داعش يعود من بوابة فلسطين: توظيف المقاومة لتبييض الإرهاب
شهد العقد الثاني من الألفية الجديدة نشأة تنظيم "داعش" الإرهابي، وبلغ أوج نشاطه التنظيمي والإرهابي في عام 2014، حين تم الإعلان عن قيام خلافته المزعومة، وانضمام عشرات الآلاف من المتطرفين حول العالم إلى خلافته بقيادة أبو بكر البغدادي.
شهدت عمليات التنظيم الإرهابي معظم دول الشرق الأوسط مثل مصر وليبيا وتركيا، وأيضًا الدول الأوروبية مثل بلجيكا وفرنسا وبريطانيا، وكذلك الولايات المتحدة، لكن لوحظ بشكل كبير اختفاء إسرائيل ومصالحها المنتشرة حول العالم من بنك أهداف التنظيم الإرهابي، الأمر الذي يوحي بوجود ثمة ارتباط بين الطرفين.
شهد تنظيم "داعش" منذ عام 2017 أفولًا كبيرًا في حاضنته الرئيسية في مدينتي الرقة في سوريا والموصل في العراق، نتيجة للجهود الدولية المشتركة في ذلك الوقت لوقف تمدد التنظيم التكفيري المسلح، الذي طالت عملياته العسكرية معظم قارات العالم تقريبًا.

ففي العراق، قام التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة، رفقة القوات العراقية المدعومة من قوى الحشد الشعبي، بمطاردة التنظيم من موضع إلى آخر، حتى تم تحرير مدينة الموصل بالكامل. وفي سوريا، ساهمت ميليشيات "قوات سوريا الديمقراطية" بالتعاون مع الولايات المتحدة في تنفيذ العديد من الضربات الموجعة للتنظيم، مما أدى إلى تراجع التنظيم على الأرض وخسارته معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها في عام 2016، ووصل الأمر ذروته في أكتوبر 2019، حين تم اغتيال زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.
ولا يمكن أيضًا نكران دور الميليشيات السورية الأخرى في محاربة التنظيم، مثل قوات هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقًا"، والعديد من الميليشيات المحلية في هزيمة التنظيم، بالإضافة إلى بعض المساهمات من الجيش العربي السوري. وبخسارة التنظيم، انحسرت هجماته المسلحة وكذلك قدراته التنظيمية التي بلغت أوجها في عام 2016.
لم تشهد إسرائيل خلال تلك الفترة، من عام 2016 وحتى 2019، وهي الفترة التي كان ينشط فيها داعش بشكل ملحوظ، أي هجمات محتملة من التنظيم الإرهابي، إذ بقيت في مناعة أمنية من هجمات داعش، عكس بقية الدول في المنطقة التي اكتوت بنار التنظيم.

العودة من جديد
من المؤكد أن "داعش"، بالإضافة إلى خسارته الأراضي التي كان يستولي عليها، خسر أيضًا المزيد من الحواضن الشعبية التي كانت تمده بالمقاتلين والانتحاريين. وإزاء تلك الهزائم المتكررة، لجأ التنظيم مؤخرًا إلى اتخاذ العديد من السياسات التي من شأنها، أولًا، إيجاد مناطق جديدة تسمح له بالانطلاق من جديد، وأيضًا إيجاد حواضن شعبية تسمح له بتجنيد المزيد من المتطرفين والعملاء.
فيما يخص المناطق، فتدور التحليلات حاليًا حول منطقتين، هما ولاية بونتلاند بشمال الصومال، التي ينشط فيها التنظيم منذ سنوات تحت قيادة عبد القادر مؤمن، الملقب بالإرهابي ذي اللحية الحمراء، وأيضًا الفلبين، التي باتت تشكل مؤخرًا نقطة انطلاق مهمة لعمليات التنظيم. فعلى سبيل المثال، كانت مانيلا نقطة انطلاق للمواطن الكيني شولو عبدي عبد الله، الذي اتهمته الولايات المتحدة في عام 2020 بالتدريب على الطيران في الفلبين تمهيدًا لتنفيذ هجمات إرهابية عبر اختطاف طائرات مدنية على غرار أحداث 11 سبتمبر 2001.
وفي الفلبين أيضًا، كانت نقطة انطلاق كل من نافيد أكرم وولده ساجد، اللذين نفذا هجمات شاطئ سيدني الأخيرة تجاه اليهود في شاطئ بوندي بمدينة سيدني الأسترالية أثناء الاحتفال بعيد حانوكا العبري.

وقبيل تنفيذ عملية شاطئ بوندي الأسترالي، نجحت عناصر لتنظيم "داعش" في تنفيذ كمين قرب مدينة دمشق، أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين وإصابة آخرين، إذ كانت القوة الأمريكية رفقة القوات السورية في مهمة مشتركة لمحاربة التنظيم في سوريا والقضاء على فلوله. وجدير بالذكر أن سوريا، بقيادة أحمد الشرع، قد انضمت في الشهر الماضي إلى التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، وقامت السلطات السورية خلال الشهر الماضي، تزامنًا مع زيارة الشرع إلى واشنطن، بعدة ضربات استباقية ضد التنظيم. ومؤخرًا، في 17 ديسمبر الحالي، أعلنت دمشق عن نجاحها في تفكيك خلية مرتبطة بداعش ومقتل قائدها، ويقال إن تلك الخلية كانت على صلة بحادث مقتل الجنديين الأمريكيين.

بوادر داعش في إسرائيل
رغم مرور أكثر من عشر سنوات على نشأة التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، أعلنت الصحف الإسرائيلية، مثل "يديعوت أحرونوت"، مؤخرًا في 17 ديسمبر، أن جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) ألقى القبض على شابين من عرب 48 على صلة بتنظيم داعش الإرهابي.
تابعت الصحيفة وقالت إن الشابين، أحدهما من مدينة عكا والآخر من قرية دبورية بالجليل ويدعى كنان عزايزة، قد بايعا التنظيم وعزما على السفر أولًا إلى الولايات المتحدة، ثم التوجه إلى دولة أخرى معادية لإسرائيل (العراق) لتلقي التدريبات اللازمة. وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أنه تم القبض عليهما في 10 نوفمبر الماضي، ووجهت لائحة اتهام ضد عزايزة في محكمة الناصرة، فيما ظل الثاني قيد الاحتجاز. وخلال التحقيقات، أقر عزايزة بمبايعة التنظيم واستعداده لشن هجمات إرهابية على جنود الجيش الإسرائيلي وتعلم تصنيع القنابل، كما كان من المفترض أن يخضع لبرنامج تدريب متقدم على الأسلحة في الولايات المتحدة.
وقبل قضية عزايزة، ظهرت قضية شاب عربي آخر، وهو نجيب ديك من بلدة باقة الغربية بلواء حيفا، والذي قدمت له لائحة اتهام تتضمن انضمامه لتنظيم داعش الإرهابي والتخطيط لهجوم مميت على الجنود الإسرائيليين.
دوما فلسطين
الظهور المفاجئ لداعش على الساحة الإسرائيلية والفلسطينية بعد عشر سنوات من تأسيس التنظيم الإرهابي يعد أمرًا مريبًا ومثيرًا في الوقت نفسه، الأمر الذي يطرح تساؤلًا: أين كان داعش إبان الفترة الماضية؟ وأين كان مقاتلوه أثناء الحرب على غزة؟ لذا، فالظهور الأخير له العديد من الاحتمالات، أبرزها:
البحث عن حواضن جديدة:
تعد القضية الفلسطينية وقضية القدس قضية خصبة في العالم الإسلامي، فعلى مدار التاريخ منذ نشأة إسرائيل، شكلت القضية الفلسطينية مادة دعائية خصبة للأنظمة السياسية والتنظيمات السياسية بمختلف توجهاتها. فعلى سبيل المثال، حينما همّ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بمد نفوذه السياسي في العالم العربي، استغل القضية الفلسطينية في الولوج إلى النفوس العربية والإسلامية، متخذًا من حادث سفينة المساعدات التركية "مرمرة" في عام 2010 ذريعة لتبرير ذلك النفوذ المتزايد. وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، كانت قضية القدس حاضرة بقوة في مفردات الطرفين؛ فإيران دشنت وقتها فيلق القدس لمحاربة الجيش العراقي، وبغداد أنشأت معسكرات القدس لتدريب قواتها على محاربة الإيرانيين.

لذا، قد يكون استدعاء "داعش" لمركزية القضية الفلسطينية يمثل محاولة بائسة من أجل إيجاد حواضن جديدة له، خاصة في ظل تنامي الشعور القومي والإسلامي المناهض للسياسات الإسرائيلية. وقد تكون عمليته الأخيرة في شاطئ بوندي، وقبلها استهداف الجنود الأمريكيين، ما هي إلا محاولة من التنظيم لجذب مؤيدي القضية الفلسطينية إلى صفوفه.
تشويه القضية الفلسطينية:
يعد هذا الاحتمال قويًا للغاية، فقد تلجأ المخابرات الإسرائيلية إلى محاولة ربط القضية الفلسطينية بتنظيم داعش الإرهابي، خاصة في ظل حالة التعاطف الدولي الناشئة مع القضية الفلسطينية. فإسرائيل مؤخرًا أبدت انزعاجها مما يسمى "عولمة القضية الفلسطينية"، إذ بات نشطاء القضية الفلسطينية يحاصرون السياسات الإسرائيلية في معظم الدول الأوروبية، مما شكل ضغطًا متزايدًا على حكومات تلك الدول لفرض سياسات معادية لإسرائيل، أبرزها الاعتراف بفلسطين وشن حملات مقاطعة للمنتجات الإسرائيلية التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية. لذا، قد تكون هناك محاولة لربط داعش بالقضية الفلسطينية من أجل تشويه تلك القضية في المجتمعات الغربية، خاصة أن داعش يحمل صورة سلبية في المجتمعات الأوروبية، مما قد يؤثر بالسلب على القضية الفلسطينية في حال تبني داعش لتلك القضية الرمزية.

ومما يثبت وجود ارتباط وثيق بين داعش والمخابرات الإسرائيلية (الشاباك) هو لجوء الأخيرة إلى تشكيل ميليشيات مناوئة لحركة حماس في غزة، مثل ميليشيا عائلة دغمش، التي لها ماضٍ تاريخي في الانضمام إلى تنظيمي القاعدة وداعش. فعلى سبيل المثال، يعد ممتاز دغمش أحد مؤسسي الجناح العسكري لتلك العائلة، الذي أسس ما يسمى "جيش الإسلام"، والذي ارتبطت أعماله الإرهابية في مصر، وتحديدًا تفجير كنيسة القديسين في يناير 2011، كما ارتبط بالعديد من الأعمال الإرهابية ضد جنود الجيش المصري في سيناء خلال الفترة من 2011 وحتى 2016.

أما ميليشيا القوات الشعبية، التي أسسها ياسر أبو شباب، فقد ضمت في طياتها العديد من العناصر الإرهابية، مثل غسان الدهيني، الذي سبق له أيضًا الانضمام إلى ما يسمى "جيش الإسلام" تحت قيادة دغمش. ويعد الدهيني حاليًا قائد ميليشيا أبو شباب، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بإسرائيل، إذ سبق أن قدمت له تل أبيب خدمة العلاج في مستشفياتها عقب إصابته في الاشتباك الأخير الذي قُتل فيه أبو شباب.
ختامَا:
تعرف إسرائيل جيدًا عملية توظيف الجماعات المتطرفة، وإن بدت مغايرة لها، في تشويه القضية الفلسطينية. فسبق لها في الماضي، وتحديدًا في عام 1982، أن استغلت نشاطات منظمة أبو نضال الفلسطينية المتطرفة، التي كان يقودها المدعو صبري البنا "أبو نضال"، في تنفيذ أهدافها وسياساتها. فقد وفرت عمليات صبري البنا الذريعة القانونية والسياسية لإسرائيل من أجل تنفيذ هدفها بالتخلص من منظمة التحرير الفلسطينية وطردها من لبنان في عام 1982، إذ استغلت تل أبيب محاولة اغتيال سفيرها في لندن، شلومو أرجوف، على يد منظمة أبو نضال، من أجل شن حرب برية موسعة لطرد منظمة التحرير من بيروت .


