رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جنوب الفلبين.. ملاذ داعش الجديد للتدريب والتموضع العالمي

داعش في الفلبين -
داعش في الفلبين - أرشيفية

أوضحت السلطات الأسترالية عن سفر المشتبه بهم في حادث بوندي إلى جنوب الفلبين الشهر الماضي، معتبرة أن هذه الرحلة ربما تكون دليلًا قويًا على ارتباطهم بتنظيم داعش، إذ تُمثل الفلبين، وتحديداً الأقاليم الجنوبية في أرخبيل 'سولو' ومينداناو، بيئة عملياتية مثالية تجمع بين هشاشة الرقابة الأمنية وخبرة التمرد العميقة، مما جعل هذه المنطقة مغناطيسًا للمقاتلين الأجانب؛ نتيجة لجغرافيا وعرة وحدود بحرية مسامية مكنت الجماعات التابعة لتنظيم داعش مثل جماعة 'أبو سياف' وفلول 'ماوتي' من تأسيس ملاذات آمنة بعيدة عن الرقابة الدولية.

من الناحية الأمنية، يُنظر إلى أي رحلة لمشتبه بهم إلى هذه المناطق بوصفها مسارًا تدريبيًا محتملًا، حيث توفر هذه الجماعات بنية تحتية لتعلم فنون حرب العصابات وصناعة العبوات الناسفة المبتكرة بعيداً عن أعين الأجهزة الاستخباراتية التقليدية، كما يعكس توجه العناصر المتطرفة نحو الفلبين استراتيجية 'الخلافة البديلة'، حيث يتم استغلال الإرث الطويل للتطرف في المنطقة لتحويلها من بؤرة تمرد محلية إلى قاعدة انطلاق وتوجيه للذئاب المنفردة.

وبناءً عليه، فإن سفر المشتبه بهم في هجوم 'بوندي' إلى هذا المسرح تحديداً في الشهر الذي سبق الهجوم يعزز فرضية تلقيهم 'توجيهاً عملياتياً' أو 'تأهيلاً قتالياً' يربط بين الملاذات الآمنة في جنوب شرق آسيا والأهداف المدنية في الخارج.

منفذ هجوم سيدني 
منفذ هجوم سيدني 

الفرضيات الأمنية: الرابط العملياتي مع هجوم "بوندي"

تُركز التحقيقات الحالية على الفاصل الزمني الضيق بين عودة المشتبه بهم من الفلبين وتاريخ تنفيذ الهجوم في شاطئ "بوندي"، وهو ما يُعد في العرف الأمني مؤشراً على احتمالية وجود مهمة محددة؛ فالسفر لمدة شهر واحد إلى منطقة تشهد نشاطاً مكثفاً لداعش يثير فرضية تلقي تدريبات مكثفة سريعة أو الحصول على "الضوء الأخضر" النهائي لبدء العمليات، مما ينفي فرضية الصدفة في توقيت الرحلة.

كذلك، تتبنى السلطات الأسترالية فرضية التوجيه من بُعد، أو أن الرحلة كانت تهدف لإنشاء قنوات اتصال مشفرة مع "منسقين" ميدانيين في الفلبين، حيث تعمل هذه القيادات كعقل مدبر يوفر الدعم اللوجستي والمعنوي والتخطيطي دون الحاجة للتواجد الفعلي في مسرح الهجوم.

داعش في الفلبين - أرشيفية 
داعش في الفلبين - أرشيفية 

ويُعتقد أن مثل هذه اللقاءات المباشرة في مناطق الاضطراب تهدف إلى بناء ثقة وتنسيق لا يمكن تحقيقه عبر الوسائل الإلكترونية وحدها، مما يجعل الهجوم ثمرة لتعاون عابر للقارات.

كما يخضع أسلوب تنفيذ هجوم "بوندي" للدراسة لمقارنته بالتكتيكات التي يروج لها تنظيم "داعش" في ولاية شرق آسيا، خاصة فيما يتعلق باختيار الأهداف الرخوة المزدحمة بالمدنيين، من خلال نقل "الخبرة الميدانية" من معسكرات التدريب في الغابات الفلبينية إلى بيئات حضرية في الخارج، وهو نمط معروف لتنظيم "داعش"، مما يعزز الشكوك بأن الرحلة كانت بمثابة "دورة تأهيلية" نهائية سبقت التنفيذ الميداني.

هجوم سيدني 
هجوم سيدني 

التحول الأيديولوجي: من المحلية إلى العالمية

شهدت الخارطة المتطرفة في الفلبين تحولًا جذريًا بتبني الجماعات المحلية، وعلى رأسها فصائل من "أبو سياف" و"ماوتي"، للفكر العالمي لتنظيم "داعش"، متجاوزةً المطالب الانفصالية القومية التقليدية. هذا التحول الأيديولوجي لم يكن مجرد تغيير في الشعارات، بل أدى إلى ربط الصراعات المحلية في جنوب شرق آسيا بمشروع "الخلافة" العالمي، مما منح هذه الجماعات شرعية استقطاب مقاتلين من خارج الحدود الفلبينية تحت راية "ولاية شرق آسيا".

وفي أعقاب تراجع نفوذ تنظيم "داعش" في معاقله التقليدية بالعراق وسوريا، برزت الفلبين كوجهة "هجرة" بديلة ومغرية للمتطرفين، مدفوعة بدعاية إعلامية مكثفة صورّت الجنوب الفلبيني كأرض صالحة لإعادة إحياء نموذج الدولة. وقد ساهمت هذه الدعاية في جذب عناصر من أستراليا وأوروبا وآسيا، ممن وجدوا في الفلبين مسرحًا قتاليًا يسهل الوصول إليه مقارنة بمناطق النزاع في الشرق الأوسط التي تشهد رقابة أمنية مشددة.

هجوم سيدني 
هجوم سيدني 

كما أدى اندماج العناصر المحلية مع الخبرات الأجنبية الوافدة إلى "عولمة" أهداف الجماعات المسلحة في الفلبين، حيث بدأت في تبني تكتيكات هجومية تستهدف المصالح الغربية والمناطق السياحية. هذا التطور جعل من الساحة الفلبينية مدرسة فكرية تخرج عناصر لا تكتفي بالقتال المحلي، بل تعود إلى بلدانها الأصلية وهي تحمل عقيدة قتالية عابرة للحدود، مما يرفع من مستوى التهديد الأمني في الدول التي ينحدر منها هؤلاء المسافرون.

التداعيات والتوصيات الاستراتيجية

تفرض هذه التطورات ضرورة إعادة تقييم قوائم السفر والمراقبة لتشمل الدول التي تُعتبر "ترانزيت" أو وجهات نهائية لمناطق النزاع غير التقليدية مثل جنوب الفلبين، إذ تكمن التوصية الأمنية الأولى في تعزيز تبادل البيانات الفورية بين وكالات الاستخبارات الدولية لتعقب الأفراد الذين يترددون على هذه البؤر، مع التركيز على النشاطات التي تتم تحت غطاء السياحة أو العمل الإغاثي في مناطق التوتر.

داعش في الفلبين - أرشيفية 
داعش في الفلبين - أرشيفية 

كما تتطلب تجفيف منابع التمويل واللوجستيات لمواجهة هذا النوع من التهديدات، من خلال تشديد الرقابة على التحويلات المالية الصغيرة والمنصات الرقمية التي قد تُستخدم لتمويل رحلات المشتبه بهم أو شراء معدات الهجوم، بالإضافة إلى أهمية التعاون مع القطاع المصرفي لرصد الأنماط المالية المشبوهة التي تسبق رحلات السفر إلى "المناطق الحمراء"، مما يسهم في إحباط المخططات في مراحلها التحضيرية قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ.

ختامًا:

 تؤكد هذه الواقعة أن الأمن القومي للدول لم يعد ينتهي عند حدودها، بل يرتبط باستقرار دول بعيدة مثل الفلبين؛ لذا تبرز التوصية بضرورة دعم قدرات السلطات الفلبينية في ضبط حدودها البحرية وتفكيك المعسكرات في الجنوب، إذ لم يعد الاستثمار في الأمن الإقليمي لجنوب شرق آسيا يُعد خط دفاع استباقي يحمي المدن العالمية من تهديد "الذئاب المنفردة" التي تتغذى على الفراغات الأمنية في تلك المنطقة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء