رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الانتصار بالوكالة: تحولات خطاب داعش من التبني إلى الإشادة

تنظيم داعش - أرشيفية
تنظيم داعش - أرشيفية

أعاد حادث مدينة سيدني، الذي استهدف تجمعًا يهوديًا في ديسمبر 2025، تسليط الضوء على قدرة الأفكار المتطرفة على تجاوز الحدود الجغرافية. وبينما كانت السلطات الأسترالية تنقب في الدوافع خلف تحرك المنفذين (الأب وابنه)، برز تعليق تنظيم "داعش" عبر مجلته الرسمية "النبأ" كأداة استراتيجية لركوب موجة الحدث، محاولًا استثمار الجريمة لصالحه دون إعلان مسؤولية عملياتية مباشرة.

وجاء نص "النبأ" الداعشية، ليعكس حالة من "التبني المعنوي" والانتصار بالوكالة، حيث أقر التنظيم بصعوبة المواجهة المباشرة مع اليهود في الوقت الراهن، لكنه بارك محاولات من وصفهم بالجنود والأنصار في استهداف المصالح الغربية واليهودية "في كل مكان".

هذا الخطاب لم يكن مجرد تعليق عابر، بل مثّل وثيقة سياسية تثبت تحول التنظيم من قيادة المعارك ميدانيًا إلى إدارة السرديات الإعلامية، مستغلًا حوادث "الذئاب المنفردة" ليؤكد بقاء أيديولوجيته عابرة للحدود وقادرة على الضرب في العمق الغربي.

عملية سيدني
عملية سيدني

سيكولوجية "التبني المعنوي"

لجوء تنظيم "داعش" إلى صيغة "الإشادة" بحدث سيدني بدلًا من التبني الرسمي يمثل ذروة التحول نحو ما يُعرف بالتبني المعنوي. فمع تراجع قدرة التنظيم على إدارة عمليات مركزية كبرى من معاقله التقليدية نتيجة الضغوط العسكرية الدولية، بات يعتمد استراتيجية تأميم الجهد الفردي؛ حيث يسارع لاحتواء أي عمل إرهابي يتقاطع مع أهدافه وتصويره كجزء من استراتيجيته الكلية، مما يمنحه حضورًا ذهنيًا عالميًا يفوق حجمه الواقعي على الأرض.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تعكس لغة مجلة "النبأ" توظيفًا لما يمكن تسميته فقه الضرورة الإعلامي؛ حيث يقر التنظيم ضمنيًا بعجزه عن المواجهة المباشرة، لكنه يعوض ذلك العجز بالاحتفاء بـ"الانتصارات بالوكالة" التي يحققها أنصاره. هذا النوع من الخطاب يحرر التنظيم من المسؤولية القانونية واللوجستية عن فشل أو نجاح العملية، وفي الوقت ذاته يمنحه فرصة لاستعراض القوة أمام قاعدته الشعبية، موحيًا بأن "الخلافة المتخيلة" ما زالت قادرة على إدارة الدفة وتوجيه الصراع في أقصى بقاع الأرض.

منفذ هجوم سيدني
منفذ هجوم سيدني

ويهدف هذا الاستثمار الإعلامي إلى ترميم الروح المعنوية للأتباع عبر خلق سردية "البقاء والتمدد" الرقمي؛ فمن خلال تذويب الفوارق بين الفرد والتنظيم في ثنايا مباركة العملية، يبعث التنظيم رسالة مفادها أن الأيديولوجية باتت مستقلة عن الكيان المادي، وأن أي عمل عنيف يقوم به متعاطف في سيدني أو غيرها هو مجرد لبنة في مشروع التنظيم العام، وهو ما يسهم في إدامة حالة التهديد الأمني العالمي رغم الانكسارات العسكرية الميدانية التي واجهها التنظيم مؤخرًا.

الارتباط الآيديولوجي "عن بُعد"

تؤكد التقارير الاستخباراتية المحيطة بحادثة سيدني بروز نمط جديد من التهديد الإرهابي يتمثل في الارتباط الآيديولوجي العابر للقارات، حيث لم يعد التنفيذ يتطلب وجود خلايا تنظيمية أو قنوات اتصال مشفرة مع مركز القيادة. وبدلًا من ذلك، برز مفهوم "الحبل السري الرقمي" الذي يربط المنفذين بالمنظومة المتطرفة من خلال استهلاك المحتوى التحريضي لمجلة "النبأ" وإصدارات التنظيم المرئية، مما يحول الأفراد من مجرد متابعين إلى فاعلين ميدانيين يتبنون الأهداف دون الحاجة إلى توجيه مباشر.

تنظيم داعش - أرشيفية 
تنظيم داعش - أرشيفية 

وفي هذا السياق، كشفت التحقيقات في هجوم سيدني تلاشي الحاجة إلى معسكرات التدريب المادية واستبدالها بـ"التدريب الذاتي" عبر الإنترنت. هذا التحول يجعل من عملية التنبؤ بالأهداف أمرًا في غاية التعقيد، حيث يتحرك المنفذون ضمن بيئتهم المحلية كمواطنين عاديين حتى لحظة الصفر، مدفوعين ببيعة روحية غير معلنة، وهو ما يفسر اكتفاء التنظيم بالإشادة بجهود من سماهم "الأنصار" الذين استجابوا لنداءاته الافتراضية.

وتمثل إشادة "النبأ" بالهجوم اعترافًا ضمنيًا بنجاح استراتيجية الإرهاب المفتوح أو اللامركزية المطلقة، حيث يتحول الفكر المتطرف إلى "برمجية جاهزة للتنفيذ يمكن لأي فرد تحميلها وتطبيقها في محيطه الجغرافي".

هذا الارتباط الآيديولوجي "عن بُعد" يمنح التنظيم قدرة فائقة على الانتشار دون أعباء إدارية أو مالية، محولًا العالم بأسره إلى ساحة مواجهة محتملة، حيث لا تكمن الخطورة في التنظيم ككيان عسكري، بل في قدرته على تحويل العزلة الاجتماعية أو الغضب السياسي لدى الأفراد في الغرب إلى طاقة تدميرية موجهة.

استراتيجية "عولمة الهدف"

يندرج تركيز مجلة "النبأ" على الطبيعة الدينية والسياسية لهدف هجوم سيدني ضمن استراتيجية "اختطاف السردية"؛ حيث يحاول التنظيم استغلال التوترات الجيوسياسية الراهنة وحالة الاستقطاب العالمي لتقديم نفسه لاعبًا فاعلًا في قضايا تتجاوز حدوده الجغرافية.

يسعى التنظيم الإرهابي لركوب موجة الغضب العاطفي السائدة من خلال ربط الهجوم باستهداف المصالح اليهودية، محاولًا انتزاع "شرعية شعبية" لدى القواعد المتطرفة عبر تصوير عملياته كاستجابة مباشرة للتطورات في الشرق الأوسط، وهو توظيف سياسي يهدف إلى توسيع دائرة الصراع وجذب مجندين جدد تحت غطاء "الدفاع عن القضايا العادلة".

تنظيم داعش - أرشيفية 
تنظيم داعش - أرشيفية 

وبتحليل عبارة "في كل مكان" التي وردت في النص، نجد أنها تعكس رغبة التنظيم في "عولمة الهدف" ونزع الصفة المحلية عن الحوادث الفردية. هذه اللغة التصعيدية تهدف إلى إرباك صانع القرار في العواصم الغربية، عبر الإيحاء بأن أي صراع إقليمي في منطقة معينة سيتبعه بالضرورة انفجارات أمنية في عواصم بعيدة مثل سيدني أو باريس أو لندن.

لا يبحث التنظيم هنا عن نصر عسكري بقدر ما يبحث عن "تأثير الفراشة"؛ حيث يؤدي تحريض بسيط عبر الإنترنت إلى زعزعة أمن مجتمعات مستقرة، مستغلًا في ذلك التغطية الإعلامية الواسعة التي تحظى بها مثل هذه العمليات.

ختامًا:

 يمثل هذا الخطاب محاولة لترسيخ مفهوم "الجبهة العالمية المفتوحة"، حيث يتم تحويل الساحة الأسترالية إلى جزء من "السينما الجهادية" التي يروج لها التنظيم. فضلًا عن أن تعمد الإشارة إلى فشل المواجهة المباشرة مقابل نجاح "الأنصار" يهدف إلى خلق حالة من "الرعب النفسي" لدى المجتمعات المستهدفة، مفادها أن التهديد لم يعد قادمًا من الخارج عبر الحدود، بل هو كامن في الداخل ويتحرك وفق توقيتات يحددها المناخ السياسي العالمي، مما يضع أجهزة الاستخبارات أمام تحدٍ مستمر لملاحقة نوايا "متحورة" تتغذى على أحداث الساعة وصراعات الهوية العابرة للحدود.

تنظيم داعش - أرشيفية 
تنظيم داعش - أرشيفية 

يظهر جليًا أن استراتيجية "الإشادة" التي انتهجها تنظيم "داعش" حيال حادثة سيدني ليست مجرد تعليق عابر، بل هي أداة "بروباجندا" تهدف إلى صناعة "انتصار معنوي" يعوض انكساراته الميدانية. إن هذا التحول من التبني العملياتي المباشر إلى المباركة الآيديولوجية يعكس خطورة "الإرهاب اللامركزي"، حيث تتحول الأفكار إلى عتاد عابر للحدود يستهدف ضرب التماسك المجتمعي العالمي مستغلًا الأزمات الجيوسياسية الراهنة؛ مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مفادها أن مواجهة هذا النمط من "الانتصار بالوكالة" لا تتطلب يقظة أمنية فحسب، بل تستوجب استراتيجيات فكرية وقائية قادرة على تفكيك الحبال السرية الرقمية التي تغذي هذا النوع من الارتباط الآيديولوجي عن بُعد.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء