رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حرب المرتزقة: عقوبات أمريكية تضرب قنوات التجنيد وتمويل الصراع السوداني

مقاتلين كولومبيين
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

كشفت التطورات الأخيرة عن تورط شبكات منظمة وعابرة للحدود، مقرها في كولومبيا وبنما، في تجنيد مقاتلين محترفين وإرسالهم إلى بؤر الصراع الدولية الساخنة، إذ تستغل هذه الشبكات الخبرة القتالية الكبيرة التي يتمتع بها آلاف العسكريين والمتقاعدين الكولومبيين، وتستخدم شركات غطاء في بنما كواجهة قانونية ومالية لتوقيع العقود وإخفاء تدفقات الأموال الضخمة.

وقد سُلِّط الضوء مؤخرًا على نشاط هذه الشبكة بشكل مكثف لتجنيد وتدريب مئات المقاتلين لتعزيز صفوف قوات الدعم السريع في السودان، ما ساهم في تأجيج الصراع وارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك تجنيد الأطفال للقتال.

وفي ردٍّ على الدور المحوري لهذه الشبكات في تصعيد العنف، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية (أوفاك) فرض عقوبات تستهدف أفرادًا وكيانات رئيسية داخل هذه المنظومة. وشملت العقوبات أربعة أفراد وأربع شركات على الأقل، بتهمة تزويد قوات الدعم السريع بالدعم العسكري والتدريب على الأسلحة المتقدمة، مثل الطائرات المسيّرة، مما دعم قدراتها القتالية في معارك حاسمة، مثل السيطرة على الفاشر.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

وتؤكد واشنطن أن هذه العقوبات تستهدف بشكل خاص المسارات المالية واللوجستية التي تعتمد على كيانات في بنما لتمرير الأموال وتجنيد المقاتلين، بهدف خنق عمليات الشبكة وقطع الإمدادات عن أطراف الصراع.

هيكلية ونشأة شبكات الارتزاق العابرة للحدود

تواجه كولومبيا أزمة متنامية تتمثل في تحولها إلى مورد رئيسي للمقاتلين المرتزقة حول العالم، حيث تستغل شبكات دولية وجود عدد هائل من العسكريين السابقين والمتقاعدين ذوي الخبرة القتالية العالية. هذه الشبكات، التي غالبًا ما تعمل تحت غطاء شركات أمن خاصة، تستقطب هؤلاء الأفراد بعروض مالية مغرية تفوق بكثير رواتبهم التقاعدية المنخفضة، مستفيدة من عدم وجود تشريعات كولومبية صارمة تُجرّم عمل المرتزقة في الخارج.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

أما بنما، فتُعد حجر الزاوية في الهيكل اللوجستي والمالي لهذه الشبكات العابرة للحدود، حيث تُستخدم الشركات المسجلة في بنما، مثل "تالنت بريدج" وشركات سابقة لها، كواجهات رسمية لتوقيع العقود وتسلم وتحويل الأموال الدولية؛ لذلك يسمح هذا الترتيب للشبكة بإضفاء شرعية ظاهرية على عملية تجنيد ونقل المقاتلين، ويُخفي العلاقة المباشرة بين المقاتلين والجهات المستفيدة منهم، ما يجعل بنما محطة ضرورية لإتمام الصفقات وتسهيل حركة الأفراد قبل توجههم إلى مناطق النزاع.

ولا يقتصر دور الشبكات على مجرد التجنيد، بل يشمل توفير تدريب تخصصي متقدم يركز على المهارات القتالية الحديثة والمطلوبة في صراعات اليوم. تشمل هذه التدريبات كيفية تشغيل الطائرات المسيّرة لأغراض الاستطلاع والهجوم، بالإضافة إلى تدريبات متقدمة على المدفعية الثقيلة والتكتيكات القتالية المعقدة.

هذا التركيز على الخبرات النوعية هو ما يجعل المقاتلين الكولومبيين جذابين للجهات الأجنبية التي تسعى إلى تعزيز قواتها بأفراد مدربين على أحدث تقنيات الحرب.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

تكنولوجيا الحرب.. الصراع في السودان والمهام القتالية

شهدت الأشهر الأخيرة موجة تجنيد واسعة النطاق لمئات المقاتلين الكولومبيين السابقين، جرى نشرهم بشكل سري في السودان لتقديم الدعم العسكري الحاسم لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني. هذا التدخل الأجنبي المباشر رفع من وتيرة الصراع وأثر بشكل كبير على موازين القوى في معارك رئيسية، ما يؤكد أهمية الخبرة القتالية التي يجلبها هؤلاء المرتزقة إلى ساحة المعركة.

وأبرز ما يميز المقاتلين المجندين من كولومبيا هو خبرتهم في تكنولوجيا الحرب الحديثة بدلًا من القتال التقليدي، إذ تفيد التقارير بأن أدوارهم الرئيسية تركزت على تشغيل الطائرات المسيّرة، وتنفيذ مهام استطلاع حساسة، والإشراف على نيران المدفعية الموجهة. وساهمت هذه الخبرات المتقدمة، بالإضافة إلى تدريب القيادات الميدانية المحلية، في تطوير القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع ورفع كفاءتها القتالية بشكل ملحوظ في مناطق الصراع الحضرية والنائية.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

وارتبط المقاتلون المرتزقة في السودان بوقوع انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وتشمل الاتهامات عمليات قتل عشوائية واستهدافًا ممنهجًا للمدنيين والعنف الجنسي، لكن الأهم من ذلك تورط الشبكة في تدريب قوات الدعم السريع على تجنيد الأطفال واستخدامهم كجنود، مما يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ويزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية والأمنية في المنطقة.

العقوبات الأمريكية والتأثير المباشر على شبكات التجنيد

تحركت وزارة الخزانة الأمريكية بقوة لقطع الشرايين المالية واللوجستية التي تغذي الصراع في السودان، وتأتي هذه العقوبات، التي فرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، لتؤكد إصرار واشنطن على معاقبة أي طرف خارجي يساهم في تأجيج الحرب عبر تزويد أطراف النزاع بالدعم العسكري والتقني الحاسم.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

وتستهدف العقوبات الأمريكية بشكل رئيسي الشق المالي للشبكة، حيث تفرض تجميدًا فوريًا لأي أصول مملوكة للأفراد والكيانات المستهدفة ضمن الولاية القضائية الأمريكية، وتحظر على أي مواطن أو شركة أمريكية التعامل معهم.

ويهدف هذا الإجراء إلى تعطيل قدرة الشبكة على تلقي الأموال من الجهات الداعمة لقوات الدعم السريع، ووقف استخدام الشركات البنمية كقنوات لغسل الأموال وتسهيل حركة المقاتلين، مما يوجه ضربة قوية لنموذج عملها.

وبعيدًا عن الأثر المالي المباشر، تحمل العقوبات الأمريكية رسالة ردع قوية للمقاتلين المحتملين والمؤسسات المالية التي تسهّل عمليات الارتزاق، حيث تضع هذه الخطوة أصحاب الشركات والوسطاء تحت المجهر الدولي، مما يزيد من صعوبة عملهم في ظل نظام مالي عالمي يراقب عن كثب التعاملات المشبوهة. وتُعد هذه الخطوة مرحلة أولى ضمن جهود دولية أوسع لمطالبة الحكومات الإقليمية في أمريكا اللاتينية بتعزيز قوانينها لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

التحديات والتداعيات المستقبلية

تُبرز العقوبات الأمريكية والحوادث المتكررة حاجة ملحّة لتعزيز الأطر القانونية في كولومبيا وبنما لمكافحة ظاهرة الارتزاق. ففي كولومبيا، هناك دعوات متزايدة لتشريع قوانين تُجرّم صراحة تجنيد المواطنين للقتال في الخارج وتحدد عقوبات رادعة على شركات الأمن الخاصة المتورطة. وفي بنما، يجب تشديد الرقابة على سجلات الشركات وتدفقات الأموال الدولية لضمان عدم استخدام الكيانات التجارية كأدوات لتبييض الأموال وتسهيل الأنشطة غير المشروعة.

كما يشكل استمرار تصدير المقاتلين الكولومبيين تهديدًا أمنيًا لا يقتصر على مناطق النزاع فحسب، بل يمتد إلى المنطقة الأم؛ فعودة مقاتلين ذوي خبرة قتالية عالية، ممن تعرضوا للتطرف والتدريب على تكتيكات متقدمة، يمكن أن تزيد من عدم الاستقرار في أمريكا اللاتينية وتغذي أنشطة الجريمة المنظمة.

مقاتلين كولومبيين - أرشيفية
مقاتلين كولومبيين - أرشيفية

وفي ضوء ما سبق، يجب على المجتمع الدولي، لا سيما الأمم المتحدة، رفع مستوى المراقبة لشبكات المرتزقة العابرة للحدود، واعتماد نهج أكثر صرامة في تطبيق الاتفاقيات الدولية التي تُجرّم عمل المرتزقة.

ويتطلب ذلك تنسيقًا استخباراتيًا وماليًا أكبر بين الدول لتبادل المعلومات حول الأفراد والشركات المتورطة، وتوفير الدعم التقني للحكومات المتضررة لملاحقة هذه الشبكات قضائيًا وإغلاق الثغرات القانونية التي تستغلها لتجنيد وتدريب المقاتلين.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء