من يفض الاشتباك بين صحة «العضوية والفوز».. النقض أم الإدارية؟| تقرير
مع كل استحقاق انتخابي تتجدد الأسئلة حول حدود الرقابة القضائية، والجهة المختصة بالفصل في النزاعات الانتخابية، وما إذا كان الطعن موجهاً إلى إجراءات الانتخاب أم إلى العضوية النيابية ذاتها.
هذه الإشكالية لا تمثل خلافاً إجرائياً فحسب، بل تعكس جوهر التوازن الدستوري بين السلطات، وضمانة نزاهة العملية الديمقراطية، وصون حق التقاضي بوصفه أحد أعمدة دولة القانون للخروج بمجلس نيابي مُحقق النزاهة.
في هذا التقرير المفصل عبر إيجبتكِ نرصد الإطار الدستوري والقانوني المنظم لعملية الطعون الانتخابية ، ونكشف الفارق الجوهري بين صحة الفوز وصحة العضوية، مع توضيح اختصاص كل من المحكمة الإدارية العليا ومحكمة النقض، في ضوء النصوص الدستورية وأحكام دائرة توحيد المبادئ.
أولاً: الفرق بين صحة الفوز وصحة العضوية
- صحة الفوز: تتعلق بالإجراءات الانتخابية السابقة على إعلان النتيجة النهائية، مثل الاقتراع، والفرز، والحصر العددي للأصوات، وإعلان الإعادة.
- صحة العضوية: لا تُثار إلا بعد إعلان فوز مرشح بعينه واكتسابه العضوية النيابية، وتصبح العضوية قائمة قانوناً.
القاعدة الحاكمة:
لا طعن في صحة العضوية إلا إذا كانت العضوية قد اكتُسبت فعلاً، ولا تكتسب إلا بقرار إعلان الفوز.
ثانياً: الاختصاص القضائي بين المحكمة الإدارية العليا ومحكمة النقض
أ- اختصاص المحكمة الإدارية العليا
تختص المحكمة الإدارية العليا باعتبارها قاضي المشروعية بالفصل في:
- الطعون المتعلقة بإجراءات الاقتراع أو الفرز.
- القرارات السابقة على إعلان الفوز، ومنها:
- إعلان الإعادة بين بعض المرشحين.
- المخالفات الإجرائية المؤثرة على نزاهة العملية الانتخابية.
- شطب المرشحين من القوائم النهائية.
ب- اختصاص محكمة النقض
اختصاص دستوري حصري، ويقتصر على:
- الفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب.
- الطعون التي تُقدم بعد إعلان النتيجة النهائية بالفوز.
- إبطال العضوية إذا ثبت بطلانها، من تاريخ إخطار المجلس بالحكم.
حكم دائرة توحيد المبادئ أكد أن:
محكمة النقض لا تملك النظر في القرارات السابقة على إعلان الفوز، لأنها لا تنطوي على عضوية مكتسبة.

ثالثاً: هل يجوز التظلم من إجراءات الاقتراع أو الفرز؟
نعم، وفقاً لنص المادة 54 من قانون مباشرة الحقوق السياسية:
- يجوز لذوي الشأن التظلم من أي إجراء من إجراءات الاقتراع أو الفرز.
- يُقدم التظلم إلى اللجنة العامة المختصة:
- أثناء الاقتراع، أو
- خلال 24 ساعة من إعلان الحصر العددي للأصوات.
- تلتزم الهيئة الوطنية للانتخابات بالفصل في التظلم خلال 24 ساعة بقرار مسبب.
- يجوز إلغاء الانتخابات كلياً أو جزئياً متى ثبت وجود عيب جوهري مؤثر في النتيجة.
رابعاً: هل يجوز الطعن على قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات؟
نعم، ولكن بعد التظلم وجوباً.
تنص المادة 55 على عدم قبول الدعاوى المتعلقة بالاقتراع أو الفرز إلا بعد سلوك طريق التظلم المنصوص عليه قانوناً.

خامساً: من يملك شطب المرشح؟
وفقاً للمادة 52:
- إذا ثبت ارتكاب المرشح مخالفة للدستور أو القانون أو ضوابط الدعاية:
- يتقدم رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات بطلب إلى المحكمة الإدارية العليا.
- تفصل المحكمة على وجه السرعة.
- الحكم إما بالرفض أو بشطب اسم المرشح من القائمة النهائية.
سادساً: ما المترتب على صدور حكم بشطب المرشح؟
طبقاً للمادة 53:
- قبل الاقتراع: تُستكمل العملية الانتخابية دون المرشح المشطوب.
- أثناء الاقتراع:
- تُوقف النتيجة إذا كان المرشح مؤهلاً للفوز أو الإعادة.
- تُعاد الانتخابات بين باقي المرشحين إذا قُضي بشطبه.
- في جميع الأحوال:
- الحكم واجب النفاذ فوراً.
- يُنشر ملخصه في الجريدة الرسمية وصحيفتين يوميتين.

سابعاً: هل يجوز فتح باب الترشح من جديد؟
لا يجوز قانوناً.
آخر إجراء قانوني محصن هو تحديد موعد الاقتراع الأول، وتُعاد العملية الانتخابية بين المرشحين القائمين فقط دون فتح باب الترشح، إلا إذا…..
ثامناً: خلو مقعد أو مكان مرشح بالقائمة
- عالج الدستور (مادة 108) وقانون مجلس النواب هذه الحالة:
- يُستبدل المرشح بآخر احتياطي من ذات الصفة.
- إن لم يوجد، يُستكمل العدد وفق ترتيب الاحتياطيين.
- لا يؤثر خلو المكان على موعد الانتخاب.
تاسعاً: الجهة المختصة بصحة عضوية النواب ومقولة “سيد قراره”
المادة 107 من الدستور والمادة 29 من قانون مجلس النواب:
- تختص محكمة النقض وحدها بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب.
- الطعن خلال 30 يوماً من إعلان النتيجة.
- الفصل خلال 60 يوماً.
- تبطل العضوية من تاريخ إخطار المجلس بالحكم.

عاشراً: هل يجوز إسقاط عضوية نائب؟
نعم، ولكن بشروط محددة سلفًا بنصوص الدستور والقانون:
- فقد الثقة والاعتبار.
- فقد أحد شروط العضوية.
- الإخلال بواجبات العضوية.
- يشترط صدور القرار بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس.
مبدأ دستوري حاسم
أرست دائرة توحيد المبادئ مبدأً فاصلاً:
الطعن في القرارات التي تتضمن إعادة الانتخابات أو تعيب إجراءاتها يظل من اختصاص مجلس الدولة، أما الطعن في العضوية بعد اكتسابها فهو اختصاص حصري لمحكمة النقض.
وبذلك تتكامل المنظومة القضائية، دون تضارب أو فراغ تشريعي، وبما يضمن نزاهة الانتخابات، واحترام الإرادة الشعبية، وصون حق التقاضي.


