بين الرقابة والتجسس: هل تخدم البرلمانات الألمانية أجندة موسكو؟
تواجه الديمقراطية الألمانية اختبارًا أمنيًا غير مسبوق، مع تصاعد حدة الاتهامات الموجهة لحزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف، باستغلال منصته البرلمانية للوصول إلى بيانات عسكرية حساسة قد تخدم المصالح الروسية. وتأتي هذه التطورات على خلفية مطالبة النائب اليميني المتطرف، رينجو مولمان، الحكومة المحلية بالكشف عن تفاصيل دقيقة تتعلق بمنظومات الدفاع ضد المسيّرات ومسارات نقل الأسلحة الغربية المتجهة إلى أوكرانيا، مما أثار موجة من القلق لدى أجهزة الاستخبارات والخصوم السياسيين على حد سواء.
وقال جورج ماير وزير داخلية ولاية تورينغن إن "حزب البديل من أجل ألمانيا يسيء استغلال الحق البرلماني في طرح الأسئلة ليستعلم بوضوح عن منشآتنا الحساسة"، معربا في حديث لصحيفة "هاندلشبلات" عن "قلق متزايد" بهذا الشأن، مضيفًا أن "الانطباع الذي يتولّد هو أن الحزب يطرح أسئلته انطلاقًا من لائحة أسئلة مطلوبة من الكرملين".

وفي حديث لوكالة الصحافة الفرنسية، قال النائب كونستانتين فون نوتس نائب رئيس لجنة الرقابة على عمل أجهزة الاستخبارات في البرلمان: "شكّل حزب البديل من أجل ألمانيا تحالفًا مع دول مستبدة، وهو يتعامل مع روسيا والصين وكوريا الشمالية لإلحاق الضرر ببلدنا".
وفيما تصف الدوائر السياسية في برلين هذه التحركات بأنها "محاولة للاختراق المعلوماتي" تحت غطاء المساءلة القانونية، يتمسك الحزب اليميني بموقفه الدفاعي، معتبرًا هذه الاتهامات مجرد "تكهنات سياسية صعبة الإثبات". ولا يقتصر هذا الجدل على الصراع الحزبي الداخلي، بل يمتد ليمس جوهر "الأمن القومي" في عصر الحروب الهجينة، حيث يمكن للأسئلة البرلمانية المشروعة أن تتحول إلى أداة لجمع المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر.
ومع تزايد الضغوط لتشديد الرقابة على أنشطة الحزب، يطرح هذا المشهد تساؤلًا جوهريًا حول قدرة القوانين الحالية على حماية الأسرار العسكرية من "ثغرات" التشريع التي قد تمنح خصوم الخارج نافذة مجانية على جبهات الدفاع الداخلية.

استراتيجية "المنطقة الرمادية"
يتبنى حزب "البديل من أجل ألمانيا" استراتيجية سياسية تعتمد على التحرك في "المنطقة الرمادية" للقانون، حيث يستغل الأدوات الدستورية المتاحة للنواب للضغط على الحكومة. ومن خلال تحويل حق السؤال إلى وسيلة لجمع بيانات تقنية دقيقة، يضع الحزب خصومه في مأزق؛ إذ يظل فعله قانونيًا من الناحية الإجرائية، بينما تظل "النية" ووجهة تلك المعلومات محل شكوك أمنية كبرى.
لكن دفاع الحزب، بوصف الاتهامات بأنها "صعبة الإثبات"، يمثل درعًا قانونيًا فعالًا، حيث يدرك قادة الحزب أن إثبات التخابر يتطلب أدلة مادية على تسليم الوثائق لجهات أجنبية، وهو ما يصعب رصده في حالة الأسئلة البرلمانية التي تُنشر إجاباتها غالبًا في سجلات علنية، مما يجعل المعلومة متاحة للجميع، بما في ذلك الاستخبارات الروسية، دون حاجة إلى تواصل مباشر.

وتتعمق هذه الشكوك بالنظر إلى السجل السياسي للحزب، الذي طالما جاهر بضرورة التقارب مع الكرملين ورفع العقوبات عن موسكو. هذا التناغم الأيديولوجي يجعل من محاولات الحزب الحصول على تفاصيل الدفاعات الجوية وتحركات الأسلحة لأوكرانيا تبدو، في نظر خصومه، وكأنها خدمة استخباراتية مغلّفة بصبغة برلمانية لتعزيز الموقف الروسي في الصراع القائم.
الثغرات الأمنية
كشفت قضية النائب رينجو مولمان عن ثغرة هيكلية في النظام الفيدرالي الألماني، حيث يمتلك نواب برلمانات الولايات صلاحيات واسعة لاستجواب الحكومات المحلية حول قضايا قد تبدو إقليمية، لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية وطنية، مثل مواقع تمركز منظومات الدفاع الجوي أو القواعد اللوجستية التي تمر عبرها شحنات الأسلحة الدولية.
ففي يونيو الماضي، قدم مولمان الذي ينفي أنه يعمل لصالح روسيا، 8 استفسارات تتعلق بالطائرات بدون طيار وقدرات الدفاع ضدها لدى شرطة المنطقة، المسؤولة عن كشف وصد الطائرات بدون طيار التي تعتبر تهديدًا تجسسيًا، متسألًا: "ما هي الأنظمة التقنية للدفاع ضد الطائرات بدون طيار المعروفة لشرطة تورينغن (مثل أجهزة التشويش، وقاذفات الشبكات، وأجهزة النبض الكهرومغناطيسي)، وإلى أي مدى تم اختبارها من حيث قابليتها للاستخدام في عمليات إنفاذ القانون؟".

وتكمن الخطورة في أن المعلومات المتعلقة بالدفاع ضد المسيّرات التي طلبها مولمان لا تخص أمن ولاية بعينها، بل هي جزء من المنظومة الدفاعية الشاملة لألمانيا وحلف "الناتو". ومن هنا تبرز المخاوف من أن غياب التنسيق الأمني المركزي حول ماهية المعلومات القابلة للإفصاح برلمانيًا قد يحول الولايات الألمانية إلى "جهة رخوة" لتسريب الأسرار العسكرية.
وفي نهاية المطاف، ستبقى قضية مولمان نقطة تحول في كيفية تعامل الديمقراطيات مع "الحروب الهجينة"؛ حيث لم يعد العدو بالضرورة خلف الحدود، بل قد يكون فاعلًا سياسيًا يستخدم "القانون" لتقويض أركان الدولة، مما يفرض صياغة عقد جديد بين السلطة التنفيذية والمعارضة يضمن الرقابة دون المساس بسلامة الأمن الوطني.
وقدمت كتل حزب البديل من أجل ألمانيا في البرلمانات الألمانية أكثر من 7000 استفسار متعلق بالأمن منذ بداية عام 2020، وفقًا لتحليل البيانات الذي أجرته مجلة "دير شبيجل"، فإن هذا عدد أكبر من أي حزب آخر ويشكل حوالي ثلث إجمالي الاستفسارات المتعلقة بالأمن القومي في البلاد.
يعكس التركيز على ملف نقل الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا رغبة الحزب في كشف "اللوجستيات العسكرية" التي تُعد من أكثر المعلومات حساسية في زمن الحرب. وبمجرد حصول نواب الحزب على هذه التفاصيل، تصبح متاحة في الأرشيف البرلماني، مما يسهل على أي طرف خارجي تتبع مسارات الإمداد وتحديد فجوات الدفاع الجوي الألماني.
بين الشفافية والأمن القومي
تضع هذه الواقعة الحكومة الألمانية أمام معضلة ديمقراطية كبرى؛ فرفض الإجابة عن أسئلة النواب قد يُفسر على أنه تقويض للشفافية ومحاولة للتستر على إخفاقات حكومية، بينما الإجابة الصريحة قد تعني تقديم "خارطة طريق" مجانية للاستخبارات الروسية حول نقاط الضعف في منظومات الدفاع الحديثة. إذ يمتد هذا التأثير ليشمل علاقة ألمانيا بحلفائها، حيث يسود القلق من أن تتحول برلين إلى "مستودع معلومات مخترق" من الداخل. وإذا علم الحلفاء أن المعلومات العسكرية الحساسة التي يشاركونها مع ألمانيا قد تنتهي في ملفات أسئلة برلمانية يطرحها نواب مقربون من موسكو، فقد يقلص ذلك من حجم التعاون الاستخباراتي والعسكري المستقبلي.
وتتزايد الضغوط حاليًا داخل الأوساط السياسية لتعريف "حدود الشفافية"، حيث يطالب البعض بتصنيف ردود الفعل الحكومية المتعلقة بالأمن القومي كمعلومات سرية يُسمح للنواب بالاطلاع عليها تحت الرقابة، دون حق تداولها أو نشرها، وذلك لخلق توازن بين حق البرلمان في المعرفة وحق الدولة في الحفاظ على أسرارها.

وتواجه المؤسسات التشريعية في ألمانيا حاليًا تحدي الفصل بين "المصلحة العامة" و"المعلومة الاستخباراتية"، إذ لم تعد الأسئلة تقتصر على السياسات العريضة أو ميزانيات الدفاع، بل انتقلت إلى عمق اللوجستيات الحربية. هذا التحول النوعي في طبيعة الاستجوابات يضع الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الإفصاح بما يحمل مخاطر على الأمن القومي، أو الامتناع الذي يُفسر سياسيًا على أنه تقويض لسيادة القانون وحق الشعب في المعرفة عبر ممثليه.
في المقابل، ينفي سياسيو حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، المزاعم التي تفيد بأنهم يستغلون نفوذهم البرلماني المتزايد على الصعيد الوطني وفي ولايات ألمانيا، لمحاولة نقل معلومات حساسة إلى الكرملين، إذ رفض تينو شروبالا، أحد قادة "حزب البديل من أجل ألمانيا"، بشدة المزاعم التي تفيد بأن حزبه يحاول الكشف عن طرق إمداد الأسلحة لصالح الكرملين.
المسارات المستقبلية
تشير التوقعات إلى أن برلين قد تتجه نحو تشديد "قواعد السلوك البرلماني" وإجراءات الفحص الأمني للنواب الذين يشغلون مقاعد في لجان حساسة. وقد تشمل السيناريوهات المستقبلية تعديل القوانين المحلية لمنع طرح أسئلة تتعلق بالتكتيكات العسكرية واللوجستيات الحربية في البرلمانات الإقليمية، وحصرها في لجان ضيقة داخل "البوندستاج" (البرلمان الاتحادي).
وعلى المستوى القانوني، من المرجح أن تزيد هذه الواقعة من الذرائع التي تستخدمها الاستخبارات الداخلية (مكتب حماية الدستور) لتصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا تنظيمًا متطرفًا يهدد أمن الدولة. هذا التصنيف سيتيح ملاحقة أعضائه استخباراتيًا بشكل أوسع، ومراقبة اتصالاتهم للتأكد من عدم وجود قنوات تسريب مباشرة مع جهات روسية.



