رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحول استراتيجي في المحيط الهادئ: غواصات سيول النووية تعيد رسم خريطة الردع

غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية
غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية

تتأهب كوريا الجنوبية لدخول نادي الكبار في أعماق البحار كعضو سابع عالميًا، وذلك عقب نيلها الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبناء أولى غواصاتها العاملة بالطاقة النووية. وتمثل هذه الخطوة، التي تم تأكيد ملامحها خلال القمة الأخيرة في سيول، تحولًا جذريًا في العقيدة العسكرية لسيول، حيث تسعى لتعزيز قدراتها في تتبع وتحييد التهديدات المتزايدة من غواصات كوريا الشمالية والصين بفعالية تفوق بكثير ما تقدمه الأساطيل التقليدية الحالية.

غواصات كوريا الجنوبية
غواصات كوريا الجنوبية

وفي إطار هذا التحالف العسكري المتجدد، من المتوقع أن يمتد المشروع ليشمل تعاونًا صناعيًا وتكنولوجيًا غير مسبوق، بما في ذلك استثمارات كورية ضخمة في ترسانات بناء السفن الأمريكية بمدينة فيلادلفيا. وبينما تشير التقديرات الفنية إلى أن دخول هذه الغواصات الخدمة قد يستغرق عقدًا من الزمن، فإن الانعكاسات الاستراتيجية بدأت بالظهور بالفعل؛ إذ ستسمح هذه القدرات المستقلة لسيول بـ"توزيع الأعباء" الدفاعية في شبه الجزيرة، مما يمنح البحرية الأمريكية مرونة أكبر لإعادة تمركز قطعها في مناطق التوتر الساخنة كبحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان.

الاقتصاد الدفاعي

تجاوزت موافقة ترامب الأبعاد الأمنية لتشكل صفقة اقتصادية ضخمة؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي أن الغواصات النووية الكورية الجنوبية سيتم بناؤها في أحواض بناء السفن في فيلادلفيا. هذا التوجه يتماشى مع سياسة "أمريكا أولًا"، حيث تهدف واشنطن لإحياء صناعة السفن الوطنية عبر استثمارات كورية جنوبية ضخمة تُقدّر بمليارات الدولارات، ما يخلق آلاف الوظائف في الداخل الأمريكي.

غواصات كوريا الجنوبية
غواصات كوريا الجنوبية

فيما يستعد المجمع الصناعي الكوري الجنوبي (بقيادة مجموعة "هانوها" التي استحوذت على حوض فيلادلفيا) لضخ استثمارات تصل إلى 150 مليار دولار كجزء من مبادرة تعاون صناعي شاملة. ولا يقتصر هذا التعاون على بناء الغواصات فحسب، بل يمتد لتطوير البنية التحتية البحرية الأمريكية، مما يجعل سيول "شريكًا جادًا" في تحديث الأسطول الأمريكي مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية الحساسة.

وبموجب هذا الاتفاق، ستكون كوريا الجنوبية أول دولة في العالم تستثمر بهذا الحجم في القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية مباشرة، ويضمن هذا "التحالف الصناعي" لترامب تحقيق مكاسب سياسية داخلية، بينما يضمن لسيول تجاوز العقبات التقنية والزمنية التي كانت ستواجهها لو قررت بناء هذه التكنولوجيا المعقدة بشكل منفرد تمامًا على أراضيها.

إعادة رسم موازين القوة في شرق آسيا

يثير هذا التحول مخاوف جدية من إطلاق سباق تسلح نووي تحت الماء في منطقة المحيط الهادئ؛ إذ وصفت بيونج يانج الاتفاق بأنه سيؤدي إلى "تأثير الدومينو" الذي سيزعزع استقرار المنطقة. وترى كوريا الشمالية أن امتلاك جارتها الجنوبية لغواصات نووية هو خطوة استباقية لتحييد قدراتها الصاروخية الباليستية التي تُطلق من الغواصات، مما قد يدفعها لتسريع وتيرة تجاربها النووية الخاصة.

غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 
غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 

أما الصين، فقد جاء رد فعلها الأولي "محسوبًا" مقارنة بغضبها السابق تجاه اتفاقية "أوكواس"، إذ تراقب بكين بدقة نوع الوقود النووي الذي ستستخدمه سيول؛ فبينما تعتمد الغواصات الأمريكية والبريطانية على اليورانيوم عالي التخصيب، قد تلجأ سيول لاستخدام مفاعلات الوحدات الصغيرة التي تعمل باليورانيوم منخفض التخصيب، وهو ما قد يخفف حدة الانتقادات الدولية المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية.

رغم ذلك، فإن وجود غواصات نووية كورية جنوبية قادرة على البقاء في الأعماق لشهور دون الحاجة للتزود بالوقود، يمثل كابوسًا استراتيجيًا لبكين؛ فهي تنهي التفوق النوعي للصين في "سلسلة الجزر الأولى". ومن المفترض أن تعمل هذه الغواصات كأصول عالمية، كما وصفها قادة عسكريون أمريكيون، حيث ستراقب الممرات المائية الحيوية، مما يقلل من حرية حركة البحرية الصينية في بحري الصين الشرقي والجنوبي.

غواصات كوريا الجنوبية -أرشيفية 
غواصات كوريا الجنوبية -أرشيفية 

العقبات القانونية وتحدي "اتفاقية 123"النووية

على الرغم من المباركة السياسية من ترامب، لا يزال المشروع يواجه تعقيدات قانونية مرتبطة بـ"اتفاقية 123" للتعاون النووي المدني بين واشنطن وسيول. وبموجب هذه الاتفاقية يُحظر على كوريا الجنوبية تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي لأغراض عسكرية، وهو ما يتطلب "تعديلًا تشريعيًا" أو اتفاقًا ثنائيًا جديدًا يتجاوز القيود الصارمة لمنع الانتشار النووي.

قد تلجأ الإدارة الأمريكية إلى صيغة قانونية تسمح بنقل "معدات الدفع النووي البحرية" ككتلة واحدة، أو تزويد سيول بالوقود النووي الجاهز من الولايات المتحدة، لتجنب منحها تكنولوجيا التخصيب الكاملة. هذا المخرج القانوني يهدف للحفاظ على روح معاهدة عدم الانتشار مع تمكين الحليف الكوري من امتلاك القدرة التشغيلية للغواصات النووية.

غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 
غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 

وفي الوقت الذي تسعى فيه سيول للحصول على استقلالية أكبر، فإن الاعتماد على التكنولوجيا والوقود الأمريكي يضمن لواشنطن "حق النقض" غير المعلن على تحركات هذه الغواصات. ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات الرسمية لتعديل الاتفاقيات النووية في أوائل عام 2026، لتكون حجر الأساس لبناء أول غواصة نووية كورية جنوبية قد تدخل الخدمة فعليًا بحلول منتصف العقد القادم.

ختامًا:

 لا يمثل سعي سيول لامتلاك غواصات نووية مجرد سباق للتسلح، بل هو إعلان عن ولادة قوة بحرية إقليمية جديدة قادرة على كسر قواعد اللعبة التقليدية في شمال شرق آسيا. فمن خلال دمج الطموح التكنولوجي الكوري مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لإدارة ترامب، تجد كوريا الجنوبية نفسها في طريق مفتوح لتجاوز قيودها العسكرية التاريخية، والتحول من دولة تعتمد على "الحماية" إلى شريك كامل في "صناعة الأمن" العالمي.

غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 
غواصات كوريا الجنوبية-أرشيفية 

ومع ذلك، تظل الطريق نحو الأعماق محفوفة بتحديات دبلوماسية وقانونية بالغة الحساسية؛ إذ سيتعين على سيول الموازنة بين قدراتها الهجومية الجديدة وبين طمأنة جيرانها القلقين، وفي مقدمتهم الصين وروسيا. وأخيرًا، نجاح هذا المشروع لن يُقاس فقط بدخول أول غواصة نووية كورية إلى الخدمة، بل بقدرة هذا السلاح على خلق توازن ردع مستقر يمنع اندلاع صراعات كبرى في أكثر مناطق العالم اشتعالًا.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء