من الشراكة إلى القطيعة: قراءة في تصدع الشراكة العسكرية بين موسكو وأوروبا
في إطار إعادة تقييم الاتفاقيات العسكرية بين روسيا وعدد من الدول الأوروبية بما يتوافق مع المصالح الوطنية لموسكو، أصدرت الحكومة الروسية قرارًا يسمح لوزارة الدفاع بإنهاء عدد من الاتفاقيات العسكرية المبرمة خلال تسعينيات القرن الماضي مع ألمانيا وبولندا والنرويج ودول غربية أخرى. كما يشمل القرار إمكانية إنهاء اتفاقيات التعاون العسكري مع كل من رومانيا والدنمارك، ومذكرة التفاهم في مجال الدفاع مع بريطانيا، بالإضافة إلى السماح بإنهاء اتفاقيات التعاون مع هولندا وكرواتيا وبلجيكا وجمهورية التشيك.
تمت هذه الخطوة الرسمية، التي صدرت بقرار حكومي، بتكليف وزارة الدفاع الروسية ببدء الإجراءات القانونية اللازمة. وتعود هذه الاتفاقيات إلى حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حين سعت موسكو إلى تنظيم التعاون العسكري وبناء قنوات تنسيق أمني مع أوروبا، ضمن تصور لشراكة استراتيجية طويلة الأمد.
ويأتي القرار في ظل تصاعد غير مسبوق في التوتر بين روسيا والدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا، ما يمنح الخطوة أبعادًا سياسية تتجاوز تأثيرها العملي المباشر. فبينما ترى موسكو أن هذه الاتفاقيات فقدت جدواها في ظل الواقع الحالي، فإنها تظل مؤشرًا على انتقال العلاقات الروسية–الأوروبية من مرحلة إدارة الخلاف إلى تفكيك القواعد التي حكمت الأمن المشترك منذ نهاية الحرب الباردة.
من التعاون إلى التآكل
وقّعت روسيا وعدد من الدول الأوروبية الاتفاقيات العسكرية التي أعلنت إنهاءها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، ضمن مساعٍ لبناء الثقة وفتح قنوات تعاون أمني بين موسكو وأوروبا. وجاءت هذه التفاهمات في إطار رؤية سعت إلى تجاوز إرث الحرب الباردة وإرساء نظام أمني مشترك داخل القارة.
ومثّلت الاتفاقيات حينها محاولة روسية للاندماج في المنظومة الأمنية الأوروبية، عبر تنظيم مجالات التعاون العسكري والتقني وتبادل المعلومات، غير أن هذه الرؤية اصطدمت لاحقًا بتغيرات سياسية عميقة، أبرزها توسع حلف الناتو شرقًا.

ومع تصاعد الخلافات بين الجانبين، تراجعت فعالية هذه الاتفاقيات تدريجيًا، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أطر شكلية، ما جعلها عرضة للإلغاء مع تفاقم التوترات الحالية.
التوقيت والدوافع
يأتي القرار الروسي في توقيت يتسم بتصعيد غير مسبوق في العلاقات مع أوروبا، على خلفية الحرب في أوكرانيا والدعم العسكري الغربي لكييف، ويعكس التوقيت رغبة موسكو في مواءمة خطابها القانوني مع واقع المواجهة السياسية والعسكرية.

وترى روسيا أن الاتفاقيات لم تعد تعكس توازن المصالح، في ظل ما تعتبره انخراطًا أوروبيًا مباشرًا في الصراع، ويُنظر إلى الخطوة باعتبارها جزءًا من مراجعة أوسع للالتزامات السابقة التي لم تعد تخدم أولويات الأمن الروسي.
كما يحمل القرار بعدًا رمزيًا، يهدف إلى توجيه رسالة بأن مرحلة التفاهمات القديمة انتهت، وأن العلاقات مع أوروبا تُدار اليوم بمنطق مختلف تحكمه اعتبارات الردع لا الشراكة.
الرسائل السياسية والأمنية
سياسيًا، يعكس إنهاء الاتفاقيات تحولًا في نظرة روسيا إلى أوروبا من شريك محتمل إلى طرف في معادلة الصراع، ويؤشر القرار إلى تراجع متعمد في الالتزامات القانونية التي كانت تضبط العلاقات العسكرية بين الجانبين.
وأمنيًا، لا يُتوقع أن يؤدي القرار إلى تغيير فوري في موازين القوى، لكنه يسهم في تقليص قنوات التواصل ويزيد من احتمالات سوء التقدير في ظل بيئة أمنية متوترة، كما يعزز حالة انعدام الثقة القائمة بالفعل.
وتتجاوز الرسائل الإطار الأوروبي لتصل إلى حلف الناتو، في تأكيد روسي على أنها لم تعد معنية بالحفاظ على ترتيبات سابقة مع دول تعتبرها جزءًا من منظومة المواجهة.

خسائر أوروبا
تتمثل الخسارة الأوروبية الأبرز في تفكيك قنوات التواصل العسكري المباشر مع روسيا، وهي القنوات التي لعبت دورًا مهمًا في إدارة التوتر ومنع الاحتكاكات غير المقصودة، خاصة في مناطق التماس مثل بحر البلطيق وأجواء أوروبا الشرقية. ومع غياب هذه الأطر القانونية، تتراجع قدرة الجانبين على ضبط السلوك العسكري في أوقات الأزمات، ما يرفع منسوب المخاطر الأمنية.
سياسيًا، يحدّ القرار من هامش المناورة الأوروبي في التعامل مع موسكو، ويفقد بعض الدول أدوات كانت تتيح لها إدارة العلاقة خارج الإطار الصدامي الكامل، ويعزز ذلك موقع أوروبا كطرف في المواجهة لا كوسيط محتمل، ما يقلص قدرتها على التأثير في مسار الصراع أو الدفع نحو تسويات سياسية مستقلة.
وعلى الصعيد الأمني، يدفع إنهاء الاتفاقيات الدول الأوروبية إلى مزيد من الاعتماد على حلف الناتو والولايات المتحدة باعتبارهما الضامن الأساسي للأمن، وهو ما يضعف الطموحات الأوروبية لبناء سياسة دفاعية مستقلة، كما يكرس تفاوتًا داخل القارة بين دول ترى في التصعيد ضرورة أمنية، وأخرى تخشى تداعياته الطويلة.

اقتصاديًا واستراتيجيًا، يفرض القرار كلفة إضافية على أوروبا، مع تزايد متطلبات الإنفاق الدفاعي ورفع الجاهزية العسكرية في بيئة أمنية أكثر توترًا. وفي المحصلة، تسهم هذه الخسائر في تعميق حالة عدم الاستقرار داخل النظام الأمني الأوروبي، وتدفع القارة نحو مواجهة طويلة الأمد بقدرات سياسية محدودة على احتوائها.
القراءة المستقبلية

تشير التقديرات إلى أن العلاقات العسكرية الروسية الأوروبية تتجه نحو مزيد من القطيعة، مع تراجع فرص إعادة إحياء الاتفاقيات أو استبدالها بأطر جديدة في المستقبل القريب، ويُرجّح أن يعزز ذلك اعتماد أوروبا على الناتو كضامن أساسي للأمن.
في المقابل، تمضي روسيا في إعادة تموضعها الأمني عبر تقليص القيود القانونية وتوسيع هامش الحركة السياسية والعسكرية، وهو مسار قد يرسخ حالة استقطاب حاد داخل القارة الأوروبية.
ورغم التصعيد، لا تزال موسكو حريصة على إبقاء الصراع ضمن حدود محسوبة، مع الحفاظ على قنوات اتصال ضيقة تُستخدم لإدارة الأزمات وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ختامًا:
لا يمثل إنهاء روسيا لاتفاقياتها العسكرية مع دول أوروبية تحولًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما يعكس تحولًا سياسيًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين الجانبين؛ فالقرار يؤكد أن موسكو تسعى إلى تفكيك القواعد التي حكمت الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة، تمهيدًا لمرحلة جديدة تقوم على الردع والمواجهة طويلة الأمد، في ظل نظام دولي يشهد تآكلًا متسارعًا لقواعد الشراكة والتفاهم.



