رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جيل "زد" واستراتيجية الإخوان: من الانتماء التنظيمي إلى التيار الفكري

شباب جماعة الإخوان
شباب جماعة الإخوان - أرشيفية

لم يكن جيل "زد" في حسابات جماعة "الإخوان" مجرد شريحة عمرية جديدة يمكن استقطابها بالوسائل التقليدية، بل مثّل تحديًا وجوديًا لتنظيم أُسِّس على الطاعة الهرمية والانضباط العقائدي الصارم. فهذا الجيل، المولود بين أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، تشكّل وعيه في بيئة رقمية مفتوحة، ويعاني من نفور عميق من سيطرة الأيديولوجيات الدينية.

ورغم ذلك، نجحت الجماعة – نسبيًا – في اختراق قطاعات من هذا الجيل، ليس عبر استنساخ أدواتها القديمة، بل من خلال إعادة هندسة خطابها وأدواتها ووظائفها التنظيمية.

أدركت جماعة الإخوان، خصوصًا بعد عام 2013، أن النموذج التنظيمي الكلاسيكي القائم على "الأسرة"،   و"الشعبة"، و"المنطقة"،  لم يعد صالحًا لجيل يرفض الانتماء الصريح ويُفضّل الهويات السائلة،ومن ثم انتقلت الجماعة تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته بـ"التنظيم الانسيابي"، حيث لا توجد عضوية واضحة، ولا بيعة، ولا التزام تنظيمي معلن، في إطار الانتقال من "الهيكل التنظيمي" إلى "التيار الفكري" العام.

شباب جماعة الإخوان - أرشيفية
شباب جماعة الإخوان - أرشيفية

التيار الفكري

تُعد "وثيقة لندن"، التي أُقرّت في مايو 2021، المحرّك الأساسي لتمرير استراتيجية الانتقال من خانة "الهيكل التنظيمي" التي وضعها حسن البنا إلى ساحة "التيار الفكري" الجارف، والتخلص نهائيًا من عبء التنظيم الذي يُعد حائلًا أمام التماهي مع قضايا المجتمع وإشكالياته، من دون بناء جدار تنظيمي عازل، على غرار التيارات السلفية التي تتحرك بحرية تامة من دون خسائر بشرية أو مادية.

ومن ضمن أولويات استراتيجية التنظيم الدولي الجديدة، تطبيق سياسة الاكتفاء والانكفاء التنظيمي، أو ما تُعرف بـ"سياسة غلق التنظيم"، وعدم التفكير مطلقًا في التوسع في ضم نماذج بشرية جديدة، في ظل مرور الجماعة بحالة من تجفيف منابع الاستقطاب والتجنيد إجباريًا، والإبقاء على بقايا التنظيم تحت مسمى "جمع الشمل"، تفاديًا لحالة الانهزامية السياسية التي تحاصر قياداتها وقواعدها الشبابية، فضلًا عن حالة التفكك والتفلّت التي انتابت كيانها الداخلي.

شباب الإخوان - أرشيفية 
شباب الإخوان - أرشيفية 

الجماعة، فعليًا، استعانت من قبل بـ"بيوت خبرة دولية" في تسويق مشروعها وتحسين صورتها إعلاميًا، من أجل السيطرة على الأجيال الجديدة، وفي مقدمتهم "جيل زد"، المحرّك الرئيسي للمشهد، مستعينة بدراسات المتخصصين من رجالها، أمثال الدكتور هشام الطالب، الذي وُلد في العراق عام 1940، وحصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة عام 1962، وحصل على الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة بردو في إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1974.

شغل هشام الطالب عدة مناصب في مختلف المنظمات الإسلامية التابعة للتنظيم الدولي، من أهمها مسؤوليته عن قسم التدريب القيادي في رابطة الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا بين عامي (1975–1977)، وأمينًا عامًا للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية عام 1976، وقد أشرف على العديد من الدورات التدريبية والقيادية وعمليات التأهيل الفكري في أمريكا الشمالية وخارجها.

كما تولّى هشام الطالب الإشراف على قطاعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام 1981 في واشنطن، والذي يُعد أحد مؤسسيه، وهو أيضًا عضو مؤسس لمؤسسة "سار" الخيرية خلال الفترة (1983–1995). وكان المعهد العالمي للفكر الإسلامي ضمن 29 كيانًا ورد ذكرها في الوثيقة الإخوانية المسربة والمعنونة بـ"وثيقة تفسيرية للهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أمريكا الشمالية"، التي تداولتها الصحف والمواقع العالمية عام 2003.

كتاب "التقرير"

وقد وضع هشام الطالب أحد أهم برامج التدريب والتأهيل الإداري لجماعة الإخوان، تحت عنوان "دليل التدريب القيادي"، والذي عُرف حينها بمسمى كتاب "التقرير"، موضحًا في مقدمة مشروعه الفكري والإداري أن أهداف البرنامج الأولية ترتكز على إنتاج جيل من رواد التغيير الاجتماعي النشطين والمؤثرين، بناءً على آليات ووسائل متطورة.

شباب الإخوان - أرشيفية 
شباب الإخوان - أرشيفية 

وحول عملية التطوير والتدريب الإداري، صاغ هشام الطالب عددًا من المفاهيم المرتبطة بعملية القيادة المؤثرة داخل الجماعة، مثل طريقة "صناعة القرار"، ومراحل عملية انتقاء القيادات المؤثرة، والبرنامج في مجمله يستهدف إعداد قيادات مؤهلة لإدارة المشاريع الفكرية والتنظيمية للجماعة.

إن تركيز قيادات الجماعة على الاستقطاب الفكري لجيل "زد"، من خلال برامج وفنون التنمية البشرية والتطوير الإداري، يدفع إلى تغيير الاستراتيجية الحاكمة للجماعة خلال المرحلة الراهنة، في ظل مرورها بحالة من الانحصار السياسي والفكري والاجتماعي، لضمان بقائها واستمراريتها في عمق المنطقة العربية، لا سيما أنها تعتمد على خطط ليست قصيرة أو مرحلية فقط، بل طويلة النفس والأمد، ومنصبة على تفادي أخطائها المعاصرة.

إلى جانب ذلك، وضعت قيادات إخوانية وثيقة لاختراق المنظومة الطلابية عن بُعد، باعتبار أنهم يمثلون الشريحة الأكثر تأثيرًا والأسهل استقطابًا وصقلًا بأدبياتها الفكرية، وذلك بالاستعانة بما يُعرف بوثيقة «دليل العمل الطلابي»، التي صاغها مصطفى الطحان، وطُبعت ضمن مطبوعات دار الوفاء للطباعة والنشر تحت مسمى اتحاد المنظمات الطلابية الدولية، والتي تُعد بمثابة وثيقة ودليل عملي لاستقطاب الشريحة الطلابية على المستويين الإقليمي والدولي.

شباب الإخوان - أرشيفية 
شباب الإخوان - أرشيفية 

الخريطة التدريبية

وأشارت الوثيقة الإخوانية إلى أن الحركة الإسلامية تعاني من خلل في التركيب وضعف في تمثيل طبقات المجتمع، حتى أصبح يُطلق عليها "جماعة الصفوة"، وهو ما يجعل لزامًا عليها اقتحام هذا القطاع المهم من الأجيال الشبابية الجديدة، الذي سيزوّدها بعناصر فعّالة من مختلف قطاعات المجتمع ومستوياته الاجتماعية.

وتحت بند "الخريطة التدريبية"، ركزت الوثيقة على الاحتياجات التأهيلية للطلاب التابعين والمحسوبين على الجماعة في استقطاب العناصر الجديدة، مثل تنمية القدرات الشخصية، وتنمية القدرات التربوية والفكرية عبر دورة التواصل الفردي، ودورة التواصل الاجتماعي مع الآخرين.

 تخلي "الإخوان" عن الحالة التنظيمية، والانتقال إلى حالة "السيولة الفكرية" أو ما يُعرف بـ"التيار الفكري" الجارف، ليس بالأمر الهيّن، إذ إنها اعتمدت طوال تاريخها على فكرة الاستقطاب والتجنيد التنظيمي، وإدارة الجماعة وفقًا لضوابط هرمية، تمكّنها من التحكم المطلق في العلاقة الانسجامية بين قياداتها وقواعدها العامة.

القوة الناعمة

ويرجع انتقال المكوّن التنظيمي إلى ساحة التيار الفكري إلى بعض الأصوات التي تنادي بضرورة الانفتاح على المجتمعات مع إسقاط الجدار التنظيمي، وصياغة خطاب ينتقل من المحلية إلى العالمية، من خلال تأسيس كيانات تنفذ مسارات "القوة الناعمة"، التي تقوم بتغذية الرأي الجمعي للمجتمعات العربية ومخاطبته، وفقًا للأدبيات والأطروحات الإخوانية، دون الدعوة إلى الانتماء أو الاصطفاف التنظيمي.

شباب الإخوان - أرشيفية 
شباب الإخوان - أرشيفية 

وتتمثل أهم محطات هذه الاستراتيجية في بناء المؤسسات الثقافية والأكاديميات الفكرية، وصناعة كوادر نخبوية تحمل توجهات الإسلام الليبرالي، بهدف السيطرة على الشريحة العمرية الجديدة التي تتم مغازلة أفكارها ورؤيتها "عن بُعد"، من خلال كُتّاب الروايات الخيالية والأدبية، وبرامج التنمية البشرية، التي تنشر إرهاصات المحتوى الفكري الأصولي.

غلق الهيكل التنظيمي

وترى الاستراتيجية الجديدة للتنظيم الدولي أن المشروع الأصولي عليه أن يُعدّل من آلياته ووسائله المتبعة في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وفقًا للأهداف الجديدة، وعدم التركيز على الوسائل التقليدية في تنفيذ سيناريوهات "أسلمة المجتمعات"، إذ لم تعد هناك حاجة إلى مزاحمة النظام السياسي الحاكم في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها، لا سيما في ظل انفتاح الساحة أمامها لاحتلال الفضاء الأزرق بمختلف تنوعاته (وسائل التواصل الاجتماعي).

إن التحول من التنظيم الهرمي إلى التيار الفكري لم يكن طرحًا جديدًا، لكنه دار في خلد قيادات "إخوان القاهرة" عقب سقوط نظام الرئيس مبارك، في محاولة لتطبيق سيناريو الإخوان في قطر، وتفعيل قرار حل التنظيم نهائيًا، على اعتبار أن هوية الدولة المصرية تسير في طريق التماهي مع هوية المشروع الإخواني، وتحويل مؤسسات الدولة إلى كيانات تابعة للجماعة تبعية غير مباشرة. ومن ثم، اتُخذت مجموعة من القرارات حينها، من أهمها تطبيق سيناريو "غلق الهيكل التنظيمي" لمدة خمس سنوات، وفتح الباب أمام عضوية حزب "الحرية والعدالة"، وتفعيل مشروع "إخوان ما قبل التمكين"، الذي يمنح العناصر الأصلية الكثير من الحقوق والمكاسب، في مقابل "إخوان ما بعد التمكين".

التيار البديل

التخلص من العبء التنظيمي، والتماهي المجتمعي، والاكتفاء بالكتلة الحرجة لجماعة "الإخوان"، ليس طرحًا جديدًا في ذاته، لكنه قُدّم من قبل إلى المرشد السابع لجماعة "الإخوان" محمد مهدي عاكف في صيف عام 2005، فيما عُرف بوثيقة "التيار البديل"، التي صاغ بنودها مجموعة من قيادات الصف الثاني في الهيكل التنظيمي، يعود موطنهم إلى محافظة أسيوط (جنوب مصر). وقد تناولت الوثيقة عملية التحولات الحركية والفكرية والتنظيمية لجماعة «الإخوان» في إطار نقدي، وتمت مناقشتها على مائدة مكتب الإرشاد، وانتهت حينها بالرفض التام.

خرجت وثيقة "التيار البديل" – التي طُبعت في كتاب بتوقيع الدكتور علي عبد الحفيظ – بمجموعة من الأطر المنهجية التي من شأنها هدم الثوابت الفكرية لجماعة "الإخوان"، ولجماعات الإسلام السياسي عمومًا، مثل ضرورة «حل التنظيم»، والتراجع عن وهم مشروعية «دولة الخلافة» التي وضعتها الجماعة كركن سادس من أركان الإسلام، ورفض "قداسة القيادات"، وعلى رأسها حسن البنا.

ولم يتردد القائمون على وثيقة "التيار البديل" في فضح العقلية المهيمنة على الداخل التنظيمي لجماعة "الإخوان"، باعتبارها عقلية "النظام الخاص"، الذي نشأ رجالاته وسط السلاح والاغتيالات، واستباحة الدماء لمجرد الاختلاف في وجهات النظر والرأي، معتبرين أن مخالفتهم في التوجه لا تجوز شرعًا، في توحّد وتماهٍ مع الثوابت الشرعية، ومن ثم لا يقبلون أي فكرة إصلاحية تتنافى مع رؤيتهم العقيمة.

وتضمنت وثيقة "التيار البديل" نقاطًا رئيسية عدة، جاءت بمثابة رسائل نقدية للأطر الفكرية والحركية للكيان التنظيمي، أولها ضرورة توقف جماعة "الإخوان" عن دعوى تمثيل "الهوية"، وتقسيم المصريين إلى "إخوان مسلمين" و"إخوان غير مسلمين"، إذ إن مشاريع الإصلاح لا تقوم بطبيعتها على أساس التفرقة الوطنية.

وثيقة التيار البديل 
وثيقة التيار البديل 

ولا شك أن صائغي وثيقة "التيار البديل" أصبحوا خارج الإطار التنظيمي، وتم إقصاؤهم تمامًا من المشهد "الإخواني"، في ظل جرأتهم على انتقاد الجماعة وقياداتها ومؤسسيها وإطارها الفكري والحركي، تخوفًا من استمالة الآخرين إلى طريقهم وإقناعهم بكونهم "تيارًا بديلًا" قادرًا على تصحيح المسار التنظيمي للجماعة، والانتقال بها إلى الساحة المجتمعية المنفتحة من دون التقيد بالأطر المنهجية التي وضعها حسن البنا وسيد قطب، ووقف مشروع التغلغل في أركان الدولة المصرية ومؤسساتها، تحت مزاعم بناء الدولة الموازية التي تمهّد لقيام دولة الخلافة.

استهداف جماعة الإخوان لجيل "زد" يعكس إدراكها العميق للتحولات الاجتماعية والفكرية في المنطقة العربية، ومحاولتها التكيف مع بيئة رقمية وعقلية جديدة لا تتقبل الهياكل التقليدية الصارمة. من خلال الانتقال من التنظيم الهرمي إلى التيار الفكري، واعتماد استراتيجيات "السيولة الفكرية" والقوة الناعمة، تسعى الجماعة إلى السيطرة على وعي الشباب وتأطير أفكارهم بعيدًا عن الانتماء المباشر، مستغلة وسائل الإعلام، والفضاء الرقمي، وبرامج التنمية البشرية والثقافة الأكاديمية.

هذا التحول الاستراتيجي يعكس أيضًا إدراك الجماعة لحاجة مشروعها الأصولي إلى البقاء طويل المدى، عبر التكيف مع الواقع المجتمعي والسياسي الجديد، مع الاستمرار في تمرير أهدافها الفكرية من خلال أدوات مرنة وغير تقليدية، ما يجعل تأثيرها على جيل "زد" أكثر ديمومة وغموضًا، ويؤكد على أن معركة الأفكار لدى الشباب لن تكون بسيطة أو قصيرة الأمد، بل تحتاج إلى فهم معمق لأساليب التحولات التنظيمية والفكرية المعاصرة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء