تايلاند بين النفوذ الاقتصادي الإسرائيلي والتوسع الشيعي الإيراني
من المعروف أن تايلاند الواقعة في منطقة جنوب شرق آسيا تُعد إحدى الوجهات السياحية العالمية، نظرًا لاحتوائها على العديد من الأنهار المتدفقة والتلال والمروج الخضراء والعديد من غرائب الحياة البرية، الأمر الذي أهلها لتكون واحدة من أفضل الوجهات السياحية على مستوى العالم
لتايلاند وجوه خفية كثيرة، أبرزها الفقر وانتشار العصابات والجرائم، لكن الأهم من ذلك أنها كانت ولا تزال مسرحًا عملياتيًا للصراع العربي الإسرائيلي بتطوراته الزمنية المختلفة، ففي عام 1972 وتحديدًا في 28 ديسمبر أقدمت منظمة "أيلول الأسود" على احتجاز العديد من الرهائن الإسرائيليين في السفارة الإسرائيلية في العاصمة بانكوك، الأمر الذي أدى إلى مقتل العديد من الرهائن وفرار المنفذين عقب ذلك بأمان إلى القاهرة.
وشهدت تايلاند تطورات الصراعات الإسرائيلية في المنطقة، إذ دخلت أيضًا على خط الصراعات الإيرانية الإسرائيلية، ففي الفترة من عامي 2011 و2012 توترت العلاقات بين البلدين على خلفية اتهامات وُجهت لطهران بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية ضد أهداف إسرائيلية في تايلاند، وعقب التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 سعت كل من بانكوك وطهران إلى تحسين العلاقات المتبادلة بينهما.

جذور مشتركة
في مقال للكاتب الإسرائيلي داني سيترينوفيتش نُشر على موقع معهد الدراسات الأمنية بتاريخ 2 ديسمبر 2025، أكد أن العلاقات بين البلدين تاريخية وضاربة الجذور لأكثر من أربعة قرون، إذ بدأت مع رحلة التاجر الفارسي أحمد غومي الذي وصل إلى مملكة سيام (الاسم القديم لتايلاند)، مما سمح بإقامة علاقات تجارية بين الإمبراطورية الفارسية ومملكة سيام.
ومما يشجع على الوجود الإيراني في تايلاند هو وجود أقلية دينية مسلمة متميزة تنحصر في مدينة بانكوك. وتبلغ نسبة المسلمين حوالي 12% من إجمالي سكان البلاد، يدينون بالمذهب السني ما عدا 1% منهم يدينون بالمذهب الشيعي.
الأسرى التايلانديون
وبعد التوقيع على الاتفاق النووي في عام 2015 سعت البلدين إلى تحسين علاقتهما السياسية والاقتصادية، وتجلى ذلك في العديد من النقاط، أبرزها زيادة حجم التبادل التجاري بينهما بأكثر من 25%. كما لعبت إيران دور الوسيط الفعّال بين حركة حماس والحكومة التايلاندية، فبعد أحداث 7 أكتوبر تمكنت الحركة من أسر 32 عاملًا تايلانديًا، فيما قُتل 39 آخرون على خلفية هجمات 7 أكتوبر، مما أدى إلى تدخل إيراني للإفراج عن الأسرى التايلانديين في 26 نوفمبر 2023، وتم ترحيلهم بعد ذلك إلى بانكوك في مطلع يناير 2024.

جامعة المصطفى
يؤكد سيترينوفيتش أن جامعة المصطفى في بانكوك تُعد أبرز العلامات الإيرانية في تايلاند ورأس حربة النظام الإيراني في تعزيز النفوذ في البلاد. فعلى سبيل المثال، تشهد الجامعة إقبالًا غير عادي من المؤثرين في الشأن الإيراني على مقر الجامعة في بانكوك، مثل ميثم مطيعي المحاضر في جامعة الإمام الصادق والمقرب من المرشد آية الله علي خامنئي، الذي قام بزيارة الجامعة في سبتمبر 2024، حيث يركز فرع جامعة "المصطفى" في بانكوك على تدريس فلسفة مؤسس الثورة الإيرانية آية الله الخميني.
وقبل زيارة مطيعي، قام جواد مروي عضو المجلس الأعلى، للحوزة العلمية في مدينة قم بزيارة بانكوك في أغسطس 2024، مفتتحًا فرعًا لمؤسسة "آل البيت" التي تعمل على تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية. وخلال حفل الافتتاح أشاد مروي بالأمين العام لحركة حماس الراحل يحيى السنوار.

وبالإضافة إلى جمعية "آل البيت" وجامعة المصطفى تنشط أيضًا الإذاعة الإيرانية الموجهة لتايلاند والمركز الثقافي الإيراني التابع للسفارة في بانكوك، والذي يسعى إلى نشر اللغة الفارسية في البلاد، خاصة بين الطلاب المسلمين. ونتيجة لذلك تنشط العديد من الفعاليات والمظاهرات في تايلاند المناهضة لإسرائيل، إذ عادة ما تُحرق الأعلام الإسرائيلية في شوارع بانكوك.
تداعيات التمدد الإيراني في تايلاند
يخشى سيترينوفيتش من أن التمدد الإيراني قد يساهم في زيادة احتمالات تعرض المصالح الإسرائيلية لعمليات تخريبية، على غرار ما كشفت عنه السلطات البرازيلية في عام 2024 عندما أحبطت محاولات لأنصار حزب الله للإضرار بالمصالح الإسرائيلية في البرازيل. كما تسعى طهران — وفق الكاتب الإسرائيلي — إلى تشكيل لوبي شيعي ضاغط على الإدارة والحكومة في تايلاند، مما قد يؤدي في المستقبل إلى تقليل مستوى العلاقات الإسرائيلية–التايلاندية وإعطاء الأولوية للمصالح الإيرانية.
المصالح الإسرائيلية في تايلاند
خلال الحرب الأخيرة نمت العلاقات التجارية بين إسرائيل وتايلاند بشكل غير مسبوق، فنتيجة لحالة المقاطعة التجارية لإسرائيل لعبت تايلاند دور الوسيط الدولي في نقل البضائع إليها بطريقة غير مباشرة، إذ يتم تصدير البضائع إلى بانكوك ثم يعاد شحنها مرة أخرى إلى تل أبيب، الأمر الذي مكّن الاقتصاد الإسرائيلي من التعافي السريع من أضرار المقاطعة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، وفق تقرير مجلة غلوبس الاقتصادية تجاوزت صادرات تايلاند إلى إسرائيل في يوليو 2025 ما قيمته 798 مليون دولار بعد أن كانت 337 مليون دولار في عام 2024، أي أن السوق التايلاندية كانت بمثابة محطة لتحويل المنتجات — خاصة التركية — إلى إسرائيل.

يمكن القول إن العلاقات بين تل أبيب وبانكوك طيبة، حيث لم تتأثر بشكل كبير بالصراعات الإسرائيلية في المنطقة. فعلى سبيل المثال، اعترفت بانكوك بإسرائيل في 26 يوليو 1950 وتم تعيين قنصل لإسرائيل في بانكوك عام 1953، كما استقبلت إسرائيل أول سفير تايلاندي في عام 1958، وتم تعيين سفير إسرائيلي في بانكوك، وتوجت العلاقات الدبلوماسية في عام 1962 بزيارة وزيرة الخارجية الإسرائيلية جولدا مائير لتايلاند، وفي عام 1988 بدأ التعاون التجاري بين البلدين.
السياحة والعمالة
تُعد بانكوك وجهة سياحية للإسرائيليين بسبب انخفاض الأسعار هناك، فعلى سبيل المثال في عام 2011 زار 125 ألف إسرائيلي تايلاند بغرض السياحة. وفي المقابل، ونتيجة للانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة لجأت إسرائيل إلى التخلي عن العمالة الفلسطينية واستبدالها بالعمالة من دول شرق آسيا مثل الهند وتايلاند، إذ تشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 250 ألف عامل تايلاندي في البلاد، معظمهم يعملون في مجالات الزراعة، إلا أن معظمهم يعانون من ظروف معيشية سيئة في إسرائيل من حيث تدني الرواتب وساعات العمل الطويلة والتعرض المباشر للكيماويات دون وجود أية وسائل حماية.
وختامًا:
يبدو أن إيران نجحت في قطع شوط كبير في تايلاند، إذ عمدت إلى ترسيخ نفوذها الثقافي في المقام الأول، مما عزز من إمكانية إيجاد قواعد شعبية داعمة لها في بانكوك، على عكس إسرائيل التي اعتمدت في المقام الأول على العلاقات التجارية واستغلال العمالة التايلاندية، والتي من المحتمل أن تبني صورة سلبية عن تل أبيب في الأوساط الشعبية هناك، الأمر الذي قد يؤدي على المدى المتوسط إلى تراجع فعلي للنفوذ الإسرائيلي في تلك الدولة لصالح النفوذ الإيراني المتنامي.



