رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إيران ما بعد الهدنة: هل اقترب سقوط نظام الخميني؟

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية - أرشيفية

رغم اتفاق وقف إطلاق النار المُعلَن بين إيران وإسرائيل، فإن انتهاء الحرب بشكل نهائي يمثل ضربًا من الخيال أو التمني، لا سيما أن مختلف النتائج تؤدي إلى دلالة واحدة جلية، متمثلة في ضرورة التخلص من النظام، الذي يضع على عاتقه تبنّي استراتيجية توسعية تمددية في الشرق الأوسط، ويجيد صناعة الجيوب والروافد المسلحة التي تهدد من قوة وهيمنة الكيان الصهيوني وتفرده كقوة إقليمية كبرى تمتلك مشروعًا نوويًا.

فمع انشغال العالم بخطة السلام في قطاع غزة، تستعد إسرائيل لعدة سيناريوهات، من ضمنها احتمال توجيه ضربة جديدة لإيران، وفق ما صرّح به مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي، قائلًا: "نراقب ما يحدث في الشرق الأوسط وفي إيران، ونستعد لمجموعة متنوعة من السيناريوهات والخيارات، أحدها احتمال التحرك مرة أخرى ضد إيران"، حسبما نقلت صحيفة "جيروزالم بوست".

ومن المرجح أن يعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال زيارته المرتقبة الأيام المقبلة إلى ولاية فلوريدا، ملفًا استخباراتيًا شاملًا، بهدف إقناعه بالموافقة على تنفيذ ضربة جديدة ضد إيران، وفقًا لما أوردته صحيفة "يسرائيل هيوم".

وقالت "يسرائيل هيوم" إن الملف المزمع تقديمه يتضمن معلومات استخباراتية مفصلة حول محاولات إيران إحياء برنامجها النووي، وإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وتوسيع نشاط الحرس الثوري الإيراني على مستوى العمليات الإرهابية عالميًا، إضافة إلى زيادة التمويل والدعم لكل من حماس وحزب الله والحوثيين وتنظيمات أخرى.

ترامب ونتنياهو 
ترامب ونتنياهو 

وتهدف إسرائيل، وفق التقرير، إلى تعزيز تنسيق وثيق مع واشنطن لمعالجة ما تعتبره جذور المشكلة الإيرانية. وترى تل أبيب أن ترامب ينظر إلى إيران بوصفها المحرك الرئيسي للإرهاب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والعقبة الأبرز أمام التوصل إلى اتفاق إقليمي شامل.

هناك مؤشرات قوية على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يتراجع عن دعم الكيان الصهيوني في تنفيذ مشروعه بتغيير خريطة الشرق الأوسط بما يحقق له الغلبة والقوة، وفق حسابات متعلقة باللوبي "المسيحي الأمريكي" أو "المسيحية الصهيونية"، التي تربط مستقبلها العقائدي والسياسي بنبوءة "عودة المسيح" وإقامة إسرائيل الكبرى.

وليس ببعيد التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أن البرنامج النووي الإيراني تراجع "عقودًا" إلى الوراء، وأن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية ألحقت "دمارًا شاملًا" بالمواقع المستهدفة، وأن إسرائيل وإيران "منهكتان ومتعبتان" من الحرب، لكن الصراع بينهما قد يتجدد، وربما قريبًا.

خلال الأزمة التي اشتعلت بين طهران وتل أبيب، وفي ظل اتباع وتطبيق استراتيجية "قطع الرؤوس"، طُرح مشروع يدفع باغتيال المرشد الإيراني، ضمن منهجية تفكيك وتفريغ المشروع الفارسي وبنيانه من الداخل.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

تحقيق هدف إسقاط النظام السياسي الديني، والقضاء على المشروع الفارسي كرقم أساسي في بنك أهداف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، لن يُفرض بحل عسكري أو سياسي من الخارج، لكن وفق "مطبخ" السياسة الأمريكية، سيتم التجهيز لصناعته من الداخل الإيراني، عبر شبكة عملاء ستلعب على تأجيج الأوضاع الداخلية، وتفكيكه تدريجيًا بفعل الضغط الاقتصادي والعزلة، ومن ثم قد تمثل الهدنة حلقة في دائرة إسقاط النظام لتهيئة المشهد من الداخل، خاصة أن النظام الإيراني صنع شرعيته وفق مجموعة من المكاسب، أهمها البرنامج النووي والبرامج الصاروخية المتطورة.

في علم السياسة، لا يوجد شيء مستبعد من التحقق والتهيئة، ومن ثم، وفي إطار نظرة تحليلية للمشهد الإيراني، نضع قراءة استشرافية حول سيناريوهاته في حال تمرير أو صناعة فخ السقوط والانهيار لـ"نظام الخميني"، وسط حالة من الفراغ السياسي.

أولًا: سيناريو الانقلاب الناعم

وذلك من خلال احتفاظ الحرس الثوري والدولة العميقة بالبقاء في السلطة عبر تنفيذ انقلاب ناعم، يتم في إطاره تغيير "هوية النظام" من عقائدي أيديولوجي إلى عسكري ديمقراطي، والدفع بقيادة توافقية تتولى رئاسة الدولة، بما يضمن بقاء قيادات الحرس الثوري في السلطة، ويمنحها المزيد من المكاسب السياسية والعسكرية.

تأسس الحرس الثوري عقب الثورة الإيرانية عام 1979 كقوة لحماية "مكتسبات الثورة" و"ولاية الفقيه"، ولذلك فدوره ليس تقليديًا، بل يحمل طابعًا عقائديًا وسياسيًا، ويتمتع بولاء مباشر للمرشد الأعلى، وليس لرئيس الجمهورية، ما يجعله فوق العديد من مؤسسات الدولة.

قيادات الحرس الثوري الإيراني 
قيادات الحرس الثوري الإيراني 

ويسيطر على قوات عسكرية خاصة به، تشمل قوات البر والقوات الجوية والقوات البحرية (خلاف المؤسسات التابعة للجيش الإيراني)، كما يسيطر على أجهزة استخباراتية خاصة، مثل استخبارات الحرس الثوري، التي تنافس وزارة الاستخبارات الرسمية، وقوة "فيلق القدس" المسؤولة عن تنفيذ العمليات الخارجية والتدخلات في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.

يلعب دورًا كبيرًا في هندسة الانتخابات، إما بالتأثير على الترشيحات أو بدعم مرشحين معينين موالين له، ويُتهم بالتدخل في السياسات الخارجية، وخاصة في دعم "محور المقاومة"، وتوجيه قرارات الدولة بعيدًا عن الدبلوماسية التقليدية.

يدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة من خلال "مؤسسة خاتم الأنبياء" (ذراع الحرس في القطاع المدني)، التي تملك عقودًا في البنية التحتية والنفط والغاز والنقل والاتصالات، وشركات فاعلة في القطاعات الاستراتيجية، ويحصل على تمويلات مباشرة من الدولة ومن نشاطاته الاقتصادية، ويُعتقد أنه لا يخضع لرقابة مالية حقيقية.

قيادات الحرس الثوري الإيراني 
قيادات الحرس الثوري الإيراني 

يدير شبكات إعلامية ومراكز ثقافية تهدف إلى نشر رؤية أيديولوجية ثورية، ويستخدم أدوات "الحرب الناعمة" عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، ويعزز سردية "العدو الخارجي" و"الفتنة الداخلية" لتبرير وجوده.

ومن ثم، فإن "الحرس الثوري" لا يسيطر فقط بقوة السلاح، بل من خلال منظومة متكاملة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني والإعلامي، ما يجعله ليس مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة، بل "دولة داخل الدولة" لها أدواتها ورؤيتها وأجندتها الخاصة.

ثانيًا: سيناريو حراك شعبي

حدوث حالة من الحراك الثوري والشعبي تدفع إلى إسقاط النظام الإيراني وفقدانه السيطرة على مؤسسات الدولة، ومن ثم ستكون الدولة الإيرانية أمام مجموعة من الاحتمالات: 

(1)  احتمالية صعود "الحركة الخضراء"

أن يتم تصعيد أي من رموز "الحركة الخضراء" أو "التيار الإصلاحي" المعارض، وهذه الحركة تميل إلى الدولة الدستورية وترفض التوجهات الثورية والدينية، وتتمتع برصيد في الشارع الإيراني نتيجة مشاركتها في الكثير من المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها طهران على مدار السنوات الأخيرة.

يُعد التيار المدني الإصلاحي أحد أبرز ملامح الصراع الداخلي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ يعكس حالة التوتر المزمنة بين السلطة الدينية المحافظة من جهة، وبين شريحة واسعة من المجتمع الإيراني تطمح إلى التغيير التدريجي نحو دولة أكثر انفتاحًا وديمقراطية من جهة أخرى.

احتجاجات الحركة الخضراء في إيران 
احتجاجات الحركة الخضراء في إيران 

لم يظهر التيار الإصلاحي كردّ فعل سياسي فقط، بل كتحول ثقافي واجتماعي طويل الأمد، تشكّل عبر نخب فكرية وأكاديمية وطلابية، ورغم تعرضه لضربات متتالية من أجهزة الدولة، فإنه ما زال يحافظ على حضوره، خاصة بين فئة الشباب، الذين يشكّلون أكثر من 60% من سكان إيران.

ولا يُعد التيار الإصلاحي حزبًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل هو مزاج اجتماعي وثقافي متجذر في شريحة واسعة من الإيرانيين. ورغم الضربات الأمنية والإحباط السياسي، فإن هذا التيار يظل حاملًا لأمل التغيير التدريجي، لا سيما في بلد مثل إيران، حيث تتقاطع السياسة بالدين، والتاريخ بالأيديولوجيا، وربما لا يقود الإصلاحيون ثورة تغيير النظام الإيراني، لكنهم مساهمون بقوة في صناعة الوعي العام.

احتجاجات الحركة الخضراء في إيران 
احتجاجات الحركة الخضراء في إيران 

(2)  احتمالية صعود حركة "مجاهدي خلق"

بروز دور حركة "مجاهدي خلق" في المشهد السياسي والرئاسي، خاصة أن لها تاريخًا من النضال ضد النظام الإيراني، وتحمل توجهات يسارية، ولها جناح سياسي متمثل في "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، وترفع شعارات تناهض الفاشية الدينية، وتمثلها حاليًا مريم رجوي، وتتمتع بروابط قوية مع الكيانات الإيرانية المعارضة من الخارج، وتحظى بتأييد ودعم من بعض الدول العربية والأوروبية، ما قد يمكنها من تشكيل تحالف قوي يقود البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

حركة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشيفية 
حركة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشيفية 

تُعد حركة مجاهدي خلق واحدة من أكثر الحركات الإيرانية إثارة للجدل، سواء داخل إيران أو في دوائر المعارضة بالخارج، فمن جماعة مقاومة ذات طابع إسلامي يساري في سبعينيات القرن الماضي، إلى جماعة معارضة للنظام الإيراني، إلى منظمة مصنفة على قوائم الإرهاب، وتحاول إعادة تموضعها كممثل للبديل السياسي في الخارج.

غالبية التيارات الإصلاحية والعلمانية (مثل القوميين واليساريين والجمهوريين) ترفض التعاون مع "مجاهدي خلق"، وتراها غير ديمقراطية في بنيتها الداخلية، وتوجّه إليها اتهامات بتلقي دعم من أطراف خارجية أوروبية.

ورغم ضعف حضورها داخل الشارع الإيراني اليوم، فإنها ما زالت تثير اهتمامًا دوليًا بسبب خطابها المعادي لنظام الملالي، وعلاقاتها الإقليمية والغربية، ومحاولاتها الدائمة للعب دور سياسي مؤثر في الملف الإيراني.

حركة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشيفية 
حركة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشيفية 

(3)  احتمالية صعود صراع الأقليات العرقية

ربما تكون إيران على موعد مع صراع الأقليات العرقية في حالة الفراغ السياسي والتنازع على الحقوق الجغرافية والسياسية، مثل الأكراد والبلوش والعرب والتركمان والآذريين.

إيران ليست كيانًا متجانسًا عرقيًا أو لغويًا، بل هي دولة متعددة القوميات والأقليات، تشكّل النسيج السكاني لها، ومع أن النظام الإيراني يروّج لهوية "إسلامية شيعية موحدة"، فإن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ تعاني الأقليات العرقية في إيران من تهميش ممنهج وقمع سياسي وثقافي وانتهاكات لحقوق الإنسان منذ قيام نظام الخميني عام 1979.

هذا الصراع سيضع طهران في دائرة النزعة الانفصالية، لا سيما أن بعض الأقليات قد تستغل الفراغ الأمني والسياسي لإعلان مناطق حكم ذاتي أو حتى الاستقلال، ما يفتح الباب أمام الفوضى وانتشار السلاح والحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية، وظهور الميليشيات المسلحة، سواء المحلية أو المدعومة من الخارج، بهدف تفكيك وحدة إيران الجغرافية، وإنهاء فكرة المشروع الفارسي التوسعي تمامًا.

ثالثًا: سيناريو الحل الخارجي

مع تصاعد الحديث عن مستقبل إيران في حال انهيار النظام الحالي، يطرح بعض المعارضين، خصوصًا من التيار الملكي الليبرالي، اسم رضا بهلوي، نجل الشاه محمد رضا بهلوي، كـ"رمز انتقالي" قادر على توحيد صفوف المعارضة وقيادة المرحلة المؤقتة نحو الديمقراطية.

لكن هذا الطرح، رغم ما فيه من رمزية تاريخية لبعض الفئات، يُواجَه بتحفظات كبيرة من أطياف واسعة من المعارضة الإيرانية، كما يثير تساؤلات حقيقية حول مدى شرعيته وواقعيته ومدى قبوله داخليًا وخارجيًا.

يتلقى بهلوي دعمًا مباشرًا من النخب الاقتصادية والثقافية الإيرانية المقيمة في الخارج، لا سيما التي تعيش في أمريكا وكندا، ويتركز خطابه الإعلامي والسياسي في إطار قومي وحدوي، ويرفض أي نزعة انفصالية أو فيدرالية قومية، ويطالب بوحدة إيران تحت حكم مركزي ديمقراطي.

محمد رضا بهلوي
محمد رضا بهلوي

تعتبره إسرائيل شخصًا قابلًا للتفاوض والحوار أو التنسيق في مرحلة ما بعد نظام الخميني، فضلًا عن دعمه من قبل بعض الجهات في أوروبا وأمريكا، التي تعتبره وجهًا "قابلًا للتسويق"، لكنه ليس الخيار الوحيد، في ظل التخوف من انفجار داخلي إذا فُرض كحل دون توافق شعبي.

الكثير من دوائر صناعة القرار ترى توظيفه كورقة سياسية في مرحلة إعادة ترتيب البيت الإيراني، في إطار طرحه كخيار من ضمن خيارات متعددة داخل عملية ديمقراطية، دون فرضه كممثل حصري وبديل للنظام الإيراني، خاصة أن محاولة فرضه ستعيد إنتاج صراعات ما قبل 1979، لا سيما أن وسائل الإعلام الأمريكية نشرت تقارير حول لقاءات متكررة بين رضا بهلوي وأعضاء في الكونغرس الأمريكي لمناقشة ترتيبات ما بعد سقوط النظام الإيراني، باعتباره أحد الحلول المطروحة لقيادة المرحلة الانتقالية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء