رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما بعد اليونيفيل: الجيش اللبناني في مواجهة الفراغ الأمني والبديل الأوروبي

قوات اليونيفيل في
قوات اليونيفيل في لبنان- أرشيفية

يستعد جنوب لبنان لمنعطف استراتيجي هو الأبرز منذ عقود، مع بروز ملامح خطة للانسحاب التدريجي لقوات "اليونيفيل" تنتهي بحلول عام 2027. وفي هذا السياق، جاء ترحيب الرئيس اللبناني، العماد جوزيف عون، بمشاركة إيطالية وأوروبية محتملة في أي قوة بديلة، ليعلن عمليًا عن بدء العدّ التنازلي لطي صفحة اليونيفيل.

هذا التحول، الذي تم الكشف عنه خلال لقاء مع وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو، يشير إلى أن تمديد ولاية القوة الدولية حتى نهاية 2026 قد يكون الأخير بصيغته الحالية، ما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تضع منطقة جنوب الليطاني تحت مجهر التعاون الثنائي المباشر بين بيروت والعواصم الأوروبية.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

يعكس هذا التوجه رغبة دولية في الانتقال من "الأمن بالوكالة" عبر مظلة الأمم المتحدة المثقلة بالتجاذبات السياسية في مجلس الأمن، إلى نموذج "الأمن المشترك" الذي تقوده دول وازنة مثل إيطاليا لضمان استقرار الحدود، ويبدو أن لبنان، عبر مؤسسته العسكرية، يراهن على هذه الشراكات الأوروبية لتعزيز شرعية وجود الدولة في الجنوب وتجاوز حالة الجمود التي طبعت تطبيق القرار 1701.

تصفية "اليونيفيل" والانتقال لنموذج القوى الصديقة

لم يعد الحديث عن انسحاب "اليونيفيل" مجرد تكهنات، بل تحول إلى خطة عمل تنفيذية بدأت ملامحها تظهر في أروقة الأمم المتحدة عام 2025، إذ تقضي الخطة بخفض تدريجي بنسبة 25% سنويًا من القوام البشري والآليات، مع البدء بتفكيك "القواعد المتقدمة" القريبة من الخط الأزرق. جاء هذا القرار نتيجة قناعة دولية بأن الصيغة التي أُقرت عام 1978 وتطورت في 2006 لم تعد تتماشى مع التطورات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، حيث باتت أبراج المراقبة التقليدية أقل فاعلية أمام الطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

على المستوى الإجرائي، بدأت "اليونيفيل" في تسليم بنك معلوماتها الطوبوغرافي والميداني للجيش اللبناني، وهو ما يُعرف بـ"نقل المسؤولية الميدانية"، ولا يشمل هذا التسليم فقط المواقع، بل يشمل أيضًا أنظمة الرصد الراداري والحساسات الأرضية التي كانت تديرها الكتيبتان الفرنسية والإيطالية.

لكن التحدي يكمن في كيفية إدارة هذه المنظومات المعقدة من قبل الجيش اللبناني في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بميزانيته التشغيلية، ما يجعل التمويل الدولي هو الركيزة الأساسية لهذا الانسحاب المنظم.

استراتيجيًا، يهدف المجتمع الدولي من هذا الانسحاب إلى إزالة الغطاء الأممي الذي كان يوفر حماية معنوية لجميع الأطراف تحت مسمى "الحياد الدولي"، لكن الانتقال إلى نموذج "القوى الصديقة" يعني أن الدول الأوروبية ستكون حرة في توقيع اتفاقيات دفاعية ثنائية مع لبنان، ما يحررها من قيود ميثاق الأمم المتحدة ويسمح لها باتخاذ مواقف أكثر حزمًا أو مرونة في حال نشوب نزاع، وهو ما يغير معادلة قواعد الاشتباك من مراقبة الانتهاكات إلى منعها بشكل استباقي.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

الجيش اللبناني كعمود فقري للسيادة الجديدة

يقف الجيش اللبناني أمام مهمة تاريخية تتطلب نشر ما لا يقل عن 15 ألف جندي إضافي في منطقة جنوب الليطاني لملء الفراغ الذي ستتركه 40 جنسية مختلفة من "اليونيفيل"، فيما يدرك العماد جوزيف عون، أن هذا الانتشار يحتاج إلى شبكة أمان مالية تتجاوز الرواتب، لتشمل صيانة الآليات المدرعة، وتوفير الوقود، وإنشاء غرف عمليات مرتبطة بالأقمار الصناعية. ويهدف الترحيب بالدول الأوروبية بالأساس إلى تأمين صندوق دعم عسكري مستدام يضمن بقاء الجندي اللبناني في موقعه دون ضغوط معيشية.

ولن تقتصر مهام الجيش على حماية الحدود، بل ستشمل تأمين العمق ومنع ظهور أي مظاهر مسلحة غير شرعية، وهو لبّ القرار 1701. وتتضمن الخطة إنشاء أفواج حدود برية متخصصة، مزودة بتقنيات مراقبة حرارية وفرتها مؤخرًا كل من ألمانيا وبريطانيا.

ويتطلب الانتقال من دور المؤازر لـ"اليونيفيل" إلى دور القائد الميداني من الجيش إدارة العلاقة مع المجتمعات المحلية في الجنوب، وضمان عدم حدوث احتكاكات ميدانية تؤدي إلى تصعيد غير محسوب مع الجانب الإسرائيلي.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

أما من الناحية السياسية، فإن نجاح الجيش في هذه المهمة سيعزز من مكانته كمؤسسة وحيدة عابرة للطوائف وقادرة على حماية السيادة، وسيعطي هذا النجاح لبنان ورقة قوة في المفاوضات الحدودية البرية، حيث سيظهر بمظهر الدولة القادرة على ضبط أمنها بنفسها، ما يسحب الذرائع الدولية التي تطالب بوصاية أمنية دائمة.

"القيادة الإيطالية" والتحالف الأوروبي الجديد

لا تتحرك إيطاليا في لبنان من فراغ، بل من منطلق كونها تاريخيًا أكبر مساهم في "اليونيفيل" وقائد القطاع الغربي، إذ طرح وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو مبادرة "روما 2025" التي تهدف إلى تحويل الكتيبة الإيطالية إلى بعثة تدريبية. وتسعى إيطاليا لأن تكون الوسيط المقبول من الجميع، مستغلة علاقاتها الاقتصادية القوية مع لبنان وموقعها الجغرافي كبوابة لأوروبا على المتوسط.

تجذب المبادرة الإيطالية دولًا مثل فرنسا وإسبانيا وبولندا، التي تمتلك مصالح استراتيجية في استقرار شرق المتوسط؛ والفكرة هي إنشاء قوة عمل مشتركة تعمل تحت مظلة "الاتحاد الأوروبي" أو بصيغة تآلف دولي شبيه بالتحالفات الدولية ضد الإرهاب.

هذا التشكيل سيوفر للبنان خبرات عسكرية متطورة في مجال الألغام، والاتصالات، والمراقبة البحرية، ما يجعل الحدود اللبنانية جزءًا من الأمن القومي الأوروبي بشكل مباشر، حيث ترى روما أن كلفة إبقاء قوة عسكرية صغيرة وفعالة في جنوب لبنان أقل بكثير من كلفة الفوضى التي قد تؤدي إلى موجات هجرة غير شرعية نحو السواحل الإيطالية.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

لذا، فإن "الدبلوماسية الإيطالية" تعمل على إقناع واشنطن بأن هذا البديل الأوروبي هو الضمانة الأكيدة لمنع تمدد نفوذ قوى إقليمية أخرى في الجنوب، ما يجعل الوجود الإيطالي "حاجة استراتيجية" وليس مجرد رغبة في الوجاهة الدولية.

تحديات "قواعد الاشتباك" والتوازنات الميدانية

يظل التحدي الأكبر الذي يواجه القوات الأوروبية الصديقة هو كيفية التعامل مع البيئة الحاضنة وسلاح حزب الله في الجنوب، خاصة أن "اليونيفيل" كانت تعتمد على "التنسيق المسبق" والبروتوكولات الأممية لتفادي الصدام، لكن القوات الأوروبية الجديدة ستحتاج إلى اتفاقيات تحت الطاولة أو ضمانات سياسية عليا لضمان عدم تعرض دورياتها للمنع أو التحرش الميداني. وأي خلل في هذا التوازن قد يحول القوة الصديقة إلى طرف في الصراع في نظر السكان المحليين.

من جهة أخرى، تنظر إسرائيل إلى هذا التحول بحذر؛ فهي تخشى أن تكون القوات الأوروبية أقل حزمًا من الأمم المتحدة في الإبلاغ عن الانتهاكات، أو أن تكون رهينة للاعتبارات السياسية لدولها، حيث تضغط إسرائيل للحصول على ضمانات تقنية تتيح لها مراقبة ما يحدث خلف الحدود، وهو ما قد يتعارض مع السيادة اللبنانية التي يحاول الجيش فرضها.

قوات اليونيفيل في لبنان
قوات اليونيفيل في لبنان

وفي حال فشلت العملية التفاوضية التي أشار إليها العماد عون، فإن هذه القوات الأوروبية قد تجد نفسها وسط حرب استنزاف أو مناوشات حدودية دون غطاء دولي يحميها؛ لذلك لا يعتمد استقرار الجنوب بعد 2027 فقط على هوية القوات المنتشرة، بل على الإرادة السياسية للقوى الكبرى في تثبيت الحدود النهائية، ما يجعل الوجود العسكري الأوروبي مجرد "مرحلة انتقالية" نحو سلام دائم أو تهدئة مديدة.

في المحصلة، يمثل التحول من مظلة "اليونيفيل" الأممية إلى نموذج الشراكات الأوروبية بقيادة إيطالية أكثر من مجرد إجراء إداري أو لوجستي؛ إنه إعادة رسم لخارطة النفوذ والاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء