تنازع الهويات في إيران: "الإمامة الشيعية" في مواجهة "القومية الفارسية"
لم تكن الضربات التي تلقتها إيران في حرب الإثني عشر يومًا خلال شهر يونيو الماضي موجهة فقط إلى منشآتها النووية ومواقعها العسكرية، بل وُجهت في الأساس إلى المشروع الثقافي الإيراني الرامي إلى بناء دولة "الإمامة الشيعية" القائمة على نصرة المستضعفين وفق ما نص عليه الدستور الإيراني، وتعبيد الأرض أمام عودة الإمام المهدي المنتظر الذي سيأتي آخر الزمان ليخلص الأرض من شرورها ويعلي دولة الحق والإسلام – على حد زعمهم.
على مدار أربعة عقود مضت منذ عزل حكم الشاه الإيراني في فبراير 1979 دأبت الآلة الإعلامية والدينية والثقافية الإيرانية على تصدير مقولات الثورة الإسلامية الإيرانية إلى كافة الدول الإسلامية وغير الإسلامية، إذ نجحت "دولة الملالي" خلال تلك العقود الطويلة في إنشاء المزيد من الوكلاء التابعين لها في الدول العربية والإسلامية، أبرزهم على الإطلاق "حزب الله" في لبنان وتنظيم أنصار الله "الحوثي" في اليمن، فضلًا عن قوات "الحشد الشعبي" وأحزابه في العراق، هذا فضلًا عن علاقات الارتباط القوية بالجماعات الإسلامية السنية المنشغلة بالعمل السياسي مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر والعديد من الدول العربية.

ساهمت الحرب الأخيرة وتبعاتها في إسقاط المشروع الإيراني وإضعافه بشكل كبير جدًا، ففي البداية تمكنت إسرائيل من إحباط الطموحات النووية الإيرانية من خلال قصفها المركز والعميق للمنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان، هذا فضلًا عن استهداف العلماء والكوادر البشرية الإيرانية العاملة في البرنامج النووي الإيراني، وأخيرًا إضعاف الوكلاء الإيرانيين في المنطقة: حزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي. لذا خرجت طهران من الحرب الأخيرة مبتورة الجناحين تمامًا.
لذا وأثناء الحرب الأخيرة تصاعدت الموجات القومية في إيران ردًّا على المشروع الإسلامي الإيراني، إذ حاول العديد إحياء التراث و"القومية الفارسية" عوضًا عن "الهوية الإسلامية" لنظام الحكم الإيراني. ومن المثير للدهشة أن تلك الحملة بات أغلبها يُدار من داخل المطبخ السياسي الإيراني الحاكم نفسه، وكأنها محاولة انقلاب مفاهيمي تديرها السلطة الإيرانية لأجل إعادة توحيد وتعبئة الشأن الإيراني مرة أخرى بعد سلسلة الأزمات الأخيرة سواء العسكرية أو الاقتصادية أو أخيرًا المائية. لذا فيما يلي سيتم استعراض عملية تحول الرموز المفاهيمية في النظام الإيراني من موروثات الثورة الإسلامية إلى العودة إلى الموروثات الساسانية الفارسية.

العلمانية والتغريب في المجتمع الإيراني
خلال دراسة أعدتها الكاتبة الإسرائيلية راز زيمت تحت عنوان "من الجمهورية الإسلامية إلى الجمهورية الإيرانية" تم نشرها في موقع معهد الدراسات الأمنية المقرب من الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، أكدت فيها أن ثمة موجات علمنة وتغريب بدأت تدب في أوساط الشباب الإيراني في الفترة الأخيرة، بلغت ذروتها في إحياء العديد من الأعياد العلمانية الغربية مثل عيد الهالوين، وأيضًا إحياء الأعياد الساسانية القديمة مثل يوم كورش، وهو ما يهدد معتقدات الثورة الإسلامية في إيران. ويعكس إحياء مثل تلك الاحتفالات حالة التغير التي بات عليها الشباب الإيراني اليوم.
وترى الكاتبة الإسرائيلية أن هذه التحولات عميقة وقد تعطي مؤشرًا لفترة ما بعد خامئني، والتي من المحتمل أن تكون تلك التيارات على درجة عالية من النضج السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يؤهل البلاد إلى إحداث تطورات سياسية بعيدة المدى.
ساهمت احتفالات الهالوين في إيران في نهاية أكتوبر 2025، والذي يعد من الموروثات الثقافية الأمريكية، في خلق حالة من الجدل السياسي في المجتمع الإيراني. ففي البداية تدخلت السلطات بمنع الاحتفالات والمراسم وإغلاق المتاجر التي تبيع منتجات الاحتفال بالهالوين، وحث المواطنين على إعطاء الأولوية للأعياد الوطنية والدينية.
وإزاء ذلك أعلنت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني ضرورة منع الاحتفالات الغربية عبر زيادة عملية التثقيف لدى الشباب، في حين جادل البعض بضرورة المواجهة مع تلك الظواهر، خاصة أن مثل تلك الاحتفالات لا تتوافق مع القيم والمعتقدات الإيرانية ومؤثرة سلبًا على جيل الشباب.

وفي المقابل يطالب أنصار التيار الإصلاحي مثل الناشط محمد علي أبطحي، بضرورة تفهم النظام لتلك الاحتفالات على أنها نوع من أنواع الترفيه ليس إلا، وأن الشباب الإيراني يريد أن يكون جزءًا من المجتمع العالمي، ولا يوجد سبب للمنع، ويجب تخفيف القيود المفروضة على الفعاليات الترفيهية.
وتشير الدراسة الإسرائيلية إلى أن فشل النظام في مواجهة "عيد الهالوين" ليس الأول من نوعه، فقد سبقه أيضًا "عيد الحب"، مما يعني نأي الشباب الإيراني بأنفسهم عن موروثات الثورة الإيرانية، والرغبة الأصيلة في الانفتاح على الغرب، وهو ما يزيد من ثقافة الاستهلاك الغربي في الأوساط الشبابية، مما يعزز عملية التغيير السياسي في البلاد وتسريع وتيرتها وتعريض استقرار النظام السياسي للخطر الشديد.
في محاولة من النظام الإيراني لاستبدال الأعياد الغربية حاول استنساخ العديد من الأعياد التي تناسب معتقدات الثورة الإيرانية. فمثلًا عيد الحب تم استبداله بعيد آخر مستوحى من التراث الشيعي الإسلامي مثل الاحتفال بذكرى زواج الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن التراث الفارسي أيضًا تم استنساخ "يوم إسفندغان" وهو يوم يمثل عيدًا للحب وفق التعاليم الزرادشتية القديمة.
التناقض الإيراني في التعامل مع الموروثات الفارسية
تحاول السلطات الإيرانية حاليًا استغلال تراث القومية الفارسية من أجل حشد الرأي العام الإيراني من ناحية، ومواجهة موجات التغريب والعلمنة في المجتمع الإيراني، وأخيرًا محاولة الدمج بين القومية الفارسية والمكون الديني الإيراني.
رغم اتجاه السلطات الإيرانية إلى استلهام الموروثات الفارسية إلا أنه أيضًا توجد تخوفات من استغلالها من قبل معارضي النظام في الخارج وأنصار الشاه السابق في استعادة تواجدهم السياسي في الشأن الداخلي الإيراني. فعلى سبيل المثال أدى هذا التخوف إلى إغلاق السلطات الإيرانية يوم 29 أكتوبر الطرق الرئيسية المؤدية إلى مجمع باسارغاد الأثري في محافظة فارس من أجل منع الاحتفال بـ"يوم كورش العظيم"، والذي تم استعادة الاحتفال به منذ عقد تقريبًا، ويخلد هذا اليوم ذكرى انتصار الإمبراطورية الأخمينية على الإمبراطورية البابلية.

ورغم حالة رفض السلطات الإيرانية احتفالات "يوم كورش" إلا أنها لم تمانع في الاحتفال بالإمبراطور شابور الساساني. فبعد حرب الإثني عشر يومًا تم إنشاء نُصب تذكاري يوضح الإمبراطور الروماني فاليريان وهو راكع أمام الإمبراطور الفارسي الساساني شابور الأول، وكُتب أسفل النصب التذكاري عبارة "ستركعون مرة أخرى أمام إيران". ويبدو أن قيام النظام الإيراني بالاحتفاء بهذا النصب التذكاري جاء من أجل حشد وتعبئة الروح المعنوية للشعب الإيراني بعد الحرب الأخيرة. ولم يفت النظام الربط بين النصب التذكاري وبين رموز الثورة الإيرانية، فبجانب النصب تم تشييد لوحة ونصب أيضًا لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، الذي قتل في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في عام 2020، وكذلك صورة أمير علي حاجي زاده قائد القوة الفضائية التابعة للحرس الثوري والذي قتل في حرب الإثني عشر يومًا.
ختامًا:
كانت الحرب الأخيرة كاشفة للنظام الإيراني بأنه لن يمكنه فقط الاعتماد على المراسم والرموز الدينية في عمليات الحشد والتعبئة السياسية المؤيدة للنظام السياسي، فمنذ الثمانينات اقتصرت عملية الحشد والتعبئة على إحياء ذكرى عاشوراء ومواقف الإمام الحسين والأئمة الإثني عشرية في تعبئة الجماهير الإيرانية. فمؤخرًا يحاول النظام المزج بين الرموز الدينية الشيعية وبين الموروثات الفارسية من أجل تعزيز الشرعية السياسية واستعادة عملية الحشد والتعبئة. فعلى سبيل المثال خلال الاحتفال بذكرى عاشوراء في شهر يوليو 2025 خرج المرشد الإيراني علي خامئني وطالب بغناء أغنية "يا إيران" والتي كانت مشهورة في عهد الشاه.

وقد تكون حالة المزج بين التراث الديني والتراث الفارسي، والمقامة تحت رعاية نظام الملالي، مقدمة لتطورات سياسية كبرى في الشأن الداخلي الإيراني، خاصة في فترة ما بعد خامئني، والتي قد تشهد تقليل السلطات الممنوحة للمرشد وتعزيز إضفاء البعد القومي الفارسي على السياسات الإيرانية في المستقبل القريب.



