ألوية العمالقة: من نفوذ المجلس الانتقالي إلى مظلة المجلس القيادي الرئاسي
شهدت الساحة اليمنية مؤخرًا تحوّلًا نوعيًا تمثّل في انحياز ألوية العمالقة من النفوذ التقليدي للمجلس الانتقالي الجنوبي نحو الولاء للمجلس القيادي الرئاسي بقيادة رشاد العليمي. هذا التحوّل العسكري والسياسي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق اليمني المعقّد، وهو يحمل انعكاسات واسعة على الصراع الداخلي، وميزان القوى، ومستقبل المبادرة السياسية في البلاد.

وفي ذروة هذا التصعيد، أعلن التحالف عن هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، إلى مكان غير معلوم، عقب تحركات عسكرية وُصفت بـ"الاستفزازية"، شملت الدفع بقوات كبيرة نحو محافظة الضالع، وتوزيع أسلحة داخل عدن بهدف إحداث اضطرابات أمنية. وردّ مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية الزبيدي، واتهامه بارتكاب «خيانة عظمى»، في قرار مثّل نقطة تحوّل سياسية غير مسبوقة.

أولًا: من هي ألوية العمالقة؟ ولماذا هي مهمة؟
برزت ألوية العمالقة الجنوبية كواحدة من أبرز القوى العسكرية والفصائل المسلحة في جنوب اليمن منذ عام 2015، في خضم الحرب اليمنية المستمرة بين الحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي والحوثيين المدعومين إيرانيًا. وقد لعبت هذه الألوية دورًا محوريًا في السيطرة على مساحات واسعة من محافظات شبوة وأبين والحديدة والمناطق الساحلية الجنوبية، مستفيدة من الدعم الإماراتي المباشر والتدريب العسكري الممنهج، لتصبح قوة شبه مستقلة عن الحكومة المركزية في عدن.

تكوّنت ألوية العمالقة الجنوبية من مقاتلين محليين (سلفيين)، غالبيتهم من أبناء المحافظات الجنوبية، مع عدد محدود من القادة العسكريين السابقين في الجيش اليمني قبل الحرب، برئاسة أبو زرعة المحرمي (خريج معهد دماج وتلميذ الشيخ مقبل الوادعي، الأب الروحي للتيارات السلفية في اليمن). وتتميز هذه الألوية بهيكلية شبه عسكرية مرنة، تسمح بعمليات عسكرية سريعة ومناورة فعالة في المناطق الساحلية والصحراوية. وقد شملت التشكيلات المتقدمة للعمالقة وحدات مدرعة ومشاة بحرية، بالإضافة إلى خبرات استخباراتية نوعية مكّنت الألوية من استباق تحركات الحوثيين في عدة جبهات.

بدت قوات العمالقة قوة ضاربة، وما لبثت أن تقدمت على طول الساحل الغربي، وكانت على وشك السيطرة على مدينة الحديدة الاستراتيجية، قبل أن يوقف الهجوم اتفاق ستوكهولم الذي رعته الأمم المتحدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين نهاية عام 2018. وتوسعت قوات العمالقة في هيكلها العسكري، وضمت نحو 13 لواءً عسكريًا، يضم اللواء الواحد بين 1800 و3600 جندي، أبرزها اللواء الأول والثاني والخامس، وتم تمويلها من التحالف، وبدرجة رئيسية من الإمارات.

ونشطت "ألوية العمالقة" مع بدايات تشكّلها في التوجه غربًا، وقد عززت نفوذها بعدما أصبحت رأس الحربة في الساحل الغربي خلال السنوات الست الأولى من تأسيسها، كما تمت الاستعانة بها في تأمين جبهات الضالع من هجمات الحوثيين نهاية عام 2019. ومع محاولات الحوثيين إسقاط مأرب وشبوة بين عامي 2020 ومطلع 2022، دفعت قوات التحالف والشرعية بألوية العمالقة إلى مأرب لاستعادة ما سقط بيد الحوثيين في شبوة، إذ كان يُعتمد عليها في كثير من الجبهات، تحديدًا بوصفها قوة إسناد بحكم الانضباط داخلها، إلى جانب تدريبها العالي وقدراتها القتالية، مع امتلاكها أسلحة حديثة مقارنة بجميع القوات والتشكيلات العسكرية الأخرى في ذلك الحين.

وفي عام 2022، وبعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي وانضمام المحرمي، القائد العام لقوات العمالقة، إلى عضوية المجلس، أصبحت ضمن القوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي. وشاركت ضمن القوات التي هاجمت، في 13 أغسطس 2023، قصر «المعاشيق» الرئاسي أثناء فترة رئيس الحكومة معين عبد الملك، كما اقتحمت مبنى مكتب رئاسة الوزراء.
وكانت قوات "العمالقة" بمثابة دعم كبير للقوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، لما لها من ثقل على الأرض، بعدما وصل عددها، بحسب تقديرات نشرها موقع "ديفانس لاين" المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية في فبراير 2025، إلى ما يقرب من 70 ألف مقاتل، موزعين على أكثر من 30 لواءً عسكريًا، رغم أن التقديرات التي نشرتها وكالة فرانس برس عام 2022 تشير إلى أنها كانت تتألف آنذاك من 15 لواءً وأكثر من 30 ألف مقاتل.

ولكن مع إطلاق التحالف بقيادة السعودية والمجلس الرئاسي بقيادة رشاد العليمي عملية عسكرية ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة، بدا وكأن ألوية العمالقة الجنوبية نأت بنفسها عن المشاركة في المعارك دعمًا لقوات "الانتقالي"، وانضمت إلى قوات التحالف التي تقودها المملكة العربية السعودية.
الدور العسكري والسيطرة الإقليمية
كان للعمالقة الجنوبية دور بارز في تحرير أجزاء من محافظتي لحج وأبين في السنوات الأولى للحرب، كما شاركوا في عمليات الحديدة تحت مظلة التحالف العربي. وقد أكسبتهم هذه الإنجازات العسكرية حضورًا مؤثرًا على الأرض، بحيث أصبحوا طرفًا حاسمًا في أي مفاوضات محلية تتعلق بالسيطرة على المناطق الساحلية الجنوبية، التي تمتلك أهمية استراتيجية على الصعيد الاقتصادي، نظرًا للموانئ الحيوية مثل ميناء عدن وميناء المكلا.

العلاقات مع التحالف العربي والإمارات
تلقت ألوية العمالقة دعمًا لوجستيًا وعسكريًا مباشرًا من الإمارات، شمل التدريب، وتمويل الأسلحة، وتوفير الطائرات المسيّرة. هذا الدعم عزز استقلالية الألوية عن الحكومة الشرعية في عدن، وأتاح لها تطوير قيادة محلية قوية مع قدرة على اتخاذ قرارات ميدانية مستقلة. وفي المقابل، أصبح دور الإمارات في الجنوب مرتبطًا جزئيًا بقدرة العمالقة على السيطرة على الموانئ وفرض الاستقرار النسبي في مناطق نفوذها.

التحوّل نحو المجلس القيادي الرئاسي
تحوّل ولاء "ألوية العمالقة" عن المجلس الانتقالي نحو "المجلس الرئاسي" لم يحدث فجأة، بل هو نتاج تفاعلات إقليمية ومحلية شملت دور الإمارات في إعادة ترتيب التحالفات العسكرية في الجنوب، ومحاولات المجلس الرئاسي تعزيز سلطته الوطنية في الجنوب، وتقليص نفوذ القوى المنفصلة التي كانت تمثل تهديدًا للاستقرار السياسي، فضلًا عن احتياجات وتوقعات المقاتلين المحليين الذين يسعون إلى الاعتراف الرسمي بالقدرات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة.
السياسة الداخلية والانقسامات الجنوبية
على الرغم من قوتها العسكرية، واجهت "ألوية العمالقة" تحديات سياسية داخلية، في ظل المطالبات بتحقيق الاستقلال الجنوبي وعودة الدولة الاتحادية الجنوبية، أو حتى الانفصال، والتي خلقت توترات مع المجلس الرئاسي المدعوم من المملكة العربية السعودية. فضلًا عن أن المنافسة مع فصائل أخرى، مثل "الحزام الأمني" و"قوات المقاومة الجنوبية"، التي تأسست في 19 أبريل 2018 بقيادة العميد طارق محمد عبد الله صالح والمدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة، و"قوات النخبة الحضرمية" التي نشأت عام 2015 بدعم إماراتي، تُظهر صعوبة الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، خصوصًا مع استمرار التدخلات الإقليمية والدولية التي تحاول إعادة ترتيب النفوذ في جنوب اليمن.

تأثير التحول على الصراع في جنوب اليمن
فقد المجلس الانتقالي عنصر القوة العسكرية الاستراتيجي الأبرز الذي كان يعزز موقفه في المفاوضات والسيطرة على الأرض، خاصة في المحافظات الساحلية مثل عدن وأبين وشبوة، مما أضعف قدرته على فرض رؤى استقلالية أو انفصالية كاملة، في ظل انضمام "ألوية العمالقة" إلى صفوف المجلس الرئاسي، والتي تعزز هيكل القوة الرسمي للدولة الشرعية في الجنوب، وتوفر غطاءً سياسيًا قويًا لعمليات واسعة في المناطق المتنازع عليها، في إطار سيطرة "العمالقة" على الموانئ والمراكز الحيوية، التي تُعد رصيدًا استراتيجيًا مهمًا للمجلس الرئاسي في أي تسوية سياسية مستقبلية.

تمثل ألوية العمالقة الجنوبية نموذجًا للقوة المحلية المستقلة التي تجمع بين القدرات العسكرية المؤثرة والمواءمة السياسية مع القوى الإقليمية. ورغم قوتها على الأرض، فإن مستقبلها مرتبط بشكل مباشر بتحولات الحرب اليمنية، والدور الذي ستلعبه كل من الحكومة الشرعية والتحالف العربي، وكذلك بقدرتها على إدارة التوازن بين الاستقلال العسكري والحضور السياسي ضمن السياق الجنوبي الأوسع.

ختامًا:
لا يمكن النظر إلى تحوّل ولاء ألوية العمالقة الجنوبية بوصفه مجرد إعادة تموضع عسكري عابر، بل يمثل تحولًا بنيويًا في معادلة القوة في جنوب اليمن، يعكس تصدع التحالفات التقليدية وصعود منطق الدولة على حساب المشاريع الانفصالية. فقد أعاد هذا التحول رسم ميزان القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ومنح المجلس القيادي الرئاسي أداة عسكرية وازنة تعزز حضوره السياسي والأمني في المحافظات الجنوبية، وتقلّص من قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على فرض شروطه في أي مسار تفاوضي قادم.
وفي المقابل، يضع هذا التحول "ألوية العمالقة" أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على تماسكها واستقلالها الميداني من جهة، والانخراط المنضبط ضمن مؤسسات الدولة من جهة أخرى، بما يضمن عدم تحولها إلى طرف صراع داخلي جديد. وبينما يبدو أن المجلس الرئاسي قد كسب جولة مهمة في معركة توحيد القرار العسكري، وتقديم مشروع سياسي جامع يتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة الوطنية. وفي ظل استمرار الحرب وتعدد التدخلات الإقليمية، ستظل ألوية العمالقة لاعبًا حاسمًا في تحديد شكل الجنوب اليمني، إما بوصفها ركيزة لاستعادة الدولة، أو كقوة مرشحة لإعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة.
