رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من التبعية إلى البراجماتية: أوروبا تصنع أوراق قوتها بعيدًا عن واشنطن

قادة الاتحاد الأوروبي
قادة الاتحاد الأوروبي - أرشيفية

بينما كانت توازنات القوى العالمية تستقر لعقود على متانة الحلف الأطلسي، جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة وهجمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللفظية لتعيد تعريف الصداقة بين ضفتي المحيط، إذ يعكس التوجه نحو السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية (ميركوسور) واقعًا جديدًا؛ وهو أن أوروبا قررت الرد على وصف قادتها بـ"الضعفاء" من خلال تنويع أوراق قوتها الاقتصادية والعسكرية، معلنةً بذلك بداية مرحلة "البراجماتية الاضطرارية" في مواجهة تقلبات البيت الأبيض.

اليوم، لم تعد الاستقلالية الاستراتيجية مجرد طموح فرنسي قديم، بل أصبحت عقيدة جماعية للاتحاد الأوروبي، ويبرز ذلك في محاولات خروج بروكسل من منطقة الأمان التاريخي لتبحث عن سيادتها في أسواق وتحالفات بعيدة، بهدف تقليص الاعتماد على واشنطن، والارتباط بـ"ميركوسور" في إعلان أوروبي صريح عن النضج الجيوسياسي، ردًا على حليف بات يرى في حلفائه القدامى عبئًا لا شريكًا.

صدمة "القيادة" وتآكل الثقة الأطلسية

أحدثت التصريحات الهجومية للرئيس ترامب، التي وصف فيها القادة الأوروبيين بـ"الضعف" ودولهم بـ"المتداعية"، هزة عنيفة في أروقة صنع القرار ببروكسل، متجاوزةً حدود السجال الدبلوماسي لتصل إلى تشكيك علني في جدوى التحالف التاريخي بين ضفتي الأطلسي.

 قمة ميركوسور - أرشيفية 
 قمة ميركوسور - أرشيفية 

وعكس هذا الخطاب العدائي تحولًا جذريًا في نظرة واشنطن إلى القارة العجوز، مما وضع العواصم الأوروبية أمام حقيقة مفادها أن المظلة السياسية والأمنية لأمريكا لم تعد مضمونة أو غير مشروطة كما كانت في العقود الماضية.

وفي خطوة ضاعفت القلق الأوروبي، جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة لتدفع بالعلاقات نحو منطقة رمادية؛ حيث دعت واشنطن صراحةً إلى "تعزيز المقاومة" داخل القارة، وهو ما قرأته النخبة السياسية في أوروبا كرسالة مبطنة لرفع يد الحماية الأمريكية، وتنبيه الاتحاد الأوروبي بضرورة تحمل أعباء أمنه بنفسه. هذه الاستراتيجية عمّقت الفجوة بين الحليفين، وحوّلت الشعور بـ"الأمان الاستراتيجي" الذي كانت توفره واشنطن إلى "قلق وجودي" دفع بروكسل إلى إعادة تقييم ارتباطاتها العسكرية والسياسية بشكل جذري.

تسبب ما سبق في صحوة بروكسل نحو ما يُعرف بـ"الاستقلال الاستراتيجي"؛ فلم يعد الطموح الأوروبي في تقليص التبعية لواشنطن مجرد شعار سياسي لتيارات اليمين أو اليسار، بل تحول إلى خطة طوارئ رسمية.

وقد بدأت المفوضية الأوروبية بالفعل في ترجمة هذا الرد عبر تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة، تهدف إلى بناء كيان أوروبي أكثر صلابة وقدرة على المناورة بعيدًا عن تقلبات الإدارات الأمريكية، وهو ما يمثل بداية النهاية لعصر التبعية المطلقة للبيت الأبيض.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

 "ميركوسور" كبديل استراتيجي

في رد فعل عملي على سياسات واشنطن "الانعزالية"، سارعت المفوضية الأوروبية إلى تنشيط قنوات التواصل مع السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية (ميركوسور)، واضعةً هذا الملف على رأس أجندتها الاقتصادية لكسر حلقة الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية.

وتوجه بروكسل نحو الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي يتجاوز كونه صفقة تجارية تقليدية، بل هو تحرك "جيوسياسي" يهدف إلى خلق توازن قوى جديد يسمح لأوروبا بالمناورة في حال اندلاع حروب تجارية أطلسية أو فرض رسوم جمركية عقابية من قِبل إدارة ترامب.

ويسعى الاتحاد الأوروبي من خلال هذا التقارب إلى تأمين وصول ميسّر إلى المواد الخام الحيوية والطاقة، بالإضافة إلى فتح أسواق استهلاكية ضخمة أمام الشركات الأوروبية، لا سيما في قطاعي السيارات والتكنولوجيا، إذ يمثل هذا الاختراق نحو الجنوب محاولة أوروبية جادة لاستعادة دورها كلاعب تجاري عالمي مستقل، قادر على صياغة تحالفات عابرة للقارات دون الحاجة إلى مباركة واشنطن، كما أنه يقطع الطريق أمام التمدد الصيني المتزايد في منطقة كانت تُعتبر تاريخيًا "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة.

ومع ذلك، تواجه هذه الاستدارة تحديات داخلية معقدة، حيث تحاول بروكسل الموازنة بين حاجتها الاستراتيجية للبديل اللاتيني وبين ضغوط اللوبيات الزراعية في دول مثل فرنسا، التي تخشى من تدفق المنتجات الجنوبية، إلا أن الضغوط التي مارسها ترامب والتلويح بضعف القارة دفعا القادة الأوروبيين إلى تغليب المصلحة الجيوسياسية العليا على المخاوف القطاعية، مما جعل من إتمام اتفاقية "ميركوسور" حجر الزاوية في استراتيجية الهروب الكبير من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.

قادة الاتحاد الأوروبي  - أرشيفية
قادة الاتحاد الأوروبي  - أرشيفية

سيناريوهات فك الارتباط بواشنطن

تتجه الأنظار نحو صياغة "عقد اجتماعي جيوسياسي" جديد يربط بروكسل بالجنوب العالمي، حيث لم يعد التعاون مع دول "ميركوسور" ومحيطها مجرد خيار تجاري، بل ركيزة أساسية في سيناريو القطب الأوروبي الثالث. هذا المسار يهدف إلى تحويل أوروبا من طرف تابع في الصراع الأمريكي-الصيني إلى "شريك قائد" في نظام دولي متعدد الأقطاب، يعتمد على بناء تحالفات استراتيجية مع القوى الصاعدة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، مما يمنح الاتحاد الأوروبي مرونة كافية لامتصاص الصدمات السياسية القادمة من البيت الأبيض.

وفيما يخص سيناريوهات الخروج من العباءة الأمريكية، تتبلور ملامح الاستقلال الهيكلي عبر مسارين متوازيين: الأول عسكري، من خلال تسريع وتيرة التصنيع الدفاعي المشترك لتقليل الاعتماد على منظومات "الناتو" التي تسيطر عليها واشنطن؛ والثاني مالي، عبر تعزيز الدور الدولي لليورو في المعاملات التجارية مع الشركاء الجنوبيين لتقليص سطوة "سلاح الدولار".

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

تشير هذه التحركات إلى أن بروكسل بدأت بالفعل في هندسة بنية تحتية سياسية واقتصادية تضمن لها البقاء والمنافسة حتى في حال تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة.

ومع ذلك، يظل مستقبل هذه الاستقلالية رهينًا بقدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز انقساماته الداخلية وتحويل تهديدات ترامب إلى فرصة لتوحيد السياسات الخارجية؛ فبينما يرى المتفائلون أن الضغط الأمريكي سيعجّل بظهور أوروبا الجيوسياسية كقوة عظمى مستقلة تتحرك بحرية بين الشرق والغرب، يخشى آخرون من أن تؤدي هذه الاستدارة نحو الجنوب إلى صدام مباشر مع المصالح الأمريكية التقليدية.

ختامًا:

 يتضح أن أوروبا بدأت فعليًا في إعادة هندسة مكانتها الاستراتيجية على الساحة الدولية، مستفيدة من تحولات السياسة الأمريكية وتهديداتها المستمرة للحلفاء التقليديين. إن التوجه نحو السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية (ميركوسور) لا يمثل مجرد خيار تجاري، بل خطوة جيوسياسية مدروسة لتقليص الاعتماد على واشنطن، وبناء استقلالية أوروبية حقيقية على الصعيدين العسكري والاقتصادي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز الانقسامات الداخلية وتوحيد السياسات الخارجية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية القادمة من الداخل والخارج. في نهاية المطاف، يشير هذا المسار إلى ولادة أوروبا جيوسياسية أكثر نضجًا ومرونة، قادرة على المناورة في عالم متعدد الأقطاب دون الوقوع تحت عباءة أي قوة أحادية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء