رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

القارة المنسية.. كيف تحولت إفريقيا إلى مختبر للتهجير الصهيوني؟

التمدد الصهيوني في
التمدد الصهيوني في إفريقيا - أرشيفية

شغلت قارة إفريقيا مكانة متميزة في الفكر الصهيوني، منذ عهد الآباء الأوائل للحركة الصهيونية مثل ليو بسكنر وتيدور هرتزل، فبعد المؤتمر الصهيوني الأول، اقترح هرتزل إمكانية تهجير اليهود إلى محمية أوغندا البريطانية، وفي غضون الحرب العالمية الثانية ظهرت ما يسمى خطة "مدغشقر" التي اقترحتها ألمانيا من أجل نقل يهود بولندا إلى تلك الدولة الساحلية.

توالت الأيام وتبدل المنظور الاستيطاني الصهيوني لإفريقيا، فلم تعد إفريقيا مقترحًا لوطن قومي لليهود، بل تحولت لتصبح وطنًا قوميًا محتملًا جديدًا للفلسطينيين المهجَّرين من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت وطأة الانتهاكات الإنسانية المرتكبة من قبل الجيش الإسرائيلي.

خلال الفترة الماضية، طرحت إسرائيل والولايات المتحدة إمكانية ترحيل الفلسطينيين إلى مناطق جديدة في إفريقيا مثل الصومال وأرض الصومال والسودان، فضلًا عن تسيير العديد من الرحلات المشبوهة للاجئين فلسطينيين إلى دولة جنوب إفريقيا.

وفيما يلي، سيتم رصد تحولات الرؤية الصهيونية لإفريقيا منذ خطة أوغندا وحتى خطة كيب تاون، فمعظم المشاريع الصهيونية واكبها نظرات استعلائية للقارة الإفريقية باعتبارها أراضي بلا شعوب، إذ تحولت إفريقيا إلى رديف خلفي للمشاريع الاستيطانية الصهيونية، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية:

أولًا .. خطة أوغندا

أُقرت فلسطين كوطن قومي لليهود خلال المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، وعليه تحرك زعيم الحركة الصهيونية في ذلك الوقت تيدور هرتزل إلى محاولات إقناع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بمنح يهود أوروبا الشرقية موطنًا جديدًا لهم في فلسطين، إلا أن رفض السلطان العثماني أصاب الحركة الصهيونية بإحباط شديد.

الرئيس الأوغندي يوري موسيفيي 
الرئيس الأوغندي يوري موسيفيي 

تقدم السلطان عبد الحميد بعرض جديد هو إنشاء وطن قومي لليهود في المنطقة الواقعة شمال سوريا وجنوب الأناضول، وهو ما لم يرق لقادة المنظمة الصهيونية، نظرًا لاقتراب المنطقة الشديد من عاصمة الدولة العثمانية، وهو ما يعني خضوع اليهود للمراقبة الشديدة للسلطات العثمانية، وكأنهم انتقلوا من "جيتوهات" أوروبا الشرقية إلى جيتو عثماني جديد.

إزاء حالة الإحباط الصهيوني في مطلع القرن العشرين، لجأ قادة الحركة الصهيونية مثل تيدور هرتزل وليوبولد غرينبرغ إلى الاتصال بوزير المستعمرات البريطانية جوزيف تشامبرلين لبحث إمكانية إنشاء وطن قومي لليهود في المستعمرات البريطانية الشاسعة.

في عام 1895 أنشأت بريطانيا ما يسمى محمية شرق إفريقيا البريطانية وعاصمتها كينيا، وخلال زيارة تشامبرلين إلى تلك المحمية في عام 1902 لاحظ ندرة المستوطنين البريطانيين في تلك المستعمرة وأن حال التنمية راكد بسبب ذلك، لذا قرر إعطاءها لليهود للاستيطان بها. وقبيل المؤتمر الصهيوني السادس في عام 1903 بدأت المشاورات الصهيونية البريطانية حول إمكانية الاستيطان في محمية شرق إفريقيا البريطانية.

يسود الجدل في الأوساط الصهيونية حول تحديد المنطقة المقررة فعليًا في ذلك الوقت حول إمكانية توطين اليهود بها، فالشائع كانت أوغندا، إلا أن الخرائط المقدمة في ذلك الوقت أشارت غير ذلك، إذ تشير المصادر الصهيونية ومنها مجلة "العمل اليهودي" Jewish Action إلى أن المنطقة التي حُددت بالفعل لتوطين اليهود كانت تقع في كينيا اليوم، وأن ثمة خلطًا وقع بسبب إنشاء سكة حديد أوغندا في ذلك الوقت التي كانت تمتد من الساحل الكيني وحتى بحيرة فيكتوريا بأوغندا.

رئيس مدغشقر - العقيد مايكل راندريانيرينا
رئيس مدغشقر - العقيد مايكل راندريانيرينا

ساهمت أحداث مذبحة "كيشيناو" عاصمة دولة مولدوفا حاليًا في إبريل 1903 في تسريع وتيرة مناقشة إنشاء وطن قومي لليهود في شرق إفريقيا، وبالفعل تم الاتفاق على إنشاء وطن قومي لليهود متمتع بالإدارة الذاتية في منطقة هضبة أوسين جيشو الواقعة حاليًا في منطقة الوادي المتصدع في غرب كينيا والتي تشتهر بالنشاط الزراعي الواسع.

إلا أن وفاة هرتزل في عام 1904 ساهمت بشكل كبير في تقليل الهمة الصهيونية تجاه إفريقيا، خاصة في ظل نقص الأموال اللازمة للبعثات الاستكشافية الصهيونية، مما دفع قادة الحركة إلى إغلاق ملف الاستيطان في كينيا خلال المؤتمر الصهيوني السابع في عام 1905.

ثانيًا: خطة مدغشقر

كانت أوروبا في أعلى معدلاتها في معاداة السامية خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، خاصة في دول شرق أوروبا. ففي عام 1937 جرت محادثات بين الحكومة البولندية ونظيرتها الفرنسية حول إمكانية توطين يهود بولندا في مستعمرة مدغشقر الفرنسية.

وتجددت الأمور مرة أخرى، في عام 1940 مع بدء الاحتلال الألماني لفرنسا وسيطرة برلين على المستعمرات الفرنسية ومنها جزيرة مدغشقر، إذ اقترح رئيس القسم اليهودي في وزارة الخارجية الألمانية فرانز راديماخر إمكانية نقل اليهود كليًا إلى الجزيرة خاصة بعد السيطرة على فرنسا.

إلا أن تطورات الحرب العالمية الثانية واشتباكات الأطلنطي بين الأساطيل الألمانية والبريطانية حالت دون إتمام الخطة، فلم تجد برلين النازية العدد الكافي من السفن التجارية لنقل اليهود إلى جزيرة مدغشقر، كما حدث تحول هام وهو تمكن حكومة فرنسا الحرة التي تشكلت في بريطانيا بقيادة الجنرال شارل ديجول من السيطرة الكاملة على المستعمرات الفرنسية في أقاليم ما وراء البحار ومنها جزيرة مدغشقر، مما ساهم في إحباط الجهود الألمانية في نقل اليهود إلى تلك الجزيرة.

ثالثًا: التحول في المواقف

دارت الدائرة الآن، فبعد أن كان اليهود يُخطط لهم بالتهجير إلى إفريقيا من قبل بريطانيا وبولندا وألمانيا النازية، بات اليهود والصهاينة يخططون الآن لطرد الفلسطينيين وتهجيرهم إلى إفريقيا، وكأنهم ورثوا نفس السياسات الاستعمارية التي مورست ضدهم في الماضي وإعادة تطبيقها على المجتمع الفلسطيني.

الخطة الصومالية السودانية

خلال أتون الحرب الماضية وتحديدًا في مارس 2025 طرح الرئيس الأمريكي إمكانية ترحيل الفلسطينيين (سكان قطاع غزة) إلى السودان والصومال وأرض الصومال، مستغلًا في ذلك الوضع السيئ والهش الذي تعانيه كل دولة منهم.

التغلغل اليهودي في إفريقيا
التغلغل اليهودي في إفريقيا

فالسودان على سبيل المثال دولة غارقة في الديون والحرب الأهلية المستمرة منذ عامين تقريبًا، لذا يجيء المقترح الأمريكي بتقديم حوافز مالية واقتصادية كبرى للسودان كإسقاط بعض الديون وتقديم المنح المالية وتمكين الحكومة من إيقاف الحرب الجارية في دارفور، وذلك من أجل قبول استضافة عدد من اللاجئين من قطاع غزة وإعادة توطينهم في مناطق جديدة في السودان، خاصة في ظل معاناة السودان من ندرة سكانية نسبية إذ يبلغ سكان السودان حوالي 51 مليون نسمة بواقع 29 فردًا لكل كيلومتر مربع.

أما ما يسمى جمهورية أرض الصومال فهي تعاني من مسألة عدم الاعتراف الدولي بها وتسعى جاهدة إلى مخاطبة الولايات المتحدة لإمكانية الاعتراف بها، وإزاء ذلك تحاول واشنطن بالتعاون مع تل أبيب عقد صفقة مشتركة مع هرجيسيا من أجل توطين عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين في مقابل حصولها على الاعتراف الدولي، خاصة أن أرض الصومال تعاني أيضًا من ندرة سكانية إذ يبلغ تعدادها حوالي 3 ملايين نسمة.

وأخيرًا الصومال هي الأخرى تعاني من حالة هشاشة في استقرار الحكم وحالة ضعف اقتصادي كبير، الأمر الذي يؤهلها لدخول صفقة سياسية تبادلية بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، فبموجب تلك الصفقة تحصل الصومال على منح وامتيازات مالية كبرى في مقابل استضافة عدد معين من اللاجئين الفلسطينيين.

التمدد الصهيوني في إفريقيا - أرشيفية
التمدد الصهيوني في إفريقيا - أرشيفية

رابعًا: جنوب إفريقيا ورد صفعة محكمة العدل الدولية

يبدو أن تل أبيب تحاول رد صفعة توجّه جنوب إفريقيا لإسرائيل في محكمة العدل الدولية بلاهاي بهولندا. ففي نهاية شهر أكتوبر الماضي تفاجأت السلطات في مطار أو آر تامبو بجنوب أفريقيا بهبوط طائرتين مستأجرتين تحملان العديد من الركاب الفلسطينيين بدون أية وثائق رسمية، وتم السماح لركاب الطائرة الأولى بدخول البلاد مع حصولهم على إعفاء لمدة 90 يومًا من التأشيرة.

وعليه قامت السلطات بإجراء تحقيقات في الأمر حول مدى تورط إسرائيل في تلك العملية، خاصة بعد التحقيقات الأولية للركاب التي تبين لهم خلالها أنهم كانوا متجهين إلى الهند وماليزيا وأستراليا. وفي تحقيق صحفي أجرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أوضحت أن كل راكب في الطائرة الأولى دفع ما يقارب 2000 دولار أمريكي لمنظمة تدعى "المجد" يديرها شخص إسرائيلي مقيم في إستونيا (إحدى دول بحر البلطيق)، وأن هذا الشخص على صلة بمكتب الهجرة الطوعية التابع للجيش الإسرائيلي ومهمتها تهجير الفلسطينيين طوعًا من البلاد.

أما ركاب الطائرة الثانية فهم من قطاع غزة، ركبوا الحافلات من غزة ثم تم تجريدهم من أية وثائق تخصهم وتخص ممتلكاتهم في غزة، ثم صعدوا على متن طائرة متجهة إلى نيروبي ومنها إلى جوهانسبرغ.

ووجهت السلطات الجنوب أفريقية اتهاماتها لمنظمة "المجد" واصفة إياها بالعمالة لإسرائيل، وهو ما نفته المنظمة واصفة أن دورها يقتصر فقط على تسهيل وتنسيق عمليات الخروج الآمن للفلسطينيين من الحصار.

 

التمدد الصهيوني في إفريقيا - أرشيفية
التمدد الصهيوني في إفريقيا - أرشيفية

وتأتي محاولات التهجير الغامضة لجنوب أفريقيا قبيل انعقاد قمة مجموعة العشرين كنوع من توجيه الإحراج السياسي لجنوب إفريقيا على خلفية مواقفها المناهضة للعدوان على غزة والانتهاكات المستمرة ضد المدنيين الفلسطينيين، كما تضع تلك الرحلات الغامضة جنوب أفريقيا في موقف حرج للغاية، خاصة في الأوساط الأفريقية، فكيب تاون تتشدد في قبول اللاجئين من الدول الأفريقية ذات النزاعات الدامية كما يحدث في السودان وشرق الكونغو الديمقراطية.

وخِتامًا:

يمكن القول إن الحركة الصهيونية هي وريثة الحركة الاستعمارية، فكلا الطرفين نظرا إلى القارة الإفريقية على أنها مناطق فارغة من السكان والمواطنين، وأنها تشكل حديقة خلفية لكلا الحركتين الاستعمارية والصهيونية، إذ يمكن استغلالها في تغيير تركيبتها الديمغرافية فضلًا عن استغلال ثرواتها الاقتصادية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء