رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الجمود إلى التحريك: هل ينجح ملادينوف في إنقاذ اتفاق غزة؟

نيكولاي ملادينوف
نيكولاي ملادينوف ونتنياهو

تعرضت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة لحالة من الجمود السياسي خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، فقد برزت الخطة إلى النور في نهاية سبتمبر الماضي، مكونة من 20 نقطة تهدف إلى وقف الحرب وإجراء ترتيبات سياسية وأمنية وعسكرية من شأنها إيقاف الحرب بشكل نهائي في القطاع المضطرب منذ عقود مضت.

نجحت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار بالتوقيع على الاتفاق في 9 أكتوبر 2025، وكان الاتفاق برعاية الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر، باعتبارهم الدول الراعية والضامنة للاتفاق، وفي الأيام اللاحقة للتوقيع على الاتفاق تم إنجاح عملية تبادل الرهائن الإسرائيليين المحتجزين (الأحياء والأموات) لدى حركة حماس، في مقابل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، كما تم السماح بإدخال المساعدات الغذائية والإغاثية لسكان قطاع غزة المحاصرين.

نيكولاي ملادينوف
نيكولاي ملادينوف

تعرض الاتفاق خلال الشهور الثلاثة الماضية للعديد من العثرات التي كادت أن تفشل الاتفاق وتنذر بعودة حالة الحرب من جديد، ومن أبرز تلك العثرات حالة الانتهاك المستمرة من تل أبيب لوقف إطلاق النار؛ فبعد عشرة أيام فقط من التوقيع على الاتفاق، وتحديدًا في 19 أكتوبر الماضي، شنت إسرائيل 30 غارة جوية على جنوب قطاع غزة وخان يونس، في ظل تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحماس بخرق وقف إطلاق النار، وفي منتصف ديسمبر الماضي شنت إسرائيل غارات جوية على حركة حماس، مما أدى إلى استشهاد القيادي رائد سعد، وجاءت عملية الاغتيال بأمر مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو الأمر الذي هدد بنذر حرب جديدة في القطاع.

ساهمت الدبلوماسية الشخصية للرئيس دونالد ترامب في تهدئة الأوضاع في غزة وكبح جماح إسرائيل خلال الفترة الماضية؛ فمثلًا بعد حالة التصعيد في خان يونس في أكتوبر الماضي، دفع ترامب مساعديه ومبعوثيه إلى زيارة إسرائيل في نهاية أكتوبر الماضي لضمان عدم خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار، ففي خلال تلك الفترة تمت زيارة كل من مبعوثي ترامب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى إسرائيل، وأيضًا زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وأخيرًا زيارة وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو.

وخلال أزمة استهداف القيادي في حركة حماس رائد سعد، دعا الرئيس الأمريكي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى زيارة واشنطن في 29 ديسمبر الماضي، وفي تلك الزيارة تم وضع اللمسات النهائية لتهدئة الأوضاع تمامًا والدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

بنود المرحلة الثانية

اكتفت المرحلة الأولى بوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن والأسرى ومعالجة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، أما المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فتتضمن العديد من الخطوات الرامية إلى تأسيس العديد من الهيئات والقوات الدولية الرامية إلى حكم قطاع غزة وفرض الأمن والاستقرار في القطاع، وتتضمن تلك المرحلة النقاط التالية:

1) تشكيل مجلس السلام الدولي.

2) تشكيل حكومة التكنوقراط الفلسطينية.

3) تشكيل قوة الاستقرار الدولية.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

تشير بنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيل مجلس للسلام الدولي يترأسه ترامب نفسه، وعضوية 15 عضوًا آخرين، أغلبهم ملوك ورؤساء الدول التي ترغب في إرساء السلام في غزة، كما أنه من المقرر أن يتم تعيين مدير تنفيذي لمجلس السلام الدولي يتولى الإشراف ومتابعة سير عمل حكومة التكنوقراط الفلسطينية، وأخيرًا الإشراف على عمل قوة الاستقرار الدولية.

حظيت خطة الرئيس ترامب بالاعتراف الدولي في 17 نوفمبر 2025، حين أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يرحب بإنشاء مجلس السلام في قطاع غزة واعتباره بمثابة هيئة انتقالية تدير القطاع، ويمتلك مجلس السلام شخصية قانونية دولية تتولى مهام إدارة القطاع وتنسيق عملية التمويل لإعادة تنمية وإعمار قطاع غزة.

تعيين ملادينوف

خلال الفترة الماضية ترددت العديد من الأسماء المرشحة لمنصب المدير التنفيذي لمجلس السلام، وكان من أبرزها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلا أنه قوبل بمعارضة شديدة من قبل العديد من الدول العربية، نظرًا لكونه رئيسًا لوزراء بريطانيا أثناء غزو العراق في عام 2003، وهو الأمر الذي يحمل العديد من الدلالات السلبية.

كما ترددت أسماء أخرى مثل مبعوثي ترامب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لكن أخيرًا تم تعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مديرًا تنفيذيًا لمجلس السلام الدولي، إذ سبق أن شغل ملادينوف منصب وزير الدفاع في بلغاريا، وأيضًا وزير خارجية بلاده، كما تم تعيينه في منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى العراق خلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2015، وخلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2020 شغل منصب كبير مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى منطقة الشرق الأوسط، وتولى مسألة إرساء السلام في منطقة غزة، وأيضًا مسألة تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف
جاريد كوشنر وستيف ويتكوف

واستهل ملادينوف عمله كمبعوث لمنطقة الشرق الأوسط في عام 2015 بزيارة قطاع غزة، ودعوة إسرائيل إلى رفع الحصار والسماح بإدخال مواد البناء لإعادة إعمار القطاع عقب حرب 2014 بين إسرائيل وحماس، كما دعا إلى وقف الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في عام 2016، وفي عام 2017 أعلن ملادينوف عن تمسكه بحل الدولتين.

وفي عام 2022، وبعد انتهاء مهمته في الأمم المتحدة، شغل ملادينوف منصب المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية الإماراتية، وهي الأكاديمية المتخصصة في البحوث والدراسات السياسية المتعلقة بالسياسة الخارجية.

لماذا ملادينوف؟

يمتلك السياسي البلغاري ملادينوف العديد من المقومات السياسية التي تجعله مؤهلًا لمنصب المدير التنفيذي لمجلس السلام الدولي، ومن أبرزها:

أولًا: إلمامه بشؤون الشرق الأوسط

شغل ملادينوف منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى العراق خلال الفترة من عام 2013 حتى 2015، وهي الفترة التي شهدت تدشين تنظيم داعش وإعلانه الخلافة، وأيضًا تمدد إيران في منطقة الشرق الأوسط وبروز دور الحوثيين في اليمن، وبالتالي يمتلك ملادينوف رؤية شاملة حول تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

ثانيًا: الخبرة بالشأن الفلسطيني

تعد تجربته السابقة من عام 2015 إلى 2020، والتي شغل فيها منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط، قد منحته الفرصة الكاملة لاكتساب الخبرة بالشأن الفلسطيني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ تم تعيينه في أعقاب حرب 2014، كما سبق له أن عمل مع إدارة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، فضلًا عن تعامله مع العديد من الفصائل الفلسطينية.

قيادات حركة حماس
قيادات حركة حماس

ثالثًا: رعايته لاتفاقيات إبراهام

خلال فترة تواجده في الأمم المتحدة شهد ملادينوف عملية التقارب العربي الإسرائيلي، والمعروفة باسم اتفاقيات إبراهام، بين الإمارات والبحرين والسودان والمغرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وبالتالي فإن تعيينه في منصب المدير التنفيذي لمجلس السلام الدولي سيعطي لتلك الاتفاقيات دفعة وزخمًا قويًا خلال الفترة المقبلة، كما أن عمله السابق كمدير لأكاديمية أنور قرقاش الإماراتية سيسهل عليه عملية التواصل مع الشركاء في دول الخليج العربي فيما يخص عملية التنمية وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

نتنياهو 
نتنياهو 

رابعًا: مواقف ثابتة

خلال فترة عمله كمبعوث للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط كان لدى ملادينوف العديد من المواقف الثابتة في القضية الفلسطينية، مثل اعتراضه على المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية، فضلًا عن اعترافه بحل الدولتين، وأخيرًا موقفه من مسألة إدخال المساعدات ومواد البناء إلى قطاع غزة، ونتيجة لهذا الموقف حظي ملادينوف بقبول من الفصائل الفلسطينية المختلفة، الأمر الذي قد يسهل مهمته خلال الفترة المقبلة.

ختامًا:

 توجد العديد من التحديات التي ستشكل عقبة أمام مهمة عمل ملادينوف، أبرزها على الإطلاق مسألة نزع سلاح حماس؛ فخلال لقائه مع الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء نتنياهو شدد الأخير على أهمية نزع السلاح، كما سيواجه ملادينوف تحديات أخرى مثل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث أفادت العديد من الجهات الإعلامية المقربة من حماس بوقوع أكثر من ألف اختراق إسرائيلي لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، وأخيرًا تبقى مسألة الإشراف على حكومة التكنوقراط، وأيضًا حدود دور الدول المشاركة في قوة الاستقرار الدولية المزمع إنشاؤها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء