تداعيات الاستقطاب الاجتماعي والتهديد الإيراني على الأمن القومي الإسرائيلي
بات المجتمع الإسرائيلي في مفترق طرق، خاصة بعد تصاعد العديد من التهديدات التي تمس أمنه القومي، مثل التهديدات الإيرانية المتواصلة، وحالة الاستقطاب المجتمعي الناجمة عن محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضايا فساد. فضلًا عن العديد من القضايا الأخرى الثانوية التي تمس الأمن القومي الإسرائيلي، مثل قانون تجنيد "الحريديم"، وقضية فشل تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، وأخيرًا مسألة اعتبار الصهيونية أيديولوجية متطرفة من قبل بعض المواطنين في إسرائيل، خاصة بعد تصاعد جدلية مشاركة العرب واليهود في الأماكن العامة، كالمستشفيات والحدائق والمتنزهات، والتي هزت صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي.
كل العوامل السابقة تناولها "معهد سياسات الشعب اليهودي" (JPPI) بالاستطلاع والتحليل، وحملت نتائج الاستطلاع مؤشرات مهمة، أبرزها تصاعد مسألة الاستقطاب الداخلي وخطورتها على تماسك المجتمع، متجاوزة في ذلك أزمة التهديدات الإيرانية. ويجب التنويه إلى أن المعهد قسم العينة العشوائية المستخدمة في الدراسة إلى قسمين: الإسرائيليين اليهود والإسرائيليين العرب "عرب 48"، وفي العينة اليهودية جرى تقسيمها أيضًا إلى يهود من التيار السياسي اليميني، ويهود منتمين إلى التيار اليساري.

ويُعد معهد سياسات الشعب اليهودي أحد أفرع الوكالة اليهودية لإسرائيل المحدودة (CC)، ويهدف المعهد إلى وضع الخطط العامة وصياغة الاستراتيجيات والسياسات العملية الموجهة نحو خدمة إسرائيل ومواطنيها من اليهود. وفيما يلي سيتم استعراض محاور الدراسة التي نشرها المعهد، والتي حملت العنوان التالي:
"JPPI Israeli Society Index for December 2025: Greater concern over social polarization than the Iranian threat"
أولًا: التهديد الإيراني
في ديسمبر الحالي أجرى معهد سياسات الشعب اليهودي استطلاعًا للرأي، وأفاد الاستطلاع أن 62% من الإسرائيليين "بشكل عام" يعتبرون أن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا، بينما رأى 22% من العينة أن طهران تشكل تهديدًا ما وليس وجوديًا، فيما اعتقد 14% من العينة أن التهديد الإيراني كان ضئيلًا أو معدومًا.
وفصل "المعهد" الإحصائيات السابقة، إذ أوضح أن 71% من اليهود يرون أن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا، في حين رأى 7% من اليهود أن التهديد ضئيل. وفيما يخص الموقف العربي فقد انقسم على نفسه، إذ رأى 24% من العرب الموضوعين تحت الاختبار أن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا، في حين رأى 27% من العرب أيضًا أنها لا تشكل أي تهديد.
وبمقارنة استطلاعات شهر ديسمبر مع استطلاعات شهر يوليو الماضي، يتضح أن الخطر الإيراني ارتفعت مؤشراته بنسبة طفيفة، ففي يوليو كانت المؤشرات تشير إلى أن 57% من المجتمع بشكل عام يرون أن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا. وعلى العكس، نرى أن المجتمع العربي في إسرائيل انخفضت مؤشراته فيما يخص التهديدات الإيرانية، ففي يوليو كان يعتقد 37% من عرب 48 أن إيران تشكل خطرًا وجوديًا، وانخفضت تلك النسبة إلى 27% في الشهر الحالي.

ويشير استطلاع الرأي إلى أنه كلما اتجهنا نحو اليمين ومعاقله ازداد توصيف إيران بالخطر الوجودي، في حين انقسم اليسار الإسرائيلي إلى ثلاثة اتجاهات متساوية تقريبًا في تقييم الخطر الإيراني؛ فالثلث الأول يرى أنها خطر وجودي كبير، والثلث الثاني يرى أنها خطر وجودي لكنه متوسط، والثلث الأخير يرى أنها تشكل خطرًا طفيفًا.
وطبقًا للاستطلاع الأخير يتبين أن حالة الشحن والحشد الإسرائيلي تجاه السياسات الإيرانية أتت أُكلها، وأن النظام السياسي الإسرائيلي بات يحظى بدعم شعبي واسع في حال إقدامه على توجيه ضربة عسكرية أخرى لإيران، خاصة في ظل تزايد التخوفات لدى المواطنين اليهود من الأخطار الإيرانية المحتملة.
ثانيًا: الاستقطاب الاجتماعي
وفي ذات الاستطلاع الإسرائيلي حول أخطر القضايا التي تهدد إسرائيل، برزت أزمة الاستقطاب الداخلي في إسرائيل، حيث أكد 55% من المواطنين بشكل عام أن الاستقطاب الاجتماعي هو الخطر الأكبر، متفوقًا على التهديد الإيراني الذي حل في المرتبة الثانية بنسبة 23%، وتذيل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي قائمة التهديدات الخطرة بنسبة 18%.
وبتفصيل النتائج السابقة بين العرب واليهود، يتضح أن 59% من اليهود يرون أن الاستقطاب يشكل التهديد الرئيسي، أما العرب في الداخل الإسرائيلي فيرى 39% منهم أن الاستقطاب خطر وجودي، في حين يرى 27% منهم أن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي هو الأخطر، وأخيرًا يرجح 28% منهم الخطر الإيراني كتهديد وجودي.

وطبقًا للطيف السياسي داخل المجتمع اليهودي، نجد أن فئة اليسار الإسرائيلي هي من أعلت قيمة "الاستقطاب الداخلي" كمهدد للأمن القومي الإسرائيلي، إذ أكد نحو 76% ممن تم استجوابهم من اليسار الإسرائيلي على أهمية وخطورة موضوع الاستقطاب الداخلي.
الدول المعادية
في الاستطلاع الأخير برزت إيران كأكبر وأولى الدول المعادية لإسرائيل، وجاءت تركيا ولبنان في المرتبة الثانية، فيما جاءت سوريا وقطر في المرتبة الثالثة، أما المرتبة الرابعة فجاءت فيها دول مثل مصر والسعودية واليمن.
العفو الرسمي
تقدم رئيس الوزراء في مطلع الشهر الحالي بطلب عفو من الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، مشفوعًا بتوصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وعلى ذلك أجرى معهد سياسات الشعب اليهودي استطلاعًا للرأي حول تلك المسألة، وجاءت الردود منقسمة حيال العفو عن نتنياهو وإنهاء محاكمته؛ إذ رأى 37% من العينة بشكل عام ضرورة إنهاء المحاكمة سريعًا وعودته إلى ممارسة حياته السياسية بكل حرية، في حين رأى 36% من العينة ضرورة منح نتنياهو العفو الرئاسي مقابل تقاعده من الحياة السياسية، بينما أكد 22% من العينة ضرورة مواصلة المحاكمة وعدم إنهائها، أي استمرار محاكمة رئيس الوزراء وترك الأمر بيد القضاء.

وفيما يخص مستويات الثقة في الجيش الإسرائيلي، فلا يزال يتمتع بثقة عالية في المجتمع الإسرائيلي، إذ أعرب 68% من الجمهور عن ثقتهم العريضة في الجيش، مقسمة كالتالي: 17% منحوا ثقتهم العالية في الجيش، في حين أبدى 51% من الجمهور ثقة متوسطة في الجيش. ويلاحظ هنا أن نسبة ثقة العرب في الجيش الإسرائيلي بلغت 58% من عرب 48، الذين أبدوا ثقتهم في قيادة الجيش الإسرائيلي.
العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
حظيت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بدعم شعبي واضح، إذ أبدى 67% من المشاركين في العينة الاستطلاعية ثقتهم في العلاقات مع الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب بشأن اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز المصالح الإسرائيلية، فيما أبدى 28% من الإسرائيليين عدم ثقتهم في الرئيس الأمريكي. وفيما يخص نسبة غير الراضين عن الرئيس ترامب، فأغلبهم ينتمون إلى تيار اليسار الإسرائيلي، إذ أبدى 76% من أنصار اليسار الإسرائيلي عدم رضاهم عن تصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إسرائيل.

الصهيونية والعنصرية
في عام 1975 نجحت الدول الإفريقية والآسيوية في إدراج الصهيونية كأيديولوجية عنصرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي عام 1991 نجحت إسرائيل في شطب قرار الجمعية العامة القاضي بعنصرية الأيديولوجية الصهيونية. ورغم قرار الأمم المتحدة بإزالة الصهيونية كأيديولوجية عنصرية، إلا أنها إعلاميًا ما زالت مستمرة، خاصة في القنوات الإعلامية المعادية لإسرائيل.
ومن المثير للجدل أن 12% من اليهود الذين شملتهم العينة يرون أن الصهيونية ليست أيديولوجية عنصرية، لكنها تتضمن عناصر عنصرية. أما فيما يخص العرب، فيرى 42% منهم أن الصهيونية أيديولوجية عنصرية، في حين يرى 26% منهم أن الصهيونية بها عناصر عنصرية، فيما يؤكد 7% من العرب أن الصهيونية تخلو تمامًا من أي مكونات عنصرية.
العنف في المجتمع العربي
أما فيما يخص مسألة العنف في المجتمع العربي، فيرى 39% من الإسرائيليين اليهود أن مسألة العنف ترجع إلى جذور في الثقافة العربية، في حين يرى 26% من اليهود أن مشكلة العنف تعود في الأساس إلى حالة التمييز في البلاد ضد العرب، بينما يرى 18% من اليهود أن الشرطة الإسرائيلية لا تقوم بواجبها، ويفترض 17% آخرون أن الرأي العام العربي لا يسمح للحكومة بالتدخل لحل المشكلة.
الفصل بين القطاعات
خلال السنوات الماضية برزت مشكلة الفصل في الأماكن العامة بين العرب واليهود، خاصة في مرافق الرعاية الصحية مثل المستشفيات وعيادات التأمين الصحي. فقد أيد 67% من اليهود الإسرائيليين فكرة المستشفيات المختلطة بين العرب واليهود، وجدير بالذكر أن تلك النسبة كانت 81% منذ ثلاث سنوات. أما الإسرائيليون العرب فقد ارتفعت نسبة تأييدهم لفكرة وجود مستشفيات مختلطة إلى 76%. أما فيما يخص الأحياء المختلطة، فيرى 33% من اليهود إمكانية العيش في أحياء مختلطة، في حين يرى الباقون ضرورة عزل اليهود عن العرب في الأحياء السكنية.
عنف المستوطنين في الضفة الغربية - أرشيفية ">ختامًا:
يتضح من الاستطلاع السابق الذي أجراه معهد سياسات الشعب اليهودي أن نجاح الحملة الإعلامية الحكومية في تهيئة وتعبئة المواطنين في إسرائيل تجاه شن حرب جديدة ضد إيران، إلا أنه في الوقت نفسه برز خطر آخر يهم المواطن الإسرائيلي، وهو حالة الانقسام الداخلي في البلاد، خاصة مع قرب موعد الانتخابات في أكتوبر 2026. فهل تلجأ إسرائيل مرة أخرى إلى شن حرب خاطفة ضد إيران على أمل أن تخفف تلك الحرب من وطأة الانقسام الداخلي، وأن تُجرى الانتخابات المقبلة في هدوء بعيدًا عن الاستقطاب؟ أم أن حالة الاستقطاب ستكون معرقلًا لأي تحركات إسرائيلية في المستقبل القريب، في ظل غموض مسألة العفو عن رئيس الوزراء نتنياهو؟



