رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل يجوز للطبيب إفشاء سر المريض إذا خشي الضرر؟.. الإفتاء تجيب

إفشاء سر المريض
إفشاء سر المريض

أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال: هل يجوز للطبيب إفشاء سر المريض إذا خشي الضرر، فقالت: تعد الأمانة من أجلِّ القيم التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية، فبها تُصان حقوق الله وحقوق العباد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعرف قبل البعثة بالصادق الأمين، وقد مدح الله عباده المؤمنين وأثنى عليهم بحفظهم الأمانات؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المؤمنون: 8، ونهى سبحانه وتعالى عن خيانة الأمانة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الأنفال: 27، ومفهوم الأمانة يشمل كل ما يتوجب حفظه وأداؤه، فتشمل حفظ الودائع، والأمانة في العمل، وحفظ الأسرار وهي أوكدها وأعظمها.

حفظ سر الغير أمانة واجبة

أضافت دار الإفتاء في فتواها أن حفظ سر الغير أمانة واجبة، ثوابها يعدل ثواب ستر العورات؛ فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه الشيخان.

وإفشاء الأسرار من خيانة الأمانة التي هي من خصال المنافقين؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» متفق عليه.

وإذا كانت النصوص ظاهرة في تأكيد حفظ الأمانة، ومنها حفظ سر الغير، إلا أنها تتأكد وتجب عند من يتعرض لأسرار الناس بحكم عمله ووظيفته، كعمل الطبيب وهي الحالة المسئول عنها، حيث تقتضي مهنته الاطلاع على أحوال المريض عند الفحص والتشخيص.

إفشاء أسرار المريض غيبة محرمة

أوضحت دار الإفتاء أنه يجب على الطبيب أن يحافظ على أسرار مرضاه، ويحرم عليه إفشاؤها؛ حيث إن في إفشائها وقوعًا في الغيبة المحرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الحجرات: 12

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": لا خلاف أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ مَن اغتاب أحدًا عليه أن يتوبَ إلى الله عز وجل.

إفشاء سر المريض جائز في هذه الحالات

أشارت دار الإفتاء إلى أنه قد تطرأ بعض الاستثناءات لبعض الحالات يسوغ فيها للطبيب البوح بأسرار المريض دون أن يكون مخلًّا بالتزام الحفاظ على سر المريض، وكان يترتب على ذلك تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، ومنها الخوف على الآخرين وهو محل السؤال، كأن يكون المريض مصابًا بمرض وبائي يخشى معه الانتقال إلى الغير وتفشي المرض في المجتمع، أو يكون المريض قد قام بعمل إجرامي وأصيب أثناء القيام بهذا العمل ولجأ إلى الطبيب ليعالجه، وغير ذلك من الحالات التي يتيقن فيها وقوع الضرر على الغير، ففي مثل هذه الحالات يجب على الطبيب أن يخبر الجهات المختصة بذلك لاتخاذ التدابير اللازمة للحد من وقوع الضرر على الغير، ولا يعد ذلك إخلالًا بالالتزام بحفظ أسرار المرضى ولا خيانة للأمانة؛ وذلك عملًا بقاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

 قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" : يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع ضرر العام، وحيث إن تبليغ الطبيب بمثل هذه الأمور فيه حفظ لأمن واستقرار المجتمع، والذي يعد الإخلال بهما ضررًا عامًّا تجب إزالته، وإفشاء سر المريض في مثل هذه الحالات ضرر خاص وهو أدنى من العام، فلا يلزم مراعاته بتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

والإبلاغ بحالة المريض في هذه الحالة للجهات المختصة فيه مصلحة شرعية معتبرة؛ لأنه يتعلق بالمصلحة العامة، وفيه درء للمفاسد، وقد جوَّز الفقهاء ذكر مساوئ الغير إذا كان ذلك فيه إزالة ضرر كبير، وجلب مصلحة عظيمة، ولا يكون ذلك وقوعا في الغيبة المحرمة.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء