رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كريات جات: بوابة تجسّس وهندسة اجتماعية لقطاع غزة بالذكاء الاصطناعي

مركز التنسيق المدني
مركز التنسيق المدني العسكري

منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 9 أكتوبر 2025، وتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات العشرين نقطة في وقف الحرب في غزة وتهيئة الأوضاع في القطاع لإنهاء حكم حماس وتشكيل لجنة دولية لإدارة القطاع، فضلًا عن تشكيل قوة استقرار دولية هدفها الأساسي نشر السلم وتثبيت وقف إطلاق النار ونزع سلاح الفصائل المقاومة المسلحة، أنشأت واشنطن مركزًا للتنسيق المدني والعسكري في مدينة "كريات جات" جنوبي تل أبيب من أجل مراقبة سير العمليات في غزة والتحقق من تطبيق قرارات وقف إطلاق النار.

حظي مركز التنسيق المدني والعسكري بـ"كريات جات" خلال الفترة الماضية باهتمام متزايد، إذ شهد زيارات رفيعة المستوى من العديد من القيادات الأمريكية مثل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأمريكي جيه دي بروفانس، فضلًا عن ممثلي الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بالإضافة إلى زيارة رئيس المخابرات المصري اللواء حسن رشاد إلى مركز "كريات جات" خلال الشهر الماضي.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

مهمة أخرى لكريات جات

لا يبدو أن مهمة مركز التنسيق المدني والعسكري بكريات جات تقف عند حدود تنفيذ خطة ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، إذ من الواضح أن هناك مهمات أخرى يخفيها مركز التنسيق. تشير الصور الواردة والتي نقلتها وسائل إعلام عديدة إلى أن المركز سيلعب أدوارًا استخباراتية كبرى خلال الفترة المقبلة، إذ يضم المركز حوالي 200 عسكري أمريكي إضافة إلى مندوبي شركتي "بالانتير" و"داتامينز"، وهما شركتان متخصصتان في الاستخبارات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار تشير الكاتبة صوفيا جودفريند في موقع +972 إلى وجود ممثلين لشركة MAVEN الأمريكية في موقع كريات جات التابعة لشركة التكنولوجيا الأمريكية "بالانتير"، إذ يعمل برنامج "مافن" على جمع وتحليل بيانات المراقبة المأخوذة من مناطق الصراع من أجل إيضاح الصورة أمام قيادة العمليات في مركز كريات جات. 

يركز برنامج "مافن" على المعلومات الواردة من صور الأقمار الاصطناعية وطائرات التجسس والمسيرات واعتراض الاتصالات عبر الإنترنت وغيرها من وسائل جمع البيانات، ويجري جمع تلك البيانات في برنامج مشترك يُمكّن القيادة العسكرية من اتخاذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

سبق أن استخدمت واشنطن تطبيقات "مافن" في العديد من عملياتها العسكرية في اليمن وسوريا والعراق، وتدّعي شركة بالانتير أن تطبيق "مافن" الذي تنتجه يحسّن من عملية الاستهداف والقتل للعناصر الإرهابية، وهو ما مكنها من الحصول على عقد قيمته 10 مليارات دولار من وزارة الدفاع الأمريكية لتحسين وتطوير منصة "مافن" الاستخباراتية.

مافن والجيش الإسرائيلي

افتتحت الشركة الأمريكية بالانتير مكتبها في تل أبيب في عام 2015، وفي يناير 2024 دخلت الشركة في شراكة استراتيجية مع الجيش الإسرائيلي لتنفيذ العديد من المهام الحربية. وفي محاولة لتبييض صورة شركة بالانتير صرح أليكس كاب، الرئيس التنفيذي للشركة، بأن شركته تدعم حرية الرأي والتعبير ودائمًا ما تنحاز إلى الجانب الصحيح.

داتامينز ومراقبة الإنترنت

بالإضافة إلى شركة بالانتير الأمريكية، تنشط أيضًا شركة داتامينز الأمريكية، وهي شركة مراقبة إلكترونية تعمل على مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي مثل منصة X، وذلك من أجل تمكين الحكومات والدول من مراقبة مستخدمي الإنترنت وتوقع التهديدات المحتملة.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

بدأت شركة داتامينر عملها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال حصولها على امتياز من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي يسمح لها بالولوج إلى بيانات مستخدمي منصة تويتر، وذلك لمراقبة الأنشطة الإجرامية والإرهابية وإطلاق التحذيرات لجهات إنفاذ القانون.

وبجانب تعاونها مع المباحث الفيدرالية، وثقت الشركة تعاونها أيضًا مع الجيش الأمريكي. وفي عهد الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تولت مهمة مراقبة احتجاجات السود التي انتشرت في ربوع البلاد، خاصة الاحتجاجات المرتبطة بمنظمة "حياة السود مهمة"، واستمرت في تلك المهمة أيضًا في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. كما تم استخدام تقنيات الشركة في مراقبة وسائل التواصل الخاصة بالناشطين المناهضين لحرب غزة والمؤيدين للقضية الفلسطينية.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

دلالات وجود الشركتين في مركز التنسيق

يحمل وجود شركتي بالانتير وداتامينر في مركز التنسيق المدني والعسكري في مدينة كريات جات العديد من الدلالات والخطوات التي ستتحقق خلال الفترة المقبلة، وهي كالتالي:

1) إتمام السيطرة الإسرائيلية الفعّالة على قطاع غزة من خلال وجود نظام "مافن" الفعال الذي يحدد ويجمع البيانات عن الأهداف المرجو قصفها، مما يساهم في تعزيز نجاح الضربات الإسرائيلية. أما شركة داتامينر فتسهم في مراقبة تل أبيب وواشنطن لكافة الاتصالات الفلسطينية على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يتيح للقيادة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية السيطرة الكاملة على أي تحركات فلسطينية والتنبؤ المبكر بها.

 

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

2) تحقيق السيطرة الأمنية على جميع سكان غزة؛ وفقًا لخطة واشنطن سيتم بناء ما يقارب 25 ألف مجمع سكني في غزة الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يسمح للشركتين بتركيب الكاميرات وزرع أدوات التنصت والأسوار الإلكترونية، بما يسمح بمراقبة تفاصيل الحياة الدقيقة لسكان القطاع الذين سيتم نقلهم إلى المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

3) ستساهم تقنيات الشركتين، بالإضافة إلى تقنية إسرائيلية تدعى "لافندر"، في تحديد منتمي حركة حماس والمشتبه في انتمائهم للحركة وأقارب منتسبيها ومنعهم من الانتقال إلى الجزء المعاد إعماره بواسطة الولايات المتحدة.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

4) قيام الشركتين نيابة عن إسرائيل برسم خرائط للروابط بين المدنيين والجماعات المسلحة وتحديد قوائم من سيتم احتجازهم أو قتلهم في العمليات العسكرية القادمة.

5) تعد استراتيجية الاعتماد على الشركتين الأمريكيتين في مراقبة قطاع غزة امتدادًا للسياسات الإسرائيلية السابقة في السيطرة على الاتصالات الفلسطينية؛ فعقب التوقيع على اتفاقيات أوسلو 1993 احتفظت إسرائيل لنفسها بحق السيطرة على البنية التحتية للاتصالات الفلسطينية.

ختامًا:

في المحصلة، يكشف التحول الجاري في مركز "كريات جات" من مجرد موقع للتنسيق المدني والعسكري إلى منصة واسعة للمراقبة التكنولوجية والاستخبارات المتقدمة عن مرحلة جديدة في إدارة الصراع داخل قطاع غزة. فوجود شركات مثل بالانتير وداتامينر، إلى جانب منظومات ذكاء اصطناعي فائقة القدرة مثل "مافن" و"لافندر"، يؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة تمضيان نحو بناء نموذج مراقبة شاملة يستهدف الإنسان قبل الحركة، والسلوك قبل الفعل، ويحوّل قطاع غزة إلى واحدة من أكثر البيئات الخاضعة للرصد الرقمي المكثف في العالم.

مركز التنسيق المدني والعسكري
مركز التنسيق المدني والعسكري

ولا يقتصر الأمر على ضبط الأوضاع الأمنية أو إدارة وقف إطلاق النار، بل يمتد ليشكل بنية تحتية دائمة للسيطرة، تُستخدم فيها التكنولوجيا لتحديد السكان وتصنيفهم والتحكم في تحركاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وربما في مستقبلهم السياسي أيضًا. ومع توسّع إعادة الإعمار وفق النموذج الأمريكي – الإسرائيلي المشترك، تتجه غزة نحو واقع تُستخدم فيه الرقابة الرقمية في إعادة هندسة المجتمع، وتحديد شكل المقاومة، ومراقبة كل ما يدور داخل القطاع.

وبالتالي، فإن ما يجري في كريات جات ليس مجرد تنفيذ لخطة ترامب أو إدارة للمرحلة الانتقالية بعد الحرب، بل هو تأسيس لمرحلة طويلة الأمد تُستبدل فيها أدوات الاحتلال التقليدية بنماذج ذكاء اصطناعي تعمل على مدار الساعة، وتتحول فيها التكنولوجيا إلى الذراع الأكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل غزة ومصير سكانها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء