تفجير "المساجد" بين عقيدة "داعش" وأدبيات سيد قطب
نفذت عناصر إرهابية تفجيرًا لمسجد الإمام "على بن أبى طالب"، في حي وادي الذهب بحمص وسط سوريا، أثناء أداء المصلين لصلاة الجمعة، عن طريق زوع عبوات ناسفة داخل المسجد، ما أسفر عن مقتل8 أشخاص، وإصابة 18 آخرين.
العملية الإجرامية تحمل في ذاتها بصمات تنظيم "داعش" في ظل اعتماده على استهداف المساجد اثناء، صلاة الجمعة بشكل عملياتي، لا سيما أن عقيدة "داعش" تعتبر أن المساجد الحالية للمسلمين تمثل مساجد ضرار، فضلًا عن تكفيرها لعامة المسلمين، وفق لتفسيرات "أبو محمد المقدسي" أبرز منظري السلفية الجهادية، التي سطرها في كتابه "مساجد الضرار"، بجانب التفسيرات التي طرحها سيد قطب من قبل حول اعتبار مساجد المسلمين الحالية "معابد لجاهلية"، في كتابة "معالم في الطريق".
مسجد الإمام "على بن أبى طالب"، في حي وادي الذهب، يتبع "الطائفة العلوية" في حمص، ما يعني أن التنظيم يستهدف ضرب الداخل السوري، من خلال تصعيد الفتنة الطائفية، كما أن العملية ليست لها أبعاد أو ارتباط بقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، مثلما أدعى الكثير من المحللين السوريين، خاصة أن "الأكراد" أكثر من واجهوا داعش في الداخل السوري، ويقع تحت أيديهم عدد من السجون الممتلئ بعناصر التنظيم الداعشي.
التصعيد العملياتي لداعش في الداخل السوري، يأتي نتيجة مشاركة النظام السوري الجديد ضمن قوات التحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش في سوريا والعراق، فضلًا عن أن العمليات الأخيرة تكشف عن حالة الضعف والترهل في قوات الأمن الداخلية التي تتبع النظام السوري الجديدة، على المستوى المعلوماتي(الاستخباري) والعملياتي (التنفيذي والتحرك) كذلك، في ظل ضعف التدريب والتأهيل كمنظومة أمنية قادرة على ضبط الداخل السوري.
يضاف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا من قوات الأمن الداخلي غالبيتها تعتبر عناصر "مؤدلجة" فكريًا وحركيًا، ما يعني أنها تتعامل مع مؤسسات الدولة وفق "فقه المليشيات المسلحة" وليس وفق إطار الدولة. فضلًا عن ارتباط وميول عدد كبير منهم لتنظيمات أصولية مسلحة من بينها تنظيم داعش ذاته.
لا شك في أنه رغم انهيار تنظيم "داعش"، ككيان جغرافي، فإنه لا يزال يحتفظ بخلايا نشطة في سوريا والعراق، ما يعنى أنه بمقدوره استغلال الفراغ الأمني والعسكري والسياسي، في زعزعة الاستقرار الداخلي، بجانب محاولته تعزيز فرص الانقسامات الطائفية، كعامل لاستمراريته وبقائه.

تحريض محمد المقدسي
خلال الفترة الماضية أصدر أبو محمد المقدسي بيانا هاجم فيه أحمد الشرع، معتبرا أنه حانث لليمن وخائن للعهد، في ظل انحرافه عن مشروع "تطبيق الشريعة" التي نادى بها مرارًا في انتمائه الفكري والتنظيمي لكل من تنظيم "القاعدة" ثم "داعش"، انتهاء باستقلاله بـ"هيئة تحرير الشام".
يعد أبو محمد المقدسي، من أبرز منظري السلفية الجهادية، وقد أصدر من قبل كتابا حول مساجد المسلمين، مطلقًا عليها مصطلح "مساجد الضرار"، وتتغذى هذه التنظيمات التكفيرية على الطائفية، لضمان استمرار بقائه وتمدد وسط هذه الصراعات.
مرجعية سيد قطب
لم تكن عمليات تفجير المساجد التي انتهجها تنظيم "داعش" أو غيره من الجماعات الأصولية، ببعيدة عن الأفكار التي أرساها سيد قطب، والتي كانت داعمة ودافعة لكافة التنظيمات التكفيرية المسلحة.
واعتبر سيد قطب، في كتابه "في ظلال القرآن" صفحة (1816)، "أن مساجد المسلمين التي تقام فيها الصلاة ويرفع فيها الآذان هي معابد جاهلية، ولا بد من اعتزالها حيث قال: "اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور".
وتستند التنظيمات التكفيرية في الهجوم على المساجد، واقتحامها، وإباحة دماء من فيها من المسلمين، لتفسيرات سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن"، عند تفسير قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يونس (87).

يقول سيد قطب في تفسيرها: "هذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة، وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت وفسد الناس، وأنتنت البيئة، وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة، وهنا يرشدهم الله إلى أمور: أولاً اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها، ما أمكن ذلك، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. ثانياً: اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور".
وبإيحاء هذه العبارات اتخذت التنظيمات التكفيرية، قرارها، وجعلت بيوتهم قبلة لهم، مقاطعين المساجد والجوامع التي يؤمها سائر المسلمين.
ويعد سيد قطب هو المرجع الرئيسي لدى جميع الجماعات التكفيرية المعاصرة، ويستندون إلى كلامه في كتاب "معالم في الطريق" الذي يعد بمثابة دستور التكفيريين، والمرجع الرئيسي لهم في تكفير المجتمعات حيث ينظر إلى المجتمع المسلم الموجود الآن على أنه مجتمع جاهلي، كما نفى في المجلد الثالث من كتابه "في ظلال القرآن" صفحة (1634) وجود إسلام أو مسلمين، قائلا: "إن المسلمين الآن لا يجاهدون، وذلك لأن المسلمين اليوم لا يوجدون، إن قضية وجود الإسلام ووجود المسلمين هي التي تحتاج اليوم إلى علاج"، نافيًا وجود مسلمين في هذا الوقت، معتبرًا القضية الآن هي إيجاد مسلمين.

واستكمالًا لمنهج تكفير المجتمع الذي انتهجه سيد قطب، وصف المجتمع بالردة عن الإسلام، حيث قال في كتابه "في ظلال القرآن" المجلد الثاني صفحة (1057): "لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله دون أن يدرك مدلولها.. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء.. فالبشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: (لا إله إلا الله) بلا مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد "من بعد ما تبين لهم الهدى" ومن بعد أن كانوا في دين الله".
كما ذهب سيد قطب، إلى أن كل الموجودين الآن إنما هم قوم غير مسلمين حتى لو نطقت ألسنتهم بـ "لا إله إلا الله" فيقول: "حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولًا إلى اعتناق العقيدة، حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو (أولًا) إقرار عقيدة (لا إله إلا الله) بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله، فكل البشر الذين يعطون أنفسهم الحق في إصدار قوانين أو تشريعات، أو أي تنظيمات اجتماعية تعد خروجاً من الحاكمية الإلهية إلى الحاكمية البشرية، وأصبح عنده أن البشر محكومون بقوانين غير قوانين الله، سبحانه وتعالى، وبأنظمة لا ترضى عنها شريعة الله، ولم يأذن بها الله، وبالتالي هذا المجتمع مشرك وكافر ويعبد غير الله، لأن العبادة هي طاعة الله في حاكميته".

ويزيد سيد قطب، في تكفيره للمجتمع في كتابه "معالم في الطريق" صفحة (6): "وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع من قرون كثيرة، ولا بد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى، لا بد من بعث لتلك الأمة التي واراها ركام الأجيال وركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة التي لا صلة لها بالإسلام".
وهنا ينكر سيد قطب، حقيقة وجود أمة الإسلام منذ قرون كثيرة، وأن كل من عاش على مدار القرون الماضية قد ماتوا على جاهلية.
ويذهب قطب سيد، في تكفيره إلى منحنى بعيد، فيقول في كتابه "معالم في الطريق"، صفحة (9): "إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية، هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر، وفى هذا ينفرد المنهج الإسلامي، فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي يعبد بعضهم بعضاً، وفي صفحة (11) يقول: "ونحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام، أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية".
ويعتبر هذا الكلام الأصل الذي تقوم عليه جميع الجماعات التكفيرية التي تستبيح دماء المسلمين ورجال الجيش والشرطة باعتبارهم غير مسلمين.
وقال سيد قطب: "إنه ليست على وجه الأرض دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي"، وذلك في كتابه "في ظلال القرآن"، الجزء الرابع .

واستمد قطب تكفيره للمجتمع من كتب معاصره أبي الأعلى المودودي، أحد أبرز قادة التيار الإسلامي في القرن الماضي، ومؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان والهند، والذي انحرف فكريا وتنبى المنهجية التكفيرية، وأصبح مرجعًا للكثير من جماعات التكفير.
ونشر تنظيم "داعش"، في إحدى إصدارات، عدة مقالات تؤكد سير التنظيم على خطى سيد قطب، تحت عنوان "انتصارات الدولة الإسلامية.. معالم في الطريق"، وقال أيمن الظواهري، في كتابه "الوصية الأخيرة"، عن سيد قطب: "إنه أكد مدى أهمية قضية التوحيد في الإسلام وأن المعركة بين الإسلام وأعدائه هي في الأصل معركة عقائدية حول قضية التوحيد، أو حول من يكون الحكم والسلطان.



