عتمة برلين و"إرهاب المناخ": بين الخطاب السياسي والواقع الأمني
دخل الصراع حول مستقبل الطاقة في ألمانيا مرحلة أمنية حرجة، بعدما صنّف عمدة برلين، كاي فيجنر، الهجوم التخريبي الذي استهدف إمدادات الكهرباء في العاصمة على أنه عمل إرهابي مكتمل الأركان؛ مما يعيد تعريف حدود المواجهة بين الدولة والتيارات اليسارية المتطرفة المناهضة للوقود الأحفوري.
وقد تسبّب الحادث، الذي وقع في مطلع يناير 2026، في قطع التيار الكهربائي عن نحو 45 ألف أسرة و2200 شركة، نتيجة استهداف دقيق ومخطط للبنية التحتية المغذية للجنوب الغربي من العاصمة. وفي خطاب شديد اللهجة عبر قناة "برلين–براندنبورج"، أكد فيجنر أن هذا الفعل يتجاوز التخريب المتعمد ليرقى إلى مصاف الإرهاب، كونه عرّض حياة كبار السن المعتمدين على أجهزة التنفس الاصطناعي والأطفال الصغار لخطر جسيم، مشددًا على أن الدولة ستتحرك بحزم لضبط الجناة ومنع تكرار هذا العدوان على الحياة اليومية.

من جانبها، سارعت مجموعة "فولكانجروب" (مجموعة البركان) اليسارية المتطرفة إلى إعلان مسؤوليتها عن العملية، واصفةً إياها بالتخريب الناجح ضد ما تسميه "الرأسمالية الأحفورية"، ورغم محاولة المجموعة في بيانها التنصل من تبعات انقطاع الكهرباء عبر الادعاء بأن هدفها كان اقتصاد الوقود الأحفوري فحسب، إلا أن الحادث كشف عن استراتيجية جديدة لليسار الراديكالي تعتمد على الأرض المحروقة طاقيًا، مما يضع الحكومة الألمانية أمام تحدي الموازنة بين حماية التحول المناخي وبين لجم تطرف الجماعات التي باتت ترى في تدمير البنية التحتية وسيلة مشروعة لفرض أجندتها السياسية.
قانونية الإرهاب
أحدث وصف العمدة كاي فيجنر للهجوم بـ"الإرهاب" زلزالًا في الأوساط القانونية والسياسية الألمانية، حيث يمهّد هذا التصنيف الطريق أمام الادعاء العام الاتحادي لتفعيل المادة (129أ) من القانون الجنائي. ويتيح هذا التحول للأجهزة الأمنية صلاحيات رقابية استثنائية تشمل التنصت، وتعقّب التمويل، وتفكيك الشبكات المرتبطة بـ"مجموعة البركان"، ما يعني خروج المواجهة مع النشطاء الراديكاليين من دائرة جنح التخريب إلى نطاق الجنايات المهدِّدة لأمن الدولة، وهو ما يضع الحركات اليسارية تحت مجهر الرقابة اللصيقة.

وعلى الصعيد السياسي، عكس تصريح فيجنر استراتيجية حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة فريدريش ميرتس في استثمار الأزمة لإعادة صياغة أولويات الشارع الألماني؛ فمن خلال ربط اليسار المناهض للأحفوريات بالعنف والتهديد المباشر لحياة المواطنين، يسعى اليمين الوسطي إلى محاصرة حزب الخضر وحزب اليسار سياسيًا، ومطالبتهم بالتبرؤ الواضح من القواعد الراديكالية، مما يضع هذه الأحزاب في مأزق بين الحفاظ على هويتها الأيديولوجية وبين الدفاع عن استقرار البنية التحتية للدولة.

ويهدف هذا التصعيد اللفظي والقانوني إلى خلق درع سياسي يبرر تشديد القوانين المتعلقة بالتظاهر والنشاط البيئي في المرحلة المقبلة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن حادثة ليشتيرفيلده ستكون الركيزة الأساسية في خطاب المحافظين لتصوير أنفسهم كحماة الأمن القومي الطاقي في مواجهة ما يصفونه بـ"الفوضى الأيديولوجية اليسارية"، مما ينذر بانقسام حاد في المجتمع الألماني حول كلفة التحول الأخضر ومستقبل التماسك الاجتماعي.
من الجيش الأحمر إلى مجموعة البركان
يعيد الهجوم الأخير على محطة "ليشتيرفيلده" إلى الأذهان إرثًا طويلًا من الراديكالية اليسارية التي طالما أرقت الدولة الألمانية منذ سبعينيات القرن الماضي؛ فبينما كانت جماعة الجيش الأحمر تستهدف رموز السلطة والشخصيات السياسية عبر الاغتيالات، يتبنى الجيل الجديد من "الفوضويين البيئيين" استراتيجية "تخريب الأشياء بدلًا من تصفية الأشخاص".
وتُعد "مجموعة البركان" الوريث الأيديولوجي لهذا التيار، حيث انتقلت من حرق السيارات الفارهة في شوارع برلين إلى استهداف الشرايين الحيوية للاقتصاد القومي، تحت ذريعة "العدالة المناخية"ومناهضة الرأسمالية.
وتشير السوابق التاريخية لهذه المجموعات إلى نمط متصاعد من تخريب البنية التحتية؛ فمنذ عام 2011 نفّذت مجموعات يسارية سرية هجمات متكررة على كابلات الألياف البصرية للسكك الحديدية ومنشآت الاتصالات، وصولًا إلى الهجوم الشهير على مصنع "تسلا". هذا التحول يعكس عقيدة قتالية جديدة ترى في البنية التحتية للطاقة الهدف الرخو الذي يمكن من خلاله إحداث أكبر قدر من الضجيج السياسي والضغط الاقتصادي، مع تجنّب الصدام المباشر الذي قد يؤدي إلى خسائر بشرية تضعف موقفهم الأخلاقي أمام قواعدهم الشبابية.

تكمن خطورة هذا التحول في "اللامركزية" التي تتبعها هذه المجموعات؛ فهي لا تملك هيكلًا قياديًا واضحًا يمكن ضربه، بل تعتمد على خلايا مستقلة تتوحد خلف هدف واحد هو "تفكيك الصناعة الأحفورية". ومع تزايد الشعور باليأس المناخي لدى بعض التيارات الشبابية، يخشى مكتب حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) من أن تصبح حادثة برلين 2026 ملهمة لموجة جديدة من "الإرهاب البيئي"، حيث يتم استبدال النضال البرلماني بتكتيكات «الأرض المحروقة»، ما يضع الديمقراطية الألمانية أمام اختبار استقرار لم تشهده منذ عقود.
الحرب الهجينة
يكشف الهجوم الأخير عن تطور نوعي في قدرات المجموعات اليسارية المتطرفة على قراءة وفهم «خرائط الضعف» في البنية التحتية الذكية لألمانيا. فالمهاجمون لم يعودوا يختارون أهدافهم عشوائيًا، بل أثبتوا قدرة على تحديد نقاط الاختناق التي يؤدي تعطيلها إلى أقصى أثر تتابعي ممكن.
هذا التحول نحو التخريب الذكي يثير تساؤلات قلقة لدى الاستخبارات الألمانية حول احتمال وجود اختراقات سيبرانية أو تسريبات لخرائط الشبكات الكهربائية سمحت لـ"مجموعة البركان" بضرب العصب الحساس للعاصمة بدقة جراحية.

من ناحية أخرى، تضع هذه الحادثة استراتيجية "الرقمنة الخضراء" التي تتبناها ألمانيا في مهب الريح؛ إذ تعتمد خطط التحول الطاقي لعام 2026 بشكل كبير على الشبكات الذكية المرتبطة بالإنترنت. هذا الهجوم المادي كان يهدف في جوهره إلى إثبات أن التحول الرقمي للطاقة هو نقطة ضعف استراتيجية وليس قوة فقط، حيث يمكن لمجموعات صغيرة بإمكانات محدودة أن تشلّ مدينة ذكية بالكامل، مما قد يجبر الحكومة على إنفاق مليارات اليورو لتعزيز الأمن المادي والسيبراني لمحطات التوزيع، وهي تكلفة إضافية ستثقل كاهل دافعي الضرائب.
ختامًا:
تضع حادثة "ليشتيرفيلده" الدولة الألمانية أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبينما تحاول السلطات كبح جماح "إرهاب المناخ" بتدابير أمنية وقانونية مشددة، تظل المعضلة الحقيقية في الفجوة المتسعة بين الطموحات البيئية والأمن الاجتماعي، مما ينذر بتحول صراع الطاقة من أروقة السياسة إلى مواجهة مفتوحة في الشوارع تهدد استقرار النموذج الألماني، وتجعل من "التحول الأخضر" ساحة لمعركة سيادية لا تكتفي بتغيير مصادر الطاقة، بل تعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها في مواجهة الراديكالية المتصاعدة.

وفي نهاية المطاف، يفتح هذا التخريب التكنولوجي بابًا جديدًا من المواجهة القانونية حول خصوصية الناشطين؛ فالدولة الألمانية بدأت بالفعل في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الجماعية في الأماكن العامة لتعقّب الجناة. هذا المسار قد يؤدي إلى صدام حقوقي واسع، حيث يرى المدافعون عن الحريات المدنية أن الرد الأمني على "إرهاب المناخ" قد يتحول إلى ذريعة لإنشاء "دولة مراقب" شاملة، وهو ما قد يكون، للمفارقة، أحد الأهداف غير المعلنة للمجموعات الراديكالية لاستدراج الدولة نحو مربع القمع وفقدان الشرعية الديمقراطية.



