التعليم المفتوح بين مطرقة الجودة وسندان العدالة التعليمية|خاص
بعد سنوات من الجدل والتراجع والتجميد، يعود ملف التعليم المفتوح إلى الواجهة من جديد، مدفوعًا بحكم قضائي أعاد الاعتراف بشهاداته الأكاديمية وفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل هذا النظام الذي مثّل يومًا طوق نجاة لآلاف الطلاب والعاملين وكبار السن.
وبين من يرى أن العودة لن تكون مجدية دون إصلاح جذري يضمن الجودة، ومن يؤكد أنه حق أصيل في العدالة التعليمية، ومن يحذر من التضييق الذي يدفع الطلاب إلى الجامعات الخاصة… تتشكل اليوم خريطة جديدة لمستقبل التعليم المفتوح في مصر، حيث يطرح الأساتذة وخبراء التعليم رؤى متنوعة بين التطوير، والإنقاذ، وإعادة ضبط المسار.
هل يعود التعليم المفتوح قويًا؟ أساتذة يكشفون خريطة الإصلاح وشروط الإحياء
أستاذ جامعي: لا عودة لنظام التعليم المفتوح إلا بعد تصحيح المسار
خطوة إيجابية في حال تم تطويره
أكد الدكتور محمد كمال أستاذ في جامعة القاهرة، أن عودة نظام التعليم المفتوح مرهونة بتلاشي جميع السلبيات التي صاحبت تطبيقه قبل إلغائه، مشددًا على أن عودته يمكن أن تمثل خطوة إيجابية في حال تم تطويره وفق معايير علمية دقيقة تضمن جودة المخرجات التعليمية وملاءمة التخصصات لسوق العمل.
وقال الدكتور محمد كمال، في تصريح خاص لـ«إيجبتك»، إن نظام التعليم المفتوح في جوهره يخدم تطوير الذات وزيادة الكفاءات والمهارات لدى الخريجين، لكنه أُسيء تطبيقه في فترات سابقة، ما أفقده جزءًا كبيرًا من مصداقيته، مضيفًا: «عودته مشروطة بعدم تكرار الأخطاء السابقة، وعلى رأسها إتاحة تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، أو تُعد سببًا مباشرًا في إلغاء النظام من قبل».

إتاحة تخصصات جديدة تتواكب مع وظائف المستقبل
وأوضح أستاذ جامعة القاهرة، أن المرحلة المقبلة تتطلب إتاحة تخصصات جديدة تتواكب مع وظائف المستقبل ومتطلبات سوق العمل الحديثة، خاصة في مجالات التكنولوجيا، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، بدلًا من التركيز على تخصصات تقليدية مشبعة.
الاعتراف الكامل بالشهادات الممنوحة لطلاب التعليم المفتوح
وشدد الدكتور محمد كمال، على ضرورة الاعتراف الكامل بالشهادات الممنوحة لطلاب التعليم المفتوح في جميع القطاعات الحكومية والخاصة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الخريجين، إلى جانب تغيير المسمى الخاص بنظام التعليم المفتوح بما يعكس طبيعته الأكاديمية الحديثة ويبتعد عن الصورة الذهنية السلبية المرتبطة بالماضي.
إعادة تنظيم الخطة الدراسية
وطالب الدكتور محمد كمال بإعادة تنظيم الخطة الدراسية بما يضمن تحقيق الحد الأدنى من المعايير الأكاديمية المعتمدة، حتى لا يكون نظام التعليم المفتوح مجرد مسار شكلي للحصول على شهادة فقط.
توزيع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات
وأشار إلى أن نجاح أي صيغة جديدة لنظام التعليم المفتوح يتطلب إعادة النظر في توزيع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، فضلًا عن زيادة أعدادهم واستيعابهم داخل البرامج الجديدة، مع ضرورة زيادة عدد المحاضرات والتفاعل المباشر مع الطلاب لضمان جودة العملية التعليمية وعدم تحويلها إلى تعليم عن بُعد غير منضبط.
وأكد الدكتور محمد كمال، أن صنّاع القرار واللجان المختصة مطالبون بدراسة التجربة السابقة بموضوعية، والاستفادة من أخطائها قبل اتخاذ أي خطوة نحو الإحياء.
بعد عودة التعليم المفتوح.. أستاذ جامعي يقترح حلولًا للأزمة
وفي سياق متصل، قال الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد أستاذ متفرغ بالكلية علوم الرياضة للبنين جامعة الإسكندرية، وخبير ومستشار قانوني حر بقانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية وتعديلاتها، إنه في السنوات الأخيرة، صدر قرار من المجلس الأعلى للجامعات بإلغاء نظام التعليم المفتوح واستبداله بالتعليم المدمج، مع تحويل الشهادات إلى مهنية وليست أكاديمية، هذا القرار أثار غضب آلاف الطلاب الذين رفعوا قضايا على وزارة التعليم العالي مطالبين بعودة النظام القديم، حتى صدر حكم قضائي يعيد الاعتراف بالشهادات الأكاديمية.

يحقق العدالة التعليمية ويوسع قاعدة المتعلمين
وأضاف الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد، في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، نوجود التعليم المفتوح عدة فوائد منها؛ أنه يفتح باب التعليم أمام العاملين وكبار السن، كما أنه يحقق العدالة التعليمية ويوسع قاعدة المتعلمين، وأيضا يمنح الملتحقين به فرصة لتطوير مهاراتهم المهنية.
ضعف الرقابة الأكاديمية وتفاوت الجودة
وأشار الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد، أنه توجد أيضًا العديد من المآخذ على وجود نظام التعليم المفتوح بالجامعات والمعاهد العليا منها ضعف الرقابة الأكاديمية وتفاوت الجودة.
وأكد الأستاذ المتفرغ بالكلية علوم الرياضة للبنين جامعة الإسكندرية، أن غياب التدريب العملي الكافي، وتكدس الطلاب في هذا النظام، مع ضعف سمعة الشهادات الممنوحة منه.
تشكيك سوق العمل في كفاءتهم وضعف مهاراتهم البحثية
وأوضح الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد، أنه توجد أيضا بعض المآخذ على خريجين هذا النظام منها تشكيك سوق العمل في كفاءتهم، وضعف مهاراتهم البحثية، ندرة الفرص في التوظيف الأكاديمي لهم.
واقترح الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد بعض الحلول التي يرى أنها يمكن أن تساعد في التغلب على هذه المشكلة مثل:
- الاعتراف الأكاديمي الكامل مع إضافة ضوابط صارمة للجودة.
- العمل على تطوير المناهج لتشمل التدريب العملي والبحث العلمي.
- إدماج التكنولوجيا الحديثة في التعليم المفتوح.
- إنشاء هيئة رقابية مستقلة لضمان المصداقية.
- ربط الخريجين بسوق العمل عبر برامج تدريبية.
وأختتم الدكتور عبدالباسط صديق عبدالجواد، تصريحاته قائلَا: "التعليم المفتوح ليس مجرد شهادة، بل هو حق في العدالة التعليمية وفرصة للتطوير المجتمعي، والمطلوب اليوم إصلاح شامل يوازن بين المرونة والجدية، وبين إتاحة الفرص وضمان الجودة".
أستاذ جامعي: التعليم المفتوح نظام موازٍ.. وسوق العمل يحكمه مبدأ الكفاءة
ومن جانبه، أكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، والخبير التربوي، أن نظام التعليم المفتوح يُعد أحد الأنظمة التعليمية الأساسية في منظومة التعليم العالي، حيث يسير بالتوازي مع التعليم العالي التقليدي المتمثل في الجامعات والمعاهد التي تستقبل طلاب الثانوية العامة وما يعادلها من شهادات.
وأوضح "شوقي" في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن نظام التعليم المفتوح جاء بمثابة طوق نجاة لإنقاذ فئة كبيرة من الطلاب الذين لم تتح لهم الظروف المختلفة الالتحاق بالجامعات، سواء كانوا من خريجي التعليم الفني، أو ممن تعثروا في الثانوية العامة، أو تعثروا في بعض الكليات العامة ومن ثم اتجهوا إلى التعليم المفتوح.

وأشار أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، إلى أن هؤلاء الطلاب يسعون من خلال هذا المسار إلى تحسين مستواهم العلمي والاجتماعي عبر الالتحاق بالجامعات، وتغيير النظرة المجتمعية إليهم باعتبارهم حاصلين على مؤهلات متوسطة ليرتقوا إلى فئة الحاصلين على مؤهلات عليا، مؤكداً أن لهذا النظام فوائد اجتماعية وتعليمية كبيرة.
تصميم مناهج دراسية لا تقل في مستواها عن المناهج الجامعية
وفيما يخص الجودة التعليمية، شدد أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، على إمكانية حل أي إشكاليات قد تواجه التعليم المفتوح بسهولة، موضحاً أنه يتم تصميم مناهج دراسية لهؤلاء الطلاب لا تقل في مستواها عن المناهج الجامعية، كما أن عدد المقررات الدراسية في أي تخصص لا يقل عن مثيلاتها في الكليات المناظرة (كالحقوق، التجارة، الآداب، أو التربية)، لافتاً إلى أن قواعد النجاح والرسوب متماثلة في كلا النظامين (المفتوح والتقليدي).
صاحب العمل له الحق في القبول أو الرفض بناءً على الكفاءة
وحول فرص العمل، أكد أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، أن الفرص متاحة للجميع، وأن الأمر يرجع في النهاية لإرادة المؤسسة أو صاحب العمل، موضحاً أن لصاحب العمل الحق في القبول أو الرفض بناءً على الكفاءة؛ فإذا رأى أن مستوى خريج التعليم المفتوح أقل، يمكنه رفضه، وإذا تقدم لوظيفة ما 100 خريج تعليم مفتوح وخريج واحد تعليم تقليدي، وكان الأخير هو الأنسب، فسيتم اختياره.
واختتم أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، حديثه بالتأكيد على أنه لا يمكن حرمان هؤلاء الطلاب من حقهم في استكمال تعليمهم العالي والحصول على مؤهلات عليا، حتى وإن كان القبول في الوظائف يخضع لمعايير وتفضيلات جهات العمل.
أستاذ جامعي: التضييق على التعليم المفتوح يدفع الطلاب نحو الجامعات الخاصة
بينما قال الدكتور وائل كامل، عضو هيئة التدريس في جامعة حلوان، إن نظام التعليم المفتوح في مصر شهد الكثير من الجدل خلال السنوات الماضية، ورغم ما كان يشوبه من سلبيات، فإنه ظل يمثل منفذًا مهمًا لكل من يريد دراسة تخصص مختلف عن المسار الذي فرضته عليه درجات الثانوية العامة ومكتب التنسيق.

وأضاف: "كان هذا النظام بشكله الأكاديمي القديم، يتيح للناس فرصة إعادة تشكيل مستقبلهم المهني مثلما هو معمول به في دول كثيرة تسمح بتعليم الكبار دون قيود على العمر أو الخلفية الدراسية، اعتمادًا فقط على القدرة والاستعداد للتعلم".
وأشار "كامل" في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، إلى أنه بدلًا من معالجة القصور الحقيقي في هذا النظام، جرى اللجوء إلى الحل الأسهل وهو إضعافه تدريجيًا ثم تحويله إلى شهادة مهنية قليلة القيمة وغير مطلوبة بسوق العمل ولا يستطيع صاحبها أن يستكمل دراساته العليا، وهو قرار لم يستند إلى احتياجات المجتمع أو متطلبات سوق العمل بقدر ما جاء في إطار توجه عام يُضيّق مساحة التعليم الموازي منخفض التكلفة، ويدفع الراغبين في استكمال دراستهم إلى الجامعات الأهلية والخاصة.
وقد أكد الحكم القضائي الأخير، الذي رفض طعن وزارة التعليم العالي وألزمها بالعودة لمنح البكالوريوس الأكاديمي، أن قرارات المجلس الأعلى للجامعات لا يجوز أن تتعارض مع اللائحة التنفيذية للقانون، وأن كل ما حدث لم يكن سوى اعتداء إداري على تنظيم قانوني واضح ولائحة تحدد الشهادة بأنها أكاديمية.
تقليص موازنات الجامعات الحكومية ودفعها إلى الاعتماد على مواردها الذاتية
وكشف عضو هيئة تدريس جامعة حلوان، أن النظرة الضيقة للتعليم المفتوح ليست منفصلة عن سياسات التعليم خلال السنوات الماضية، ومنها تقليص موازنات الجامعات الحكومية ودفعها إلى الاعتماد على مواردها الذاتية وتحقيق الاستقلال المالي، الأمر الذي وضعها تحت ضغوط مالية كبيرة وجعل بعضها غير قادر حتى على تغطية احتياجاته الأساسية ،هروب الكفاءات منها للعمل برواتب مضاعفة بالتعليم الأهلي والخاص وفي الوقت نفسه، شهدت الساحة توسعًا ملفتًا في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة خلال فترة قصيرة بشكل مبالغ فيه ولم تكن مصر بحاجة إليه، بما يعكس انتقال الدور التقليدي للدولة من مقدم مباشر للخدمة التعليمية إلى مجرد مراقب والبدء بالتحلل التدريجي من مجانية التعليم، بينما يُترك المجال الأكبر لمؤسسات تقوم على الربحية أكثر مما تقوم على الرسالة الأكاديمية.
وأوضح أنه عندما تم إضعاف التعليم المفتوح ثم غلق أبوابه تدريجيًا، لم يكن الهدف إصلاحه بل تفريغه لصالح مسارات أخرى أعلى تكلفة، فقد كان من الأولى تطوير اللوائح، وضبط الإدارة، وتقديم خدمة تعليمية حقيقية تعادل التعليم النظامي، بدلًا من تحويله إلى تجربة سيئة ارتبطت في أذهان الناس بالربح لا بالتطوير وبالحصول على شهادات بدون دراسة وبغياب متكرر، ومهما قيل عن مشكلات التعليم المفتوح، فإن إلغاء قيمته الأكاديمية كان بمثابة خطوة تعكس تفضيل منطق السوق على منطق الخدمة العامة، خاصة في ظل غياب سياسات واضحة لربط التعليم باحتياجات المجتمع.
وأنهى "كامل" تصريحاته الخاصة، قائلا إن الحكم القضائي الأخير يعيد الأمور إلى نصابها القانوني، لكنه لا يكشف فقط عن خطأ إداري، بل عن خلل أعمق في طريقة التخطيط داخل الوزارة، فبدون رؤية شاملة تعتمد على توسعة فرص التعليم لا تقليصها، ودعم الجامعات الحكومية لا محاصرتها، وتوفير موازنات مالية تكفيها لا اضطرارها لفرض رسوم بلا أي معنى بتعويض النقص في الموازنات.. إلخ"، مضيفا: "سيظل التعليم في مصر أقرب إلى سلعة منه إلى خدمة. والمجتمع يحتاج اليوم إلى استعادة الفكرة الأساسية التي قامت عليها الدولة الحديثة. التعليم حق عام لكل دافعي الضرائب، وأن على الدولة التزامًا بتوفير مسارات متعددة ومرنة لمن يرغب في إعادة بناء مستقبله أو اكتساب مهارات جديدة، وأن إصلاح العوار دائمًا أفضل من هدم المسارات المتاحة".

