رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تأنيث الإرهاب: دلالات إطلاق "جماعة المؤمنات" كذراع لـ"جيش محمد"

تجنيد النساء في التنظيمات
تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية - أرشيفية

في تحولٍ لافت يعكس تغيّر التكتيكات العملياتية للتنظيمات المتطرفة، أعلنت جماعة "جيش محمد" الإرهابية عن تدشين جناح نسائي مسلح تحت مسمى "جماعة المؤمنات"، وتأتي هذه الخطوة كمحاولة استراتيجية لإعادة هيكلة التنظيم المدرج على قوائم الإرهاب الدولية، حيث يسعى من خلال هذا الجناح إلى استقطاب النساء والفتيات وتدريبهن على تنفيذ عمليات انتحارية، مستغلاً في ذلك قدرتهن على التمويه وتجاوز الملاحقات الأمنية التي ضيّقت الخناق على عناصره من الرجال خلال الآونة الأخيرة.

ويمثل تأسيس "جماعة المؤمنات" خروجًا عن الأطر التقليدية التي اعتمدها التنظيم سابقًا، إذ لم يعد حضور المرأة في صفوفه مجرد دورٍ هامشي أو دعائي، بل أضحى ركيزة أساسية في بنية العمل التنظيمي المسلح، إذ يهدف هذا التوجه إلى إحياء نشاط الجماعة المنهك بعد سلسلة من الضربات الأمنية القاصمة، عبر تحويل "تأنيث العمليات" إلى سلاح تكتيكي يهدف إلى مباغتة الأجهزة الاستخباراتية وتحقيق مكاسب ميدانية في ظل انحسار نفوذ التنظيم التقليدي.

 مسعود أزهر مؤسس جماعة جيش محمد
 مسعود أزهر مؤسس جماعة جيش محمد

وفي هذا الصدد، أدانت بعثة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية، معتبرة الإعلان عن تأسيس "جماعة المؤمنات" انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وداعيةً إلى تنسيق الجهود الاستخباراتية بين الدول الآسيوية لمواجهة هذا التطور الخطير.

فيما وصفت وزارة الداخلية الهندية هذه الخطوة بأنها تمثل تحولًا في استراتيجيات التنظيمات الإرهابية في المنطقة، مشيرةً إلى تعزيز المراقبة على الأنشطة النسائية المرتبطة بالدعوة عبر الإنترنت. 

المرأة من الظل إلى المواجهة

تأسس تنظيم "جيش محمد" في مطلع عام 2000 على يد "مسعود أظهر" عقب إطلاق سراحه من السجون الهندية، ويتبع تنظيم "القاعدة"، كما اتخذ من باكستان مقرًا رئيسيًا لعملياته، وتحديدًا في مدينة "بهاولبور" بإقليم البنجاب، ويتركز النشاط الجغرافي للتنظيم بشكل أساسي في منطقة جامو وكشمير المتنازع عليها، حيث يسعى من خلال عملياته المسلحة إلى فصل الإقليم عن الهند وضمه لباكستان، مع الحفاظ على امتدادات فكرية وعملياتية في مناطق حدودية بين باكستان وأفغانستان.

فيما كشف الإعلان عن "جماعة المؤمنات" عن تحول جذري في العقيدة القتالية لتنظيم "جيش محمد"، حيث لم يعد دور المرأة مقتصرًا على الدعم اللوجستي الصامت أو إدارة شؤون المقاتلين المنزلية، إذ يضع هذا الانتقال المرأة في قلب الهيكل العملياتي، مما يؤكد أن التنظيم بات يرى في العنصر النسائي رأس حربة في المرحلة القادمة من الصراع.

مناطق تمركز جيش محمد 
مناطق تمركز جيش محمد 

ويشير المسمى الخاص بـ"جماعة المؤمنات" إلى رغبة القيادة في خلق كيان مستقل يتمتع بالاستدامة التنظيمية والقدرة على المناورة بعيدًا عن الرصد التقليدي، وتعكس هذه الخطوة نضجًا في استراتيجيات التجنيد، حيث يتم التعامل مع "جماعة المؤمنات" كقوة ضاربة لها هيكلها القيادي والتدريبي الخاص.

علاوة على ما سبق، فإن هذا التحول يهدف إلى إضفاء صبغة القدسية على انخراط النساء في العمل المسلح والعنيف، مما يمهد الطريق لشرعنة وجودهن في الميدان عبر خروجهن من "الظل" إلى المواجهة، وهو ما يمثل رهانًا جديدًا من التنظيم لإثبات قدرته على التجدد والابتكار رغم الضغوط الدولية المستمرة على غرار تنظيم "داعش" قبل سقوطه في سوريا والعراق.

دوافع "تأنيث" العمليات الإرهابية

تُعدّ الرغبة في الالتفاف على الإجراءات الأمنية الصارمة الدافع الرئيسي وراء هذا التوجه، حيث تستغل الجماعة الحساسية الاجتماعية والعادات التي تحيط بتفتيش النساء في العديد من المناطق، ويمنح هذا التكتيك الانتحاريات قدرة أكبر على النفاذ إلى الأهداف المحصنة والمناطق المزدحمة دون إثارة الشكوك، مما يرفع من كفاءة الهجمات المباغتة.

كما يأتي تأسيس هذا الجناح كخطة بديلة لتعويض الاستنزاف البشري الحاد في صفوف المقاتلين الرجال الذين سقطوا في المواجهات أو تم اعتقالهم، فمن خلال فتح باب التجنيد الانتحاري للنساء، يسعى "جيش محمد" إلى سد الفجوة البشرية وضمان استمرار عملياته المسلحة عبر خزان بشري جديد لم يتم استهلاكه أمنيًا بعد.

تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية  - أرشيفية 
تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية  - أرشيفية 

إضافة إلى ذلك، يوفر "تأنيث الإرهاب" ميزة تكتيكية تتعلق بصعوبة بناء ملفات استخباراتية للمجندات الجدد، اللواتي غالبًا ما يكنّ من خارج دوائر المراقبة التقليدية. هذا الغموض حول هوية المنفذات يربك الأجهزة الأمنية ويجعل من استباق العمليات الانتحارية مهمة بالغة التعقيد، وهو ما يطمح إليه التنظيم لاستعادة توازنه الميداني.

سيكولوجية التجنيد 

بحسب تقارير استخباراتية، فإن الجماعة الجديدة تسعى إلى تجنيد الطالبات الشابات من المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي لنشر دعايتها عبر صفحات دينية ومجموعات مغلقة تحت مسمى "الدعوة إلى نصرة الإسلام والجهاد"، وتعمل جماعة المؤمنات على إعداد النساء فكريًا ونفسيًا عبر دروس دينية مغلوطة وتفسيرات متشددة للقرآن والسنة، وتقدم الانتحار كأعلى درجات "الشهادة"، في إطار عملية غسل دماغ ممنهجة تذكّر بأساليب "داعش" في سوريا والعراق.

وتعتمد على خطاب وجداني مكثف يمزج بين المظلومية والوعود بالخلاص الروحي لاستدراج الفتيات الصغيرات، حيث يتم تصوير الانضمام إلى الجناح الانتحاري كأسمى مراتب "التضحية"، مع التركيز على قصص رمزية تهدف إلى غسل أدمغة المستهدفات وإقناعهن بأن دورهن القتالي هو "واجب ديني" لا يقل عن دور الرجال.

تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية  - أرشيفية 
تجنيد النساء في التنظيمات الإرهابية  - أرشيفية 

وفي زاوية أخرى، يستخدم التنظيم انخراط النساء كأداة للضغط النفسي و"الترهيب الأخلاقي" لخصومه وللمتخاذلين من رجاله على حد سواء، فمن خلال تصدير مشهد المرأة "المضحية"، يسعى التنظيم إلى إحراج القواعد الرجالية وتحفيزهم على العودة إلى الميدان تحت شعار: إذا كانت النساء يتقدمن الصفوف، فأين الرجال؟

كما توظف الجماعة وسائل التواصل الاجتماعي لبناء "مجتمعات افتراضية" توفر للمجندات شعورًا زائفًا بالانتماء والقوة، بعيدًا عن رقابة الأسرة؛ ويتم هذا الاستقطاب الرقمي بدقة عالية، حيث تُستهدف الفتيات اللواتي يعانين من عزلة اجتماعية أو أزمات هوية، مما يجعل من "جماعة المؤمنات" ملاذًا متوهمًا يمنحهن مكانة داخل تنظيم عالمي.

سبل المواجهة

تتطلب مواجهة خطر "جماعة المؤمنات" استراتيجية شاملة تبدأ بتفكيك السرديات الدينية والسياسية التي تستخدمها الجماعة في استقطاب النساء، كما يجب أن تشمل هذه المواجهة إطلاق حملات توعية مضادة تقودها نساء وشخصيات مؤثرة، لكشف زيف الوعود التي يقدمها التنظيم وتحصين الفتيات من الانجرار خلف الخطاب المتطرف.

وفي الجانب العملياتي، بات من الضروري تعزيز التواجد النسائي في كافة مفاصل الأجهزة الأمنية، لا سيما في وحدات مكافحة الإرهاب والمنافذ الحدودية؛ فتمكين المرأة أمنيًا هو الرد المباشر والأكثر فاعلية لسد الثغرات التي تحاول الجماعات المتطرفة استغلالها، مما يحرم التنظيم من ميزة التمويه التي يراهن عليها.

كما تبرز معضلة "العودة والتأهيل" كأحد أخطر التداعيات المستقبلية، حيث يصعب التعامل مع النساء اللواتي تشبعن بالفكر التكفيري ضمن برامج الدمج التقليدية؛ إن وجود جيل من النساء المدربات على القتال والعمل السري يمثل قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومي لسنوات طويلة، حتى في حال تراجع النشاط العسكري للتنظيم الأم.

ختامًا:

 يجب تفعيل برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء في المناطق الأكثر عرضة للتجنيد، لقطع الطريق على استغلال التنظيم للحاجة المادية أو التهميش؛ فبناء مجتمعات محلية قوية ومحصنة فكريًا، توفر للمرأة دورًا إيجابيًا وحقيقيًا في البناء، هو الضمانة الوحيدة لإفشال مشروع "تأنيث الإرهاب" الذي يسعى إليه المتطرفون.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء