دمج "قسد" في الجيش السوري: تسوية وطنية أم سيطرة على موارد النفط؟
لم يعد ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بنية الجيش السوري الجديد مجرد بند تفاوضي عابر، بل تحوّل إلى أحد أعقد ملفات المرحلة الانتقالية السورية، لما ينطوي عليه من أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية تتجاوز مسألة إعادة هيكلة القوة المسلحة إلى إعادة تعريف طبيعة الدولة السورية ذاتها بعد سنوات طويلة من الحرب. فالقضية المطروحة لا تتعلق فقط بإعادة هيكلة مؤسسة عسكرية أو توحيد السلاح تحت مظلة الدولة، بل تمسّ جوهر تعريف الدولة السورية ذاتها بعد الحرب، وحدود السيادة، وشكل الحكم، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق التي نشأت فيها سلطات أمر واقع خلال سنوات الصراع.
وجاءت زيارة وفد "قسد" صباح اليوم الأحد، إلى دمشق، برئاسة القائد العام مظلوم عبدي وعضوية قيادات بارزة، لتؤكد أن مسار التفاوض لا يزال مفتوحًا، رغم التأجيلات الفنية والضغوط الإقليمية، ورغم وجود أطراف داخلية وخارجية تدفع نحو حرف هذا المسار باتجاه الصدام.

أولًا: السياق السياسي والأمني لملف الدمج
ينطلق المسار التفاوضي من اتفاق 10 مارس، الموقع بين الحكومة السورية الانتقالية وقيادة "قسد"، والذي ينص على إدماج القوات والمؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مقابل شراكة سياسية وتمثيل لمكونات شمال وشرق سوريا، وضمانات تتعلق باللامركزية الإدارية والسياسية.
غير أن هذا الإطار العام سرعان ما يصطدم بإشكاليات جوهرية، أبرزها الخلاف حول مفهوم اللامركزية وحدودها، وطبيعة "الجيش الواحد"، ومصير القيادات العسكرية لـقوات سوريا الديمقراطية، ومستقبل مشروع الإدارة الذاتية مقارنة برؤية الدولة المركزية التقليدية.
ويرى مراقبون أن الحكومة الانتقالية في دمشق تميل إلى اختزال الاتفاق في بند دمج "قسد" بوزارة الدفاع، في حين تصرّ الإدارة الذاتية على أن الدمج جزء من تسوية وطنية أشمل تشمل شكل الحكم، والحقوق السياسية، والتمثيل المتوازن للمكونات السورية.

فالاتفاق الذي يتكون من ثمانية بنود لم يكن مجرد تفاهم سياسي مرحلي، بل اعتبره كثيرون محاولة جدية لإعادة بناء التوازن السياسي والاجتماعي في البلاد وفتح مسار يمكن البناء عليه لإنقاذ سوريا كدولة وشعب بعد عقود من الاستبداد وغياب منطق السياسة، إلا إن ثمة خلافات حول ما يعرف بالبند الرابع المتعلق بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية والمعابر والمطار وحقول النفط بوصفه بندًا محوريًا في خطاب السلطة الانتقالية، إذ يتم اختزاله في الحديث عن نفط وأموال منطقة شمال وشرق سوريا، وكأن هذه المناطق وحدها تمتلك الموارد الوطنية، بينما يتم تجاهل بقية الجغرافيا السورية بكل ما تحتويه من معابر وموانئ ومطارات وموارد طبيعية.

وهو تركيز لا يُمكن فَصله عن البُعد الاقتصادي للموضوع، إذ ترتبط المعابر والموارد مباشرة بالإيرادات المالية في وقت ما تزال فيه بقية البنود السياسية والدستورية تُراوح مكانها دون أي تقدم ملموس، ومن ثم يري الخبراء السوريون، أن منطق السلطة الانتقالية في مقاربتها لمنطقة شمال وشرق سوريا لا يختلف كثيرًا عن منطق النظام السوري السابق، إذ ينظُر كلا الطرفين إلى المنطقة بوصفها مساحة يجب استعادتها باعتبارها غنيمة سياسية واقتصادية، لا باعتبارها جزءًا من وطن له خصوصيته الاجتماعية وهو منطق يتعامل مع المنطقة من زاوية السيطرة والوصول إلى الموارد مهما كانت الكُلفة.
ثانيًا: الإطار النظري لعملية الدمج العسكري
تواجه عملية الدمج مجموعة من العقبات البنيوية المعقّدة، في مقدمتها الطبيعة التنظيمية والأيديولوجية لقوات «قسد»، التي تشكّلت خلال الحرب على أسس سياسية وعقائدية واضحة، مقابل مؤسسة عسكرية سورية لم تُستكمل بعد عملية إعادة بنائها على أسس وطنية قومية، لا سيما أنها تشمل ضمن صفوفها عناصر "مؤدلجة" وتحمل توجهات سلفية جهادية، وبعضها تم تجنسيه خلال المرحلة الأخيرة التي تولي فيها أبو محمد الجولاني قيادة سوريا.
كما أن البيئة العسكرية السورية نفسها تعاني من تعدد الولاءات والهويات داخل التشكيلات المسلحة، سواء ذات الطابع "الأيديولوجي" أو الديني، ما يجعل دمج قوى متباينة فكريًا وعقائديًا، دون صهر مسبق للعقيدة العسكرية مخاطرة حقيقية تهدد بتفكك المؤسسة بدلًا من توحيدها لتعبر عن المكون السوري القومي.

إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية الثقة المتبادلة، سواء بين حكومة دمشق بقيادة أحمد الشرع، وبين قوات سوريا الديمقراطية المعبر الرئيسي عن الأكراد، أو داخل مجتمعات شمال وشرق سوريا نفسها، حيث لا تزال هناك حساسيات عربية–كردية، ومخاوف من الإقصاء أو فرض هيمنة طرف على آخر.
ثالثًا: العامل الخارجي وضغوط الإقليم
لا يمكن فصل ملف الدمج عن التوازنات الإقليمية والدولية، حيث تنظر الولايات المتحدة إلى "قسد" بوصفها شريكًا أمنيًا في مكافحة الإرهاب، كما أنها لا تبدو معنية بإعادة بناء جيش وطني سوري موحّد بقدر اهتمامها بالحفاظ على ترتيبات أمنية تضمن استمرار نفوذها غير المباشر في العمق السوري.
بينما تعتبرها تركيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وتضغط باتجاه إضعاف هذا الكيان أو تفكيكه، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص الوصول إلى تسوية مستقرة، هذا التناقض الإقليمي والدولي يجعل عملية الدمج رهينة توازنات خارجية، ويزيد من احتمالات التعطيل أو الانفجار في أي لحظة.

وخلال ذلك أشار ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا سيهانوك ديبو، إلى أن المسار السياسي لاتفاق 10 مارس لا يزال على سكته التفاوضية على رغم وجود أطراف ترغب بحرفه نحو مشهد تصادمي، وأن مسار التفاوض يسير وفق آجال مفتوحة وغير منتهية، لكن لا يمكن اختزاله وتسطيحه وتسويفه، مضيفًا أن قوات سوريا الديموقراطية، غير مهتمة بالوقت وكسبه كما يُشاع، إنما تحرص على تنفيذ اتفاق حقيقي لا شكليًا، وبما يحقق قيام دولة وطنية لامركزية، وليس تجميعًا لتناقضات تنفجر في أي لحظة لاحقة.
واعتبر سيهانوك ديبو أن اتفاق مارس يجب أن يساهم في بناء الدولة الوطنية السورية الجديدة، وليس تفاهماً لفترة زمنية محددة، وأنه من الطبيعي أن تأخذ الصيغة النهائية للاتفاق وقتًا تحدده لجان الأطراف المتفاوضة، لا دول تتدخل بالشأن السوري وتتصرف بصورة غير مسؤولة مثل تركيا، مبينًا أن أسباب تعثر المفاوضات تعود إلى وجود أطراف وفصائل غير منضبطة تابعة مسلكيًا للحكومة السورية الانتقالية وإداريًا لأنقرة، وأن "الفهم الانتقائي" الذي تبديه الحكومة الانتقالية ومحاولاتها اختزال الاتفاق في نقطة اندماج قسد بوزارة الدفاع.
رابعًا: فرص الدمج وبناء الدولة
رغم كل التعقيدات، يطرح مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن القوات السورية، فرصًا حقيقية لإعادة توحيد السيطرة الرسمية على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وتعزيز مفهوم السيادة، وتخفيف حدة التوتر العسكري في الشمال الشرقي، وتقليص مبررات التدخل الخارجي.
كما يشكّل الدمج، في حال نجاحه، مدخلًا لإطلاق عملية سياسية أوسع تقوم على الاعتراف المتبادل، وبناء شراكة وطنية حقيقية، وإرساء نموذج دولة لامركزية ديموقراطية، وهو مطلب لا يقتصر على المكون الكردي، بل يحظى بقبول متزايد لدى شرائح سورية واسعة.

خامسًا: خطر الانزلاق إلى صراع أو حرب طائفية
في المقابل، يحمل فشل مسار دمج "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن عصب الحكومة السورية الجديدة، أو فرضه بالقوة مخاطر جسيمة، قد تؤدي إلى تفجير صراع مسلح جديد، يتخذ طابعًا إثنيًا أو طائفيًا، خاصة في ظل هشاشة النسيج الاجتماعي، وانتشار السلاح، ووجود فصائل غير منضبطة.
ويرى محللون أن أي محاولة لحسم الملف عسكريًا، أو تفكيك "قسد" دون تسوية سياسية متكاملة، قد تدفع المنطقة إلى دوامة عنف طويلة، وتفتح الباب أمام صراعات عربية–كردية، أو تدخلات إقليمية مباشرة، بما يهدد ما تبقى من فرص الاستقرار في سوريا.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
تتراوح السيناريوهات المطروحة بين اندماج تدريجي متفاوض عليه، واندماج شكلي يحافظ على البنى القائمة، واستمرار الجمود وإدارة الوضع الراهن، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جزئية أو شاملة. ويُعد السيناريو الأول هو الأقل كلفة، لكنه الأكثر تعقيدًا من حيث التنفيذ، ويتطلب إرادة سياسية حقيقية وضمانات داخلية وخارجية.
ختامًا:
عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري الجديد ليس مسألة تقنية أو إدارية، بل هو اختبار حقيقي لإمكانية بناء دولة سورية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويعتبر نجاح هذا المسار مرهونًا بوجود رؤية وطنية شاملة من كافة الأطراف الفاعلة في الداخل السوري، واستعداد حقيقي لتقديم تنازلات متبادلة، وتحييد العوامل الإقليمية قدر الإمكان. أما فشله، فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الطائفي والمذهبي، تكون أكثر خطورة، لأنها ستمسّ أسس التعايش الوطني ووحدة المجتمع السوري وتفع بها نحو سيناريو التقسيم الجغرافي والمذهبي.



