رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أستراليا تُصعّد ضد إيران: دوافع إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب

المرشد الإيراني وقادة
المرشد الإيراني وقادة الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية

في تصعيد جديد بين الدول الغربية وإيران، أقدمت أستراليا على إدراج "الحرس الثوري" الإيراني على قوائم الدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد اتهامات من جانب الخارجية الأسترالية للحرس الثوري بتدبير هجمات معادية للسامية على الأراضي الأسترالية، وذلك عقب تقييم للمخابرات الأسترالية بأن الحرس الثوري يدبّر هجمات ضد اليهود على أراضيها.

وتأتي هذه الخطوة التصعيدية من جانب أستراليا بعد اتهامات وجهتها في أغسطس الماضي للحرس الثوري، بتدبير هجومين معاديين للسامية بإضرام حريق متعمد في مدينتي سيدني وملبورن، وأمهلت سفير طهران 7 أيام لمغادرة البلاد. ويأتي القرار في إطار تحوّلات إستراتيجية في السياسة الخارجية الأسترالية، مدفوعة بعوامل أمنية وحقوقية وتحالفات دولية.

وتنضم أستراليا بهذا القرار إلى قائمة الدول التي صنّفت "الحرس الثوري" كمنظمة إرهابية؛ فقد صنّفت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2019 الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أجنبية، خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، وذلك بعد اتهامات من جانب الخارجية الأمريكية بالتورط المباشر في مؤامرات إرهابية. وخلال العام الماضي اتخذت كندا الخطوة نفسها واعتبرت أن إيران أثبتت ازدراءها لحقوق الإنسان، وأظهرت نية لزعزعة استقرار النظام الدولي.

مدير الاستخبارات الأسترالية مايك بورجيس
مدير الاستخبارات الأسترالية مايك بورجيس

دوافع اتخاذ القرار

يأتي اتخاذ القرار من جانب الحكومة الأسترالية مدفوعًا بعدة أسباب، يأتي على رأسها الدوافع الأمنية والاستخباراتية، وتعزيز سياسة "الردع الوقائي" في ظل تصاعد التهديدات الهجينة، حيث رأت أستراليا أن العمليات التي كان يخطط لها "الحرس الثوري" تمثل تهديدات أمنية على أراضيها. وتم اتخاذ القرار بعد تقييمات استخباراتية تؤكد هذه التهديدات، وتمثّلت الخطوة الأولى للرد عليها في طرد السفير.

وعقب خطوة طرد السفير، حذّر رئيس المخابرات الأسترالية من أنشطة معادية قد تمارسها إيران على الأراضي الأسترالية، حيث قال رئيس الوزراء الأسترالي يوم الثلاثاء إن حكومته طردت السفير الإيراني، وإن طهران "من المرجح" أن تكون وراء المزيد من الهجمات المعادية للسامية في جميع أنحاء البلاد.

ويبدو من خلال هذه التحركات بوادر أزمة بين الحكومة الإيرانية والأسترالية، في ظل الاتهامات التي وجهتها أستراليا لحكومة طهران بأنها أشعلت النيران بسبب التهديدات الأمنية التي تمارسها. حيث قال مايك بورجيس، رئيس المخابرات، إن الحكومة الإيرانية "أشعلت أعواد الثقاب وأججت نيران" معاداة السامية في أستراليا.

ووفق بيان الحكومة الأسترالية، فإن التقارير الاستخباراتية اعتبرت "الحرس الثوري" تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني، واعتبرت الحكومة أن هذه الهجمات من جانب "الحرس الثوري" تم التخطيط لها لتقويض وزرع الانقسام في مجتمعها المتعدد الثقافات، من خلال استهداف الأستراليين اليهود لإلحاق الأذى بهم وإثارة الخوف. ولذلك أقرت الحكومة الأسترالية قانونًا لتعديل القانون الجنائي "الدول الراعية للإرهاب" لعام 2025، والذي يخلق إطارًا جديدًا يسمح للحكومة بالرد على الإرهاب الذي ترعاه الدولة.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

ويأتي القرار أيضًا في إطار الالتزامات الإستراتيجية والتحالفات الدولية، حيث تستند أستراليا في سياساتها الأمنية إلى شراكاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا ودول التحالف الاستخباراتي "Five Eyes"، وبالتالي جاء القرار منسجمًا مع توجهات شريكاتها الإستراتيجية التي اعتبرت الحرس الثوري الإيراني "IRGC" جهة راعية للإرهاب منذ سنوات، إضافة إلى التماهي مع توجهات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا في النظر إلى الحرس الثوري كجهة تمارس العنف عبر الحدود، والتأكيد على أن سياسات الأمن الجماعي تتقدم على أي اعتبارات دبلوماسية أخرى.

وجاء القرار أيضًا بعد موجات ضغط دولية على إيران فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، كما أوصت لجنة برلمانية أسترالية رسمية بتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية بسبب سجل الانتهاكات. ودعا التقرير الحكومة الأسترالية إلى طرد أي مسؤولين إيرانيين في أستراليا يُعتقد أنهم متورطون في ترهيب أو تهديد أو مراقبة الأستراليين، ما يعني أن بين أسباب القرار استجابة أستراليا للضغوط الدولية والحقوقية.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

تداعيات القرار

تطال تداعيات هذا القرار في المقام الأول العلاقات الأسترالية الإيرانية، وهو ما بدا من خلال رد الفعل الإيراني بعد إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، حيث أدانت وزارة الخارجية الإيرانية بشدة القرار ووصفته بـ"المهين وغير القانوني" والمخالف للأعراف الدولية المتعلقة بسيادة الدول، كما استنكرت طهران دعم بعض الساسة الأستراليين لما وصفته بـ"السياسات المضللة للكيان الإسرائيلي"، وفق البيان.

وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ
وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ

ويبدو من خلال الرد الإيرانيأن طهران عازمة على الرد على هذه الخطوة، وإن لم تبيّن طبيعة هذا الرد، لكن وزارة الخارجية الإيرانية اعتبرت الخطوة عدائية من جانب أستراليا، وأكدت مكانة الحرس الثوري كجزء من القوات المسلحة الرسمية ودوره في حماية سيادة البلاد ومكافحة الإرهاب، مشددة على أن "إيران ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سمعة قواتها المسلحة ضد أي تصنيف عدائي".

ويعود الغضب الإيراني من القرار إلى الأهمية والقوة التي يمثلها "الحرس الثوري"، الذي تأسس في العام 1979 ويعمل بشكل منفصل عن الجيش الإيراني التقليدي، ويمثل قوة نخبوية موالية للمرشد الإيراني، ويمتد نفوذه إلى ما وراء المجالين العسكري والاستخباراتي ليشمل السياسة والتعليم والاقتصاد، إضافة إلى أنه يضم أكثر من 150 ألف جندي، كما يدير برامج غاية في الحساسية، على رأسها برنامج الصواريخ الباليستية.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

وتطال تداعيات القرار الجالية الإيرانية في أستراليا، ويمكن اعتبار هذه التداعيات سلبية من ناحية وإيجابية من ناحية أخرى. وتتمثل التداعيات السلبية في أن القرار يسهل ملاحقة أي أنشطة مرتبطة بالحرس الثوري داخل أستراليا، مما يزيد من التدقيق الأمني. أما التداعيات الإيجابية فتتمثل في أن القرار قد يمنح تسهيلات لبعض الفئات الإيرانية المتضررة من سياسات الحرس الثوري، وفق اقتراحات سابقة للحكومة الأسترالية بزيادة قبول الإيرانيين في إطار برامج التأشيرات المختلفة، مع التركيز بشكل خاص على النساء والفتيات والأقليات المضطهدة التي تسعى إلى الفرار من النظام.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

كما يساهم القرار أيضًا في تعزيز الحصار الدولي على "الحرس الثوري" الإيراني، وهو ما سيجعله يواجه بيئة دولية عدائية، خاصة مع الدول المتحالفة مع الغرب، مما سيمهّد الطريق أمام المجتمع الدولي لتجميد أصول أو تحويلات مرتبطة به سواء في النظام المالي الأسترالي أو مع دول أخرى قد تتخذ إجراءات مماثلة. إضافة إلى ذلك، فإن القرار سيؤدي إلى تقييد حركة عناصر "الحرس الثوري" عالميًا.

ختامًا:

يمكن القول إن قرار أستراليا بتصنيف "الحرس الثوري" كمنظمة إرهابية لا ينفصل عن الحصار الغربي لإيران وأنشطتها التي تعتبرها الدول الغربية تهديدًا لها ولأراضيها، كما أن الخطوة تمثل التزامًا من جانب أستراليا بتحالفاتها الإقليمية التي تعتبر الحرس الثوري أحد المهددات الأمنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.

كما أن القرار يأتي وسط تصاعد التوتر الإقليمي في الشرق الأوسط وإصرار إيران على دعم حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتعتمد في هذا الدعم بشكل أساسي على الحرس الثوري، وهو الأمر الذي يدفع حلفاء واشنطن إلى تحجيم نفوذ طهران عالميًا، وهو ما سيساهم في مزيد من العزلة الدولية للحرس الثوري.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء