يهود الفلاشا بين التهميش والاحتواء: رهانات نتنياهو قبيل السباق الانتخابي
في إطار حشد أوراقه الانتخابية، يسعى رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو إلى تعزيز تواصله السياسي والجماهيري مع مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية في إسرائيل، من أجل الحصول على دعم تلك الفئات خلال الانتخابات المقبلة في أكتوبر المقبل. ومن أبرز تلك الفئات التي يحرص نتنياهو على حشد أصواتها طائفة اليهود "الفلاشا"، وهي الطائفة اليهودية التي تم تهجيرها من إثيوبيا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
يعاني يهود "الفلاشا" عمومًا في المجتمع الإسرائيلي من حالة تمييز عرقية واضحة، إذ حتى هذه اللحظة يشكك الكثير من الإسرائيليين، خاصة اليهود المنحدرين من أصول غربية "الأشكيناز"، في يهودية "الفلاشا"، وانعكست حالة التمييز على المستوى المعيشي والاجتماعي لهؤلاء اليهود المنتمين إلى البشرة السوداء.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبرز أزمة الجندي المنتمي إلى "الفلاشا"، "إفراهام منجستو"، الذي نجحت حركة حماس في أسره عام 2014، ولم تتحرك إسرائيل وقتها لبذل المزيد من الجهود من أجل الإفراج عنه، بل تركته في سجون حماس لأكثر من عشر سنوات، حتى تم الإفراج عنه مؤخرًا في فبراير 2025 في صفقة تبادل أسرى مع حركة حماس.
اهتمام متأخر
يشغل حاليًا الرأي العام داخل طائفة اليهود "الفلاشا" قصة الطفلة المفقودة هيمانوت كاساو، والتي اختفت في فبراير 2024 بالقرب من مركز استيعاب بمدينة صفد (مركز الاستيعاب هو مركز تابع للوكالة اليهودية، متخصص في تسكين المهاجرين اليهود وإعادة إدماجهم في المجتمع الإسرائيلي)، وكانت تبلغ في ذلك الوقت حوالي تسع سنوات.

استمرت جهود الشرطة في البحث عن الفتاة حوالي ثلاثة أسابيع، إلا أن جهود البحث توقفت، وترجح أسرتها، التي هاجرت إلى إسرائيل عام 2021، بأن الجهود التي بذلتها الشرطة الإسرائيلية غير كافية على الإطلاق. وخلال العامين الماضيين حاولت الأسرة تعديل وضع ابنتها القانوني من فتاة مفقودة إلى فتاة مختطفة، من أجل الحصول على إجراءات بحث أكثر قوة وكفاية، وضمان اشتراك جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" في عمليات البحث.
وفي ديسمبر الماضي، ألقت الشرطة القبض على أحد الأشخاص، ادعت أنه على علاقة باختفاء الطفلة الإثيوبية، إلا أن المحكمة برأته بعد اثنتي عشرة جلسة تقريبًا، الأمر الذي أدى إلى اشتعال احتجاجات الأسرة وجماعة "الفلاشا" من أجل معرفة مصير كاساو. وفي محاولة أخيرة لتهدئة الأوضاع في صفوف "الفلاشا" واكتساب المزيد من الشعبية السياسية قبيل الانتخابات، التقى نتنياهو أسرة الطفلة كاساو في مكتبه يوم 6 يناير 2026، واعدًا الأسرة باستعادة التحقيقات وإعادة الطفلة مرة أخرى إلى أسرتها.
رسائل كاساو
يحمل اختفاء الطفلة من أصل إثيوبي هيمانوت كاساو، وإعادة اهتمام نتنياهو بقضية الطفلة الإثيوبية بعد عامين من اختفائها، العديد من الرسائل السياسية، سواء الموجهة إلى الداخل الإسرائيلي أو الخارج، منها على سبيل المثال:

أولًا: إزالة الصورة العنصرية عن إسرائيل
خلال عوفاديا عقد السبعينيات من القرن العشرين، ساد جدل وخلاف كبير بين الحاخامات في إسرائيل، خاصة بين الحاخام الممثل لطائفة الأشكيناز شلومو غورين، وبين الحاخام الممثل لطائفة السفارديم يوسف، حول اعتبار طائفة "بيتا الإثيوبية" طائفة يهودية، إذ اعتبرها يوسف طائفة يهودية تعود إلى إحدى القبائل الإسرائيلية المفقودة، وفي المقابل رفض غورين الاعتراف بذلك.
ساهمت التخوفات الإسرائيلية في نهاية السبعينيات من تفوق العامل الديمغرافي الفلسطيني على نظيره الإسرائيلي في إعادة التفكير مرة أخرى في مسألة الطائفة اليهودية الإثيوبية على أنها ستشكل عامل توازن أمام التمدد الديمغرافي الفلسطيني، لذا انتصر القرار السياسي الإسرائيلي لموقف الحاخام عوفاديا يوسف في نهاية الأمر، وقُبلت عملية استقطاب يهود إثيوبيا من خلال عمليات متلاحقة، أبرزها عملية موسى (1983 ـ 1984) والأخرى عملية سليمان (1991 ـ 1992).

ورغم استجلابهم من إثيوبيا، عاش "الفلاشا" في الأحياء الفقيرة والمستوطنات القريبة من القرى العربية والفلسطينية، ليكونوا بمثابة خط الدفاع الأول لإسرائيل ضد هجمات وعمليات المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي دفع يهود "الفلاشا" إلى إطلاق احتجاجاتهم في يوليو 2019 ضد التمييز الممارس ضدهم من قبل الحكومة الإسرائيلية. لذا جاءت أولى المحاولات الإسرائيلية لرأب الصدع واستعادة إدماج اليهود "الفلاشا" في المجتمع الإسرائيلي بتعيين القيادية في تجمعات "الفلاشا" بينينا تامانو كوزيرة في حكومة نتنياهو عام 2020.
لذا فإن الوعد الأخير لنتنياهو بالبحث عن الطفلة المفقودة من شأنه أن يعكس محاولة من الحكومة الحالية لإبراز تعاطفها مع طائفة "الفلاشا"، ومحاولة إبعاد صفة العنصرية عنها.

ثانيًا: سباق انتخابي
بدأ السباق الانتخابي مبكرًا في إسرائيل، فكل طرف يحاول استقطاب المزيد من المناصرين له. فعلى سبيل المثال، نجح مؤخرًا يائير جولان، زعيم حزب الديمقراطيين في البلاد، في استقطاب قادة الاحتجاجات القضائية والحركات المدافعة عن الرهائن. لذا جاء تحرك نتنياهو الأخير من أجل استقطاب أصوات "الفلاشا" لصالحه، مستفيدًا من حالة الضعف السياسي لتلك الطائفة، وعدم وجود حزب سياسي قادر على تمثيل أصواتهم وتطلعاتهم السياسية والاجتماعية، على غرار طائفة اليهود الروس الذين يعبر عنهم حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيجدور ليبرمان.

ثالثًا: تعزيز الترابط الإسرائيلي الإثيوبي
تعد طائفة "الفلاشا" حلقة وصل قوية بين أديس أبابا وتل أبيب، فخلال أي تواصل بين نتنياهو وأبي أحمد، يتناول الطرفان حال تلك الطائفة، سواء الموجودة حاليًا في إسرائيل أو التي ما زالت متواجدة في إثيوبيا إلى اليوم. ومؤخرًا تحاول إسرائيل مد جسور التواصل والتعاون مع إثيوبيا، في محاولة لاستدراك الجانب الإثيوبي للمشاركة ضمن قوات الاستقرار الدولية في غزة.
لذا جاء الإجراء الأخير لنتنياهو من أجل تعزيز التواصل مع "الفلاشا"، وممارسة المزيد من الضغوط السياسية على تلك الطائفة لإقناع الجانب الإثيوبي بأن يكون له دور فعال خلال الفترة المقبلة في قطاع غزة.
ختامًا:
إعادة إحياء قضية الطفلة هيمانوت كاساو تكشف عن تداخل واضح بين الاعتبارات الإنسانية والحسابات السياسية في السلوك الانتخابي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالتضامن المتأخر مع قضية تمس طائفة عانت طويلًا من التهميش والتمييز لا يمكن فصله عن سباق انتخابي محتدم يسعى فيه كل طرف إلى توسيع قاعدته الجماهيرية واستقطاب الأصوات المترددة. وبينما تحاول الحكومة الإسرائيلية تقديم نفسها كمدافع عن حقوق يهود "الفلاشا" وإزالة الصورة العنصرية المرتبطة بإسرائيل، تبقى هذه التحركات مرهونة بمدى تحولها من وعود ظرفية إلى سياسات حقيقية تعالج جذور التمييز وتعيد الثقة المفقودة بين الدولة وتلك الطائفة، بعيدًا عن الاستغلال السياسي المؤقت لقضايا إنسانية مؤلمة.



