بداية الطلاق الاستراتيجي: جرينلاند تشعل الخلاف بين ترامب وحلف الناتو
أطلقت الدنمارك تحذيرًا هو الأشد صرامة في تاريخ علاقتها بواشنطن، حيث أكدت رئيسة الوزراء، ميتي فريدريكسن، أن أي تحرك أمريكي للسيطرة على جزيرة جرينلاند سيعني النهاية الفورية لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، موضحة أن هجومًا من قبل القوة الأكبر في الحلف على أراضي دولة عضو يضرب صميم مبدأ الدفاع المشترك، ويقوض تمامًا المظلة الأمنية التي استقرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واصفةً الضغوط الأمريكية الحالية بأنها "غير مقبولة" وتتجاوز حدود التحالف التاريخي.
وتأتي هذه التصريحات ردًا على تصاعد طموحات الضم لدى الإدارة الأمريكية، التي بررت مطامعها في الجزيرة القطبية بضرورات الأمن القومي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني المتزايد في الأركتيك. وبينما شدد رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، على أن الجزيرة ليست سلعة للبيع أو التبادل، سارعت القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، إلى إعلان تضامنها الكامل مع السيادة الدنماركية، مما يضع الحلف الأطلسي أمام أعمق أزمة وجودية في تاريخه، تهدد بتفكك النظام الأمني الغربي من الداخل.

تآكل العقيدة الأمنية
وفق تصريحات نيلسن، فإن أي تحرك أمريكي عدائي تجاه جرينلاند سيفقد حلف الناتو مبرر وجوده القانوني والأخلاقي. فالحلف الذي قام على مبدأ الدفاع عن الحليف لا يمكنه البقاء إذا تحول الحامي إلى معتدٍ، وهو ما يضرب جوهر المادة الخامسة التي تشكل العمود الفقري للأمن الغربي منذ عام 1949.
وتشير التحليلات إلى أن مجرد التلويح بالخيار العسكري أو الضغط القسري لضم الجزيرة ينهي مفهوم الثقة المتبادلة بين الأعضاء؛ فالدول الصغيرة في الحلف لن تشعر بالأمان تحت مظلة تقودها قوة عظمى لا تحترم السيادة الوطنية لشركائها، مما يجعل المظلة النووية والأمنية الأمريكية محل شك كبير.
إن انهيار هذا العقد الأمني يعني عمليًا توقف التنسيق العسكري والاستخباراتي بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وهو ما وصفته فريدريكسن بأنه "نهاية كل شيء". هذا السيناريو سيترك أوروبا مكشوفة أمنيًا، لكنه في المقابل سيجرد الولايات المتحدة من أكبر شبكة تحالفات عسكرية في التاريخ الحديث.

وبناءً عليه، لم تعد المادة الخامسة مجرد نص قانوني، بل تحولت في أزمة جرينلاند إلى اختبار بقاء؛ فإما أن يسود منطق القانون الدولي والسيادة، أو ينهار الحلف ليفسح المجال لشريعة القوة التي ستقضي على إرث السلام الأوروبي الطويل.
الصدام مع "السيادة الوطنية"
تتمسك الدنمارك وجرينلاند بموقف قانوني صلب يعتبر الجزيرة إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ولا يخضع لمنطق البيع أو الشراء، وقد صرح رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، بوضوح أن بلاده “ليست فنزويلا” ولن تقبل بأن تُعامل كمنطقة نفوذ مستباحة، مؤكدًا أن عصر الاستعمار الجديد قد ولى.
على الجانب الآخر، تتبنى واشنطن رؤية “الواقعية السياسية” المتطرفة، حيث ترى في جرينلاند ضرورة قصوى للأمن القومي الأمريكي، وتبرر الإدارة الأمريكية مطامعها بتزايد النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي، معتبرة أن سيادة الدنمارك “الضعيفة” عسكريًا لا يمكنها حماية هذا الموقع الاستراتيجي الحساس في القرن الحادي والعشرين.

هذا التضاد في الرؤى خلق فجوة دبلوماسية غير مسبوقة، حيث انتقل الخطاب من التعاون الدفاعي إلى “لغة التهديد والضم”. كذلك فإن إصرار واشنطن على ربط جرينلاند بالأمن القومي الأمريكي يتجاهل الهوية الديمقراطية لسكان الجزيرة وحقهم الأصيل في تقرير المصير بعيدًا عن صراعات القوى العظمى.
في السياق نفسه، يعكس الصدام الحالي أزمة أعمق في النظام الدولي؛ حيث تجد الدول المتوسطة والصغيرة نفسها مضطرة للاختيار بين التبعية المطلقة للقوة العظمى أو المواجهة الدبلوماسية الشرسة لحماية حدودها، مما يضع مفهوم "التحالف بين الأنداد" في مهب الريح.
الاستقلال الاستراتيجي
أدى التهديد الأمريكي لجرينلاند إلى رد فعل أوروبي موحد وسريع، حيث وقعت قوى كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا بيانًا يدعم سيادة كوبنهاجن. هذا التضامن لم يكن مجرد دعم معنوي، بل مثّل إشارة قوية لبداية "الطلاق الاستراتيجي" مع واشنطن، والبحث عن نظام أمني أوروبي خالص لا يعتمد على المزاج السياسي الأمريكي.

ومن المحتمل أن تكون أزمة جرينلاند المحفز النهائي لإنشاء «الجيش الأوروبي الموحد»، وهو المشروع الذي طالما عارضته واشنطن؛ فالدول الأوروبية أدركت أن الاعتماد الكلي على الناتو قد يجعلها رهينة للأطماع الأمريكية، مما يدفعها لتعزيز قدراتها العسكرية الذاتية بعيدًا عن القيادة المركزية في بروكسل.
كما بدأت تلوح في الأفق بوادر تغيير في الولاءات، حيث قد تضطر بعض الدول الأوروبية للبحث عن توازنات أمنية جديدة مع قوى إقليمية أو دولية أخرى لتأمين حدودها الشمالية. هذا التحول سيؤدي إلى تفتيت الكتلة الغربية الموحدة، وتحويل الناتو من حلف عالمي إلى مجرد اتفاقيات ثنائية هشة.
إن خروج أوروبا من العباءة الأمريكية دفاعيًا يعني نهاية الحقبة «الأطلسية» التي ميزت القرن العشرين. فإذا سقط الناتو بسبب جرينلاند، فإن البديل سيكون نظامًا أمنيًا متعدد الأقطاب داخل القارة الأوروبية، وهو ما سيغير موازين القوى العالمية بشكل جذري ودائم.
الفراغ الاستراتيجي
تراقب موسكو وبكين الشرخ المتزايد داخل حلف الناتو باهتمام بالغ، حيث يمثل تفكك الحلف بسبب أزمة جرينلاند هدية جيوسياسية لم يكن من الممكن تصورها، فأي تراجع في التنسيق الدفاعي بين أمريكا وأوروبا سيخلق فراغًا أمنيًا هائلًا في القطب الشمالي، وهو المنطقة التي تسعى روسيا للسيطرة عليها عسكريًا وتجارياً.

ويتوقع أن يؤدي انشغال واشنطن بالضغط على حليف مثل الدنمارك إلى إضعاف جبهة الحلف في مناطق أخرى مثل شرق أوروبا وبحر الصين الجنوبي. هذا التشتت الأمريكي يمنح الخصوم فرصة لتعزيز نفوذهم، مستغلين حالة "التمرد" الأوروبي ضد السياسات الأمريكية القسرية.
علاوة على ذلك، فإن ضعف السيادة الدنماركية على جرينلاند نتيجة الضغط الأمريكي قد يفتح الباب أمام استثمارات صينية مقنعة تحت غطاء الشراكة الاقتصادية مع سكان الجزيرة الغاضبين من واشنطن، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى نتيجة عكسية تمامًا لما تريده الولايات المتحدة، بزيادة النفوذ الشرقي في القطب الشمالي.
في المحصلة، فإن أزمة جرينلاند قد تتحول من «صفقة عقارية» أو «ضرورة أمنية» أمريكية إلى ثغرة استراتيجية كبرى؛ فلن ينهي سقوط الناتو الوجود الأمريكي في الشمال فحسب، بل سيجعل الولايات المتحدة تواجه خصومها في القطب الشمالي وحيدة دون دعم لوجستي أو سياسي من حلفائها التقليديين.

ختامًا:
لم تعد قضية جرينلاند مجرد خلاف على ملكية أرض أو استغلال موارد، بل تحولت إلى لحظة مواجهة لحلف الناتو والنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. إن التحذير الدنماركي الصارم يعكس واقعًا جديدًا: السيادة لم تعد قابلة للتفاوض، حتى بين الأصدقاء. فإذا أصرت واشنطن على المضي قدمًا في منطق الضم، فإنها لن تكسب جزيرة قطبية فحسب، بل ستخسر أعظم تحالف عسكري عرفه التاريخ، لتبدأ حقبة جديدة من عدم الاستقرار الجيوسياسي الذي سيغير وجه القارة الأوروبية والعالم إلى الأبد.



