رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نيجيريا تحت النار: اتساع رقعة العنف وتآكل قدرة الدولة على المواجهة

جماعة بوكو حرام في
جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 

مازالت نيجيريا تواجه العديد من الأزمات والاضطرابات الأمنية، خاصة في الولايات الشمالية والوسطى من البلاد، فمؤخرًا، وتحديدًا يوم السبت الموافق 6 ديسمبر 2025، أعلنت السلطات الأمنية في البلاد عن اختطاف 13 مزارعًا من قرية مالاري في ولاية بورنو، والتي تشهد تصاعد الأعمال الإرهابية والإجرامية بها منذ ما يقارب 16 عامًا تقريبًا. 

تعاني ولاية بورنو، وعاصمتها مايدوغوري، من انتشار مكثف لعناصر جماعة " بوكو حرام" وتنظيم “داعش”، فعلى سبيل المثال تعد بلدة كوندوغا، التي تبعد عن مايدوغوري بحوالي 35 كم فقط، مسرحًا للعديد من العمليات الإرهابية. ففي فبراير 2014 شهدت البلدة عمليات إرهابية نفذتها جماعة بوكو حرام، مما أدى إلى مقتل 121 شخصًا على الأقل، وفي فبراير 2018 شهدت البلدة ثلاثة تفجيرات انتحارية مما أدى إلى مقتل 22 شخصًا وإصابة العشرات، وأخيرًا عملية خطف المزارعين الثلاثة عشر التي تمت مؤخرًا بإحدى القرى القريبة من البلدة.

 

جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 

 

وشهدت نيجيريا خلال الشهر الماضي تصاعدًا غير عادي في وتيرة حوادث الخطف؛ ففي ولاية النيجر تم اختطاف حوالي 300 تلميذ من إحدى المدارس الكاثوليكية، كما تم اختطاف 38 مصليًا من إحدى الكنائس بولاية كوارا.

دلالات العنف في نيجيريا

حملت العمليات الإرهابية والإجرامية في نيجيريا العديد من الدلالات السياسية والأمنية، خاصة أن الهجمات الأخيرة صاحبتها نزعات طائفية، إذ تم اختطاف طلاب إحدى المدارس الكاثوليكية والاعتداء على المصلين في إحدى الكنائس، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى اتهام نيجيريا بعدم قدرتها على حماية المسيحيين في البلاد، وأن جيشه قادر على التدخل في نيجيريا من أجل حماية المسيحيين، لذا تعطينا العمليات الإرهابية والإجرامية الأخيرة العديد من الدلالات أبرزها:

 أولًا: ضعف القدرات الشرطية والأمنية في البلاد

معظم الجرائم التي حدثت مؤخرًا كانت توجد معلومات لدى الأجهزة الأمنية باحتمالية وقوعها. فمثلًا حادث اختطاف 20 طالبًا بولاية كيبي الشمالية كانت لدى الشرطة المعلومات متوفرة حول نية إحدى العصابات ارتكاب تلك الجريمة في 18 نوفمبر الماضي، مما استدعى نشر قوات الجيش والشرطة بصورة شكلية، وانسحبت القوات بعد قضاء برهة من الوقت، وبعد هذا الانسحاب بدقائق معدودة (30 دقيقة) قامت العصابة بتنفيذ مخططها. ومما يشير أيضًا إلى ضعف قوات الشرطة حادث اختطاف 300 طالب من إحدى المدارس المسيحية بولاية النيجر، فأهالي الطلاب كانت لديهم المعلومات والتخوفات الأكيدة من احتمالية تعرض أبنائهم للخطف وهو ما حدث بالفعل.

جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 

ثانيًا: إهمال المعرفة بالتضاريس البيئية

تعاني قوات الأمن في نيجيريا وكذلك قوات الجيش من حالة إهمال شديدة في معرفة البنية التضاريسية للولايات في البلاد. ففي 15 نوفمبر الماضي قامت بوكو حرام بأسر وقتل العميد موسى أوبا قائد اللواء 25 من قوة المهام بولاية بورنو، وتشير حيثيات الحادث إلى أن التنظيم نجح في تتبع تحركات اللواء، ناصبًا له كمينًا، والاشتباك معه وأسر قائده.

ثالثًا: غياب التكنولوجيا

حادث اغتيال العميد موسى أوبا كشف أيضًا عن الضعف التكنولوجي في الجيش والشرطة في نيجيريا، فخلال مسيرة اللواء الذي تعرض لكمين مميت، لم يكن يحمل أية أجهزة اتصالات خاصة، وحينما احتدمت المعارك مع بوكو حرام لجأ العميد موسى أوبا إلى استخدام الهواتف المحمولة الخاصة به وبأفراده في استدعاء الدعم عبر تطبيق الواتساب.

جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 
جماعة بوكو حرام في إفريقيا - أرشيفية 

رابعًا: التطور التكنولوجي للجماعات الإرهابية

على عكس قدرات الجيش النيجيري، تشير العديد من المصادر الأفريقية مثل معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا إلى استخدام تنظيم داعش في غرب أفريقيا نوعًا من الطائرات المسيرة التجارية التي تم تعديلها خصيصًا لتناسب عمليات التنظيم، ويؤكد المعهد أن مثل تلك الطائرات يكثر استخدامها في أحراش بحيرة تشاد.

خامسًا: التمدد جنوبًا

حالة الانفلات الأمني في نيجيريا ليست مستحدثة، تعود تقريبًا إلى بدايات ظهور بوكو حرام في عام 2002 على يد الداعية محمد يوسف، إلا أن نشاطها العملياتي استقر في الأساس في ولاية بورنو شمال شرق البلاد والمطلة على بحيرة تشاد. ومنذ ذلك الوقت بقيت تلك الولاية هي المنطقة الرخوة المشتعلة دائمًا وقلما ما يتم زحزحة عمليات الحركة جنوبًا باتجاه الولايات الجنوبية والوسطى، إذ نجح الجيش في حصر نشاط التنظيم الإرهابي في تلك الولاية. إلا أنه مؤخرًا لوحظ تمدد نشاط حركة بوكو حرام إلى الولايات الوسطى في البلاد مثل ولاية النيجر.

تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية
تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية

سادسًا: تقاطع الصراع الديني الاقتصادي

أضفى تمدد بوكو حرام في ولاية النيجر بُعدًا دينيًا جديدًا على صراع قديم قائم في الولاية، وهو الصراع الدائر بين القبائل الرعوية والقبائل الزراعية. فعادة ما تتهم القبائل التي تمتهن الزراعة نظيرتها الرعوية بجور مواشيها على المحاصيل الزراعية. وتعد تلك المشكلة موجودة تقريبًا في كل دول العالم التي مازال بعض أفرادها يمتهنون مهنة الرعي. ورغم محدودية الصراع الرعوي الزراعي إلا أنه في نيجيريا يأخذ طابعًا مختلفًا للغاية، فاختلاف طبيعة النشاط الاقتصادي يتقاطع تقاطعًا حادًا مع الأبعاد الإثنية والدينية في البلاد، فالرعاة ينتمون إلى جماعة الهوسا المسلمة، أما المزارعون فينتمون إلى جماعة الإيبو المسيحية، لذا تحول الصراع في ولاية النيجر بين المزارعين والرعاة إلى صراع إثني عرقي ديني.

سابعًا: إذكاء التوتر الديني في البلاد

أقر الدستور النيجيري علمانية الدولة، وبالتالي لم يحدد ديانة رئيس البلاد ولا ينص على المحاصصة الطائفية. إلا أن العرف السياسي في نيجيريا ذهب مؤخرًا إلى أن يكون رئيس البلاد مسلمًا ونائبه مسيحيًا مثل الرئيس محمد بخاري (مسلم شمالي) ونائبه يمي أوسينباجو (مسيحي جنوبي). إلا أن الرئيس الحالي بولا تينوبو فالأمر مختلف، فهو أولًا مسلم لكنه ينتمي إلى جماعة اليوربا الجنوبية ومتزوج من مسيحية، ونائبه كاشيم شيتينا وهو مسلم أيضًا لكنه من الشمال.

تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية
تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية

ويبدو أن اختيار تينوبو كرئيس للبلاد لم يَرُق لمسلمي نيجيريا، وذلك للعديد من الأسباب، أبرزها أنه غير منتمٍ لجماعة الهوسا الفولاني والتي تعد أكبر جماعة عرقية في البلاد، وثانيًا جماعته العرقية "اليوربا" هي جماعة متقلبة دينيًا في المجتمع النيجيري ما بين الإسلام والمسيحية والديانات التقليدية، وعادة ما تُتَّهم جماعة اليوربا بأنها غير مسلمة. لذا جاء تعيين شيتينا نائبًا له من أجل ترضية الشماليين حيث جماعة الهوسا.

وعلى الجانب الآخر، لم يَرُق لمسيحيي البلاد أن يكون الرئيس ونائبه مسلمان، لذا يتم الترويج لمسألة زواجه من مسيحية من أجل استرضاء المجتمع المسيحي، وهو يعد أمرًا غير كافٍ، خاصة بعد تصاعد موجات العنف في الولايات الوسطى التي تشهد مواجهات مستمرة بين المسلمين والمسيحيين.

تصاعد حدة الإجراءات الأمنية

نتيجة زيادة حدة الجرائم الإرهابية تجاه المواطنين في الولايات الوسطى والشمالية، اتخذ الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو في الفترة الأخيرة العديد من الإجراءات الأمنية لمعالجة حالة انعدام الأمن في البلاد، ومنها على سبيل المثال:

إعلان حالة الطوارئ العامة في البلاد في نهاية شهر نوفمبر الماضي، خاصة بعدما امتد نشاط الجماعات الإرهابية إلى المناطق الجنوبية وتحديدًا ولاية كوارا التي لم تكن تعاني في الماضي من أية تهديدات أمنية من قبل بوكو حرام.

إلزام الشرطة النيجيرية بتجنيد 20 ألف ضابط إضافي، وهو ما سيرفع عدد الضباط في جهاز الشرطة إلى 50 ألفًا، وهو عدد غير كافٍ، إذ كان من المفترض أن يبلغ عدد الضباط حوالي 190 ألفًا كما أوصى به كايودي إغبيتوكون، المفتش العام للشرطة في عام 2023. ويبلغ إجمالي تعداد الشرطة النيجيرية حاليًا حوالي 370 ألف فرد، وهو رقم ضئيل بالمقارنة بحجم التعداد السكاني لنيجيريا والذي يبلغ حوالي 225 مليون نسمة تقريبًا، ولذلك أعلن رئيس الأركان ويدي شابو عن خططه الرامية إلى تجنيد 24 ألف جندي آخر.

تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية
تنظيم داعش في إفريقيا - أرشيفية

سحب جميع الضباط المختصين بالحراسات الخاصة للشخصيات الهامة والوزراء وإعادة تدريبهم وتوظيفهم في جهاز الشرطة ونشرهم في أماكن انعدام الأمن.

مطالبة إدارة خدمات الدولة (DSS) وهي وكالة مختصة بالأمن الداخلي "استخبارات داخلية" بإعادة النشر الفوري لكتائب حراس الغابات لمكافحة قطاع الطرق والجماعات الإرهابية وتعقبهم في الغابات.

مطالبة البرلمان بضرورة تعديل قانون الشرطة النيجيرية من أجل السماح لقوة الشرطة بإنشاء قوات شرطية خاصة ومستقلة تكون تابعة للدولة.

جماعات العنف المحلي في إفريقيا 
جماعات العنف المحلي في إفريقيا 

استقالة وزير الدفاع بدارو أبو بكر من منصبه في 2 ديسمبر 2025، وذلك لأسباب صحية حسبما أشارت وسائل الإعلام الرسمية، إلا أن السبب الحقيقي يعود إلى فشل الجيش في وقف تمدد التنظيمات الإرهابية في الولايات الوسطى والجنوبية.

وختامًا:

 تبدو الإجراءات الأمنية التي اتُّخذت مؤخرًا غير ذات معقولية وغير كافية لمواجهة التهديدات والتحديات الأمنية المتسارعة؛ فمازالت قوات الجيش والأمن في البلاد تفتقر إلى التقنيات اللازمة لأداء المهام الخاصة بها، فضلًا عن ضعف القدرات البشرية لقوات الأمن والتي من المحتمل أن تبلغ قريبًا حوالي 300 ألف فرد، وهو رقم ضئيل للغاية بحجم دولة كنيجيريا وتضاريسها المختلفة ما بين سهوب وسهول وغابات وجبال.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء