رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الانقلاب العسكري في غينيا بيساو: بين أزمة الحكم والانقسام السياسي

قيادات عسكرية  قامت
قيادات عسكرية قامت بالاطاحة برئيس غينيا بيساو

تشهد غينيا بيساو انقلابًا عسكريًا مفاجئًا أعلنت خلاله مجموعة من الضباط توليها السلطة وتعليق العملية الانتخابية، في خطوة تزامنت مع توتر سياسي وتضاربٍ حول نتائج الانتخابات الأخيرة. وأغلق الجيش الحدود وفرض سيطرته على مؤسسات الدولة، بينما أكد الرئيس المحتجز أنه أُطيح به دون مقاومة.

وجاء التحرك العسكري في لحظة حساسة تتقاطع فيها عوامل سياسية واقتصادية، أبرزها بدء موسم الكاجو الذي يمثل المحصول الرئيسي في البلاد ومصدر الدخل الأساسي لمعظم الأسر الريفية، إذ يُعد التحكم في تصدير الكاجو عاملًا مؤثرًا في ميزان القوى الداخلي، نظرًا لاعتماد الحكومة بشكل كبير على عائداته.

اللواء دينيس نْكانها قائد الانقلاب العسكري في غينينا بيساو 
اللواء دينيس نْكانها قائد الانقلاب العسكري في غينينا بيساو 

وفي المقابل، تعيد تطورات الانقلاب تسليط الضوء على نشاط شبكات تهريب الكوكايين، والتي تشير تقارير دولية إلى أنها تستخدم غينيا بيساو كنقطة عبور نحو أوروبا، كما تتهم جهات داخل مؤسسات الأمن بالتورط في هذا النشاط، ما يجعل البلاد ساحة تنافس بين اقتصاد رسمي قائم على الزراعة وقطاعٍ موازٍ يرتبط بالجريمة المنظمة.

تداعيات الحكم العسكري

يأتي الانقلاب وسط مخاوف دولية من انزلاق البلاد إلى اضطرابات جديدة، خصوصًا مع استمرار الغموض بشأن مستقبل العملية الانتخابية وتداعيات السيطرة العسكرية على الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي، في بلد يُعد من أكثر دول غرب إفريقيا هشاشةً سياسيًا وأمنيًا.

فرضت المؤسسة العسكرية في غينيا بيساو سيطرتها الكاملة على مؤسسات الدولة عقب الإعلان عن توليها الحكم وتعليق العملية الانتخابية، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا بشأن مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي. وأغلقت القوات المسلحة الحدود، وفرضت إجراءات أمنية مشددة في العاصمة بيساو، بينما لا يزال مصير الرئيس المخلوع غير واضح بالكامل.

 رئيس غينيا بيساو عمر سيسوكو إمبالو
 رئيس غينيا بيساو عمر سيسوكو إمبالو

وتحذر منظمات إقليمية ودولية من أن استمرار الحكم العسكري قد يؤدي إلى مزيد من التوتر الداخلي وتراجع ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي، خاصة في بلد شهد عددًا من الانقلابات خلال العقود الماضية. كما تُخشى تداعيات اقتصادية مباشرة، من بينها تعطل موسم تصدير الكاجو الذي يمثل الشريان المالي الرئيسي للدولة، إضافة إلى احتمال توسع نشاط شبكات تهريب المخدرات في ظل ضعف الرقابة المدنية.

ومن المتوقع أن تتسبب سيطرة العسكر في تراجع الاستثمارات الدولية وزيادة الضغوط الاقتصادية على الحكومة المؤقتة، بينما يترقب الشارع مآلات المواجهة بين القوى السياسية والقيادة العسكرية، في وقت تتكثف فيه الدعوات الدولية لعودة سريعة إلى الحكم المدني.

ومع استمرار الغموض حول نوايا المجلس العسكري بشأن الفترة الانتقالية، تتزايد المخاوف من دخول البلاد مرحلة طويلة من الانقسام والتوتر، ما يهدد الاستقرار الهش في واحدة من أكثر دول غرب إفريقيا عرضةً للاضطرابات.

إيكواس ومستقبل الاستقرار في غرب إفريقيا

يلقي انقلاب غينيا بيساو بظلاله على المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس"، وهي منظمة إقليمية تضم 15 دولة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني في غرب القارة، بالإضافة إلى دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومواجهة التحديات العابرة للحدود مثل الفقر والتهريب والنزاعات المسلحة.

دول مجموعة إيكواس الإفريقية
دول مجموعة إيكواس الإفريقية

وتعتبر بيساو عضوًا فاعلًا في "إيكواس"، رغم تاريخها الطويل من الانقلابات والأزمات السياسية. وتلعب البلاد دورًا استراتيجيًا في عمليات مراقبة الحدود وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى كونها نقطة مرور رئيسية للاقتصاديات الرسمية وغير الرسمية، بما في ذلك تصدير الكاجو والنشاطات المرتبطة بالمخدرات، وهو ما يجعلها في صلب اهتمام المجموعة.

وتشير المراقبات الإقليمية إلى أن استقرار غينيا بيساو يؤثر مباشرةً على فعالية "إيكواس" في تحقيق أهدافها، إذ يُعد الانسداد السياسي أو ضعف مؤسسات الدولة في بيساو عاملًا قد ينعكس على أمن دول الجوار وعلى خطط التنمية الاقتصادية في غرب إفريقيا.

وعلى خلفية الانقلاب، أدانت "إيكواس" الأحداث الأخيرة، واعتبرته محاولة لتعطيل العملية الديمقراطية بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وجاء في بيان رسمي أن "إيكواس" تطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين واستئناف العملية الانتخابية، مؤكدة أن العودة إلى النظام الدستوري هي الطريق الوحيد لضمان الاستقرار في البلاد.

وحذرت من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على تعطيل مؤسسات الدولة، لا سيما في ظل اعتماد البلاد على قطاع الكاجو كمصدر رئيسي للدخل، وانتشار شبكات تهريب المخدرات التي قد تستفيد من ضعف الرقابة المدنية.

وأعلنت "إيكواس" أنها ستواصل متابعة التطورات عن كثب، مؤكدة دعمها لأي جهود لإيجاد حل سلمي يحافظ على المؤسسات الديمقراطية ويضمن عودة السلطة المدنية بشكل عاجل.

عناصر من  جيش غينيا بيساو  
عناصر من  جيش غينيا بيساو  

مستقبل الديمقراطية على المحك

تتجه الأنظار الدولية نحو غينيا بيسا،و بعد انقلاب الجيش الأخير الذي أدى إلى تعليق العملية الانتخابية والسيطرة على مؤسسات الدولة. وتدعو المنظمات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها "إيكواس"، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إلى إعادة السلطة للمدنيين وضمان استكمال العملية الانتخابية.

وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن الضغط الدولي يتخذ عدة أشكال: بيانات إدانة رسمية، تهديد بعقوبات اقتصادية على العسكريين، ومراقبة دقيقة لتدفق المساعدات والمنح الدولية، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والبنية التحتية، حيث يمثل قطاع الكاجو الشريان المالي الرئيسي للبلاد.

عناصر من  جيش غينيا بيساو   
عناصر من  جيش غينيا بيساو   

ومن المتوقع أن يهدد استمرار حكم العسكر استقرار النظام الديمقراطي في غينيا بيساو، ويضعف مؤسسات الدولة الهشة، بينما قد تُستغل الفرصة لتعزيز نفوذ شبكات المخدرات العابرة للحدود. وسيعتمد مستقبل الديمقراطية في البلاد بشكل كبير على قدرة المجتمع الدولي و"إيكواس" على الضغط لضمان انتقال سلمي وعودة الحكم المدني، مع مراقبة دقيقة للتطورات السياسية والاقتصادية خلال الأشهر المقبلة.

كما تُبدي دول غربية، وعلى رأسها البرتغال، قلقها من استمرار حكم العسكر وتأثيره على استقرار الدولة والمنطقة، مشيرة إلى أن ضعف المؤسسات الرسمية قد يفتح المجال أمام شبكات الجريمة المنظمة للاستفادة من الفراغ السياسي.

ختامًا:

يظل مستقبل غينيا بيساو معلقًا بين التوتر السياسي الداخلي والصراع الدولي على النفوذ، وسط مخاوف من تفاقم الانقسام وتأجيل عودة الحكم المدني، في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي عن كثب تطورات الوضع في هذا البلد الغربي الإفريقي الاستراتيجي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء