية ذاتيًا

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، أدرك النظام الإيراني أن بقاءه مرهون بالسيطرة المحكمة على الداخل. ولهذا أنشأ بنية أمنية متعددة الطبقات، تضم الحرس الثوري الإيراني بوصفه القوة العقائدية الضامنة للنظام، وقوات الباسيج كذراع تعبئة وقمع جماهيري، وأجهزة استخبارات متداخلة تراقب المجتمع والنخب والمؤسسات. هذه المنظومة صُممت خصيصًا لمواجهة التمرد الداخلي، وجرى اختبارها مرارًا: من احتجاجات 2009، مرورًا بانتفاضات 2017 و2019، وصولًا إلى احتجاجات "المرأة والحياة والحرية". وفي كل مرة، أثبت النظام أنه يفضّل القمع المحلي الصرف، مهما بلغت كلفته السياسية.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

أداة خارجية لا داخلية

الميليشيات المرتبطة بإيران – كحزب الله اللبناني، والفصائل العراقية، ولواء فاطميون الأفغاني – نشأت لخدمة مشروع النفوذ الإقليمي، لا لضبط الداخل الإيراني. فهذه التشكيلات تعمل خارج الحدود وتحت غطاء "المقاومة"، وتفتقر إلى الشرعية داخل المجتمع الإيراني، وتمثل عبئًا سياسيًا خطيرًا إذا كُشف استخدامها ضد الإيرانيين، ومن ثم فإن إدخال مقاتلين أجانب لقمع احتجاجات داخلية سيحوّل الصراع من احتجاج اجتماعي إلى مواجهة وطنية شاملة.

الحساسية القومية

رغم التصدعات العرقية والمذهبية داخل إيران، فإن القومية الإيرانية تبقى عامل توحيد في لحظات الخطر. وأي دليل على استخدام "قوى أجنبية" ضد المواطنين قد يخلق إجماعًا وطنيًا ضد السلطة، بما في ذلك داخل مؤسسات الدولة نفسها. ولهذا سيتجنب النظام الإيراني كل ما قد يوحي بأن قمع الاحتجاجات يتم بأيدٍ غير إيرانية، حتى لو كانت هذه الأيدي تدين له بالولاء الكامل.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

من الناحية التنظيمية، يعتمد النظام الإيراني حاليًا على قوات الباسيج والشرطة الخاصة، ويمتلك شبكة من الميليشيات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري وفيلق القدس، القادرة على تنفيذ عمليات عسكرية خارج حدودها. ورغم أن استقدامها داخليًا سيشكل خطًا أحمر سياسيًا، وستُنظر خطوة كهذه على أنها احتلال داخلي، وستقود إلى فقدان كامل للشرعية في نظر المجتمع الإيراني، فإن النظام، وسط تصاعد موجات العنف وفي ظل الاختراقات الداخلية المتواجدة على الأرض والعمل على إسقاطه داخليًا، قد لا يمنع نفسه من الاستعانة بعناصر موالية في محور المقاومة.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

المفارقة أن كثرة الحديث عن احتمال استقدام الميليشيات لا تعكس قوة النظام بقدر ما تعكس هشاشة الثقة في أدواته الداخلية؛ فالدولة الواثقة لا تحتاج إلى الاستقواء بالخارج ضد مجتمعها، بينما الدولة المأزومة فقط هي من تفكر في هذا الخيار.

على الأرجح سيتحرك النظام الإيراني بين سبل التهدئة والقمع الممنهج لوقف حالة التصعيد الداخلي بمختلف الوسائل المتاحة، في ظل أن فرضية سقوط النظام مستبعدة بالكامل، لكنها ليست مستحيلة أيضًا. وذلك من خلال النظر إلى ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا: العوامل الداخلية

تصاعد المظاهرات والاحتجاجات الداخلية، التي تشمل قطاعات واسعة من فئات المجتمع الإيراني في مختلف المدن الإيرانية، فضلًا عن انضمام قطاعات من العمال والموظفين الحكوميين، ما يضع النظام السياسي تحت ضغط شعبي متزايد. فضلًا عن الأزمة الاقتصادية المزمنة التي يعاني منها النظام الإيراني واقعيًا، في ظل حالة من التضخم وارتفاع نسب البطالة، بجانب الأزمات المتصاعدة في قطاعات الطاقة والمياه، والتي من شأنها أن تضع شرائح واسعة في مواجهة مباشرة مع حكومة طهران.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

كما أنه لا يمكن تجاهل حالة الانقسام والتفكك التي يشهدها الداخل الإيراني، في ظل تنوع القوميات والمذاهب ما بين الأكراد والعرب والبلوش والفرس، فضلًا عن قوى المعارضة، والتي من شأنها أن تزيد من هشاشة السيطرة المركزية. ومن ثم فإن كل هذه العوامل تزيد من احتمالية فقدان النظام السيطرة تدريجيًا على بعض المناطق، خاصة إذا استمرت الاحتجاجات دون تهدئة.

ثانيًا: العوامل العسكرية والأمنية

يعتمد النظام الإيراني على قوات الباسيج والحرس الثوري والقوات الخاصة لقمع الاحتجاجات، لكن استمرار الضغوط قد يخلق تمزقًا داخليًا في ولاء هذه القوات. ومن ثم فإن أي انقسام داخل هذه المؤسسات قد يسرّع من عملية سقوط النظام. كما أنه، ورغم خبرة النظام في استخدام القوة، فإن استمرار الاحتجاجات على نطاق واسع قد يفوق قدرة القوات على السيطرة، دون اندلاع صدامات واسعة تؤدي إلى انهيار السيطرة المركزية.

المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 
المظاهرات في الشارع الإيراني - أرشيفية 

ثالثًا: العوامل الإقليمية والدولية

يعاني النظام الإيراني من العقوبات الغربية والقيود الاقتصادية التي تمثل أداة ضغط، وتحد من قدرته على شراء الولاءات أو تمويل قواته المحلية. وعلى الرغم من قدرة إيران على التحرك إقليميًا عبر ميليشياتها، فإن أي تدخل خارجي في الداخل الإيراني سيكون محفوفًا بالمخاطر، ويزيد من حدة الأزمة بدلًا من حلها.

وقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بضرب إيران "بقوة شديدة" إذا "بدأت السلطات بقتل المتظاهرين"،  وقال في مقابلة صحفية: "لقد أبلغتهم أنهم إذا بدأوا بقتل الناس، وهو ما يميلون إلى القيام به خلال أعمال الشغب - لديهم الكثير من أعمال الشغب - إذا فعلوا ذلك، سنضربهم بشدة"، نقلا عن "فرانس برس" .

وعلى الجانب الآخر، دعا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى أقصى درجات ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات، وطالب في بيان، نُشر على موقعه الإلكتروني، بتجنّب أي سلوك عنيف أو قسري، والتوجه نحو الحوار والتواصل والاستماع إلى مطالب الشعب.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

وأعلنت منظمة "إيران هيومن رايتس" التي تتخذ من النرويج مقرًا، أن قوات الأمن الإيرانية قتلت 45 متظاهراً على الأقل من بينهم 8 قاصرين، أثناء قمع الاحتجاجات التي انطلقت نهاية ديسمبر الماضي. وبحسب حصيلة أعدتها وكالة الأنباء الفرنسية بناءً على تقارير لوسائل إعلام في إيران وتصريحات رسمية، قُتل 21 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات من بينهم عناصر أمن، بينما أشارت مجموعة مراقبة الإنترنت "نتبلوكس" إلى انقطاع تام للإنترنت على مستوى البلاد في إيران، بعد انقطاع الاتصال لدى العديد ⁠من ‌مزودي ⁠الخدمة.

وقال مرصد "نتبلوكس" في بيان نشره على شبكات التواصل الاجتماعي، إن "البيانات المباشرة تشير إلى أن إيران تشهد الآن انقطاعًا تاماً للإنترنت على مستوى البلاد"، وأن هذا الأمر "يأتي في أعقاب سلسلة إجراءات رقابة رقمية تستهدف المحتجين في جميع أنحاء البلاد، وتعرقل حق الناس في التواصل في لحظة حرجة".

الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية
الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية

رابعًا: تقدير الاحتمالية

ربما يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الاحتجاجات مع قمع جزئي وإدارة ذكية للأزمة، مما يحافظ على النظام مؤقتًا، لكنه يضعفه تدريجيًا. أو انزلاق الأزمة إلى صناعة انقسام وتصدع في جدران المؤسسة العسكرية والحرس الثوري، مع توسع العصيان المدني، ما قد يؤدي إلى انهيار جزئي أو كامل للنظام، أو انقلاب ناعم يتمثل في إعادة تشكيل السلطة داخليًا أو ظهور حكم مؤقت بديل. بينما يتمثل السيناريو الأقل ترجيحًا في قدرة النظام على إخماد الاحتجاجات دون أن يفقد شرعيته، وهو ما يصبح صعبًا مع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية
الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية

سقوط النظام الإيراني ممكن، لكنه مشروط بعدة عوامل متشابكة، مرتبطة بإشكاليات استمرار الاحتجاجات، وقوة العصيان المدني، ومدى عدم اتجاه المؤسسة العسكرية إلى حالة التصدع والانقسام، وضغط الأزمات الاقتصادية. ومن ثم يواجه النظام الإيراني أقوى تحدٍ داخلي منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وأي خطأ في إدارة الأزمة قد يؤدي إلى تحولات غير متوقعة في بنية السلطة.

ختامًا:

تشير الاحتجاجات الأخيرة في إيران إلى حجم الضغط الداخلي الذي يواجه النظام منذ عقود، وتوضح هشاشة أدوات السيطرة التقليدية في مواجهة غضب شعبي متنامٍ. ومع تصاعد الأزمة، يصبح الاستعانة بالميليشيات الخارجية خطوة محفوفة بالمخاطر، قد تقلب الصراع الداخلي إلى مواجهة وطنية شاملة، وتؤدي إلى فقدان شرعية النظام. في المقابل، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية للنظام هو مزيج من القمع الجزئي والتهدئة الذكية، مع إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لضمان البقاء المؤقت مع الحد من الانهيار الكامل. وفي كل الأحوال، فإن الأحداث الحالية تشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الإيراني على التكيف مع متغيرات الداخل والخارج، مع ما تحمله من انعكاسات على استقرار البلاد والمنطقة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء