قراءة في المرحلة الثانية| تطور المنافسة من «قبلية» الصعيد لـ «حزبية» بحرى
بعد إسدال الستار على المرحلة الأولى من العملية الانتخابية لمجلس النواب، تتجه الأنظار نحو المرحلة الثانية التي تمثل ما يقرب من نصف الكتلة الناخبة.
في هذه المرحلة، تنتقل دائرة التنافس من " القبلية السياسية" في الصعيد إلى "الحزبية الشرسة والمصلحة المباشرة" في الدلتا والوجه البحري، وهو ما يفرض قراءة تحليلية معمقة لا تكتفي بذكر الأرقام، بل تبحث في اتجاهات التصويت والانتخاب، والمفاجآت التي قد تحدد بشكل حاسم تركيبة البرلمان المقبل.
في هذا التقرير المفصل عبر إيجبتكِ نرصد الخارطة الرقمية لهذه المرحلة، والكتل التصويتية في محافظات الدلتا والقاهرة، ومصير تمثيل المرأة بعد "إخفاق" المرحلة الأولى؟
الأرقام تتحدث المرحلة الثانية... كثافة أعلى وتنافس "أعنف"
تُشير القراءة الرقمية للمرحلة الثانية إلى أنها أكثر كثافة من حيث التنافس والتصويت مقارنة بسابقتها، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تضم محافظات الوجه البحري الأعلى تقليدياً في نسب المشاركة.

تشير الأرقام إلى أن كل مقعد انتخابي يتنافس عليه 9.4 مرشح تقريباً ، ويظهر التوزيع بين المرشحين أن الغلبة لا تزال للمستقلين بـ 1,042 مرشحاً، مقابل 274 مرشحاً حزبياً، إلا أن طبيعة محافظات الدلتا الحزبية قد تمنح الأخيرين زخماً أكبر في جولات الإعادة.
ديناميكية الوجه البحري.. صراع "المصلحة" و"الانتماء"
تختلف خصائص المرحلة الثانية عن الأولى في الصعيد، حيث ينتقل الصراع من "العشائرية" إلى "العائلية" و"البرجماتية السياسية".
أ. التصويت للمصلحة يحل محل الولاء العشائري
تتميز محافظات الدلتا بـ 3 سمات رئيسية توجه التصويت:
- نسبة مشاركة وتنافس أكبر: تكون الكثافة الانتخابية أعلى بشكل ملحوظ.
- التصويت المربوط بالمصلحة: خاصة في محافظات وسط الدلتا، حيث يُعتبر المرشح الناجح هو الذي يملك القدرة على إقناع الناخبين بأن تحقيق مصالحهم مرتبط به.
- الانحياز للانتماء في الجولة الأولى: يبرز "الانحياز للجغرافيا" أو "ابن بلدنا" في الجولة الأولى؛ إذ يُنظر إلى عدم حصول مرشح الوحدة القروية على صوتها على أنه "إهانة للقرية"، ومع الوصول إلى جولة الإعادة، يتحول التصويت بالكامل إلى المصلحة والاتفاقات السياسية.
ب. الشرقية والدقهلية.. "حصانا الرهان الرئيسيان"
تتصدر محافظات الدلتا المشهد الانتخابي، وتُعدّ الشرقية والدقهلية هما فرسا الرهان الحقيقيان لهذه المرحلة، ونتائجهما ستكون مؤشراً قوياً على تركيبة المجلس:
تتصدر محافظة الدقهلية قائمة محافظات المرحلة الثانية لانتخابات مجلس النواب من حيث عدد المرشحين، حيث تشهد منافسة قوية بين 287 مرشحًا يسعون لشغل إجمالي 38 مقعدًا في البرلمان.
ويُظهر المشهد الانتخابي في المحافظتين كثافة عالية في أعداد المرشحين والناخبين على حد سواء، مما يؤكد سخونة المعركة الانتخابية.
تفاصيل المشهد في الدقهلية (المتصدرة)
تُعد الدقهلية الأكثر استقطابًا للمرشحين في هذه المرحلة بإجمالي 287 مرشحًا. وتتوزع مقاعدها الـ 38 كالتالي:
المقاعد الفردية: 21 مقعدًا موزعة على 10 دوائر انتخابية (تشمل 24 مركزًا وقسمًا).
مقاعد القائمة: 17 مقعدًا.
القاعدة الناخبة: نحو 4 ملايين صوت انتخابي.
البنية الانتخابية: 10 لجان عامة، و657 مقرًا انتخابيًا، تضم 795 لجنة فرعية.
الشرقية.. "العائلات البرلمانية" في صدارة المنافسة
تأتي محافظة الشرقية في المرتبة الثانية بعدد مرشحين بلغ 252 مرشحًا، وتتميز المنافسة فيها بظاهرة بارزة هي حضور "العائلات البرلمانية" بشكل لافت. وتتوزع مقاعدها ومكوناتها الانتخابية كالتالي:
المقاعد الفردية: يتنافس 249 مرشحًا فرديًا على 21 مقعدًا بالنظام الفردي.
مقاعد القائمة: 21 مقعدًا مخصصة للقائمة الوطنية من أجل مصر.
القاعدة الناخبة: نحو 4 ملايين و905 آلاف و724 ناخبًا.
البنية الانتخابية: 9 لجان عامة، تضم 975 مركزًا انتخابيًا بها 1040 لجنة فرعية.
- يعكس التنافس الحزبي القوي في الدلتا أن الميل إلى العمل السياسي أقوى بكثير مقارنة بالصعيد، حيث كان يتم توارث المقعد تحت "غطاء سياسي" هو الحزب الأقرب إلى الدولة.
ج. خط القناة.. "العند السياسي" وعقدة النجاح المتكرر
تتميز منطقة "خط القناة" (السويس وبورسعيد) بديناميكيات خاصة:
- اللعب بشراسة: أصحاب هذه المنطقة هم "أصحاب الدماء الفوارة"، والمفاجآت واردة، ويلعب فيها ما يُسمى بـ "العند السياسي" دوراً حاسماً.
- تغيير النواب: السمة الغالبة لتلك المحافظات هي صعوبة نجاح نائب مرتين متتاليتين، سيماا لو كان حزبياً، أما المرشح المستقل قد يمتلك فرصة، لكن القوة الحزبية قد تعجز عن تكرار النجاح.
3. القاهرة.. النمط الاقتصادي وتراجع عدد المرشحين
على الرغم من أن القاهرة تضم نحو 24% من الكتلة الناخبة في المرحلة الثانية المحددة بـ (49.3%)، إلا أنها سجلت 205 مرشحاً فقط.
يعود ذلك إلى أن العاصمة تعمل أقرب إلى النمط الاقتصادي في التنافس، حيث تفرض العباءة المالية والقدرة الاقتصادية للمرشحين مساحة من الردع لآخرين عن دخول المنافسة.
ونتيجة لذلك، لم تدخل أي دائرة من القاهرة ضمن أعلى 10 دوائر كثافة كـ الدقهلية والشرقية، من حيث عدد المرشحين على مستوى الجمهورية.
4. تحدي تمثيل المرأة.. الدلتا قد تعوّض خسائر الصعيد
تُعد قضية تمثيل المرأة "خسارة كبيرة" في المرحلة الأولى، حيث لم تنجح أي امرأة من الجولة الأولى، ولم تصل أي منهن لجولة الإعادة بعد انسحاب المرشحة نشوى الديب في أمبابة، إلغاء الانتخابات في دائرة سناء برغش بدمنهور.
- تقلص عدد المرشحات من 89 في المرحلة الأولى إلى 84 مرشحة في المرحلة الثانية.
- رغم تقلص العدد، فإن احتمالات فوز النساء في المرحلة الثانية واردة ، لسببين:
- غياب النزعة الذكورية: محافظات الدلتا تفتقر إلى النزعة الذكورية الصارمة الموجودة في الصعيد في التصويت للسيدات.
- الدوائر الداعمة: بعض الدوائر لديها "صوت معزز للنساء"، فعلى سبيل المثال، دائرة فاقوس (الشرقية)، وهي أكبر دائرة من حيث عدد المرشحين (59 مرشحاً)، لديها تاريخ في التصويت للمرأة، وقد انتخبت امرأتين ضمن مقاعدها الـ 4 في الانتخابات السابقة.
5. رسالة الرئيس السيسي.. مرحلة "ما بعد التويتة"
يجب وضع العملية الانتخابية في إطارها الأوسع، وعدم إغفال رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي المتعددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولقاءاته.
ويرى المحللون أن تقييم تاريخ الحراك الديمقراطي الأخير (منذ السبعينات) سيتم بناءً على مرحلتين فاصلتين: ما قبل رسالة الرئيس السيسي وما بعدها، وهو ما يؤكد على الأهمية السياسية العليا التي توليها الدولة لنتائج هذا الاستحقاق في تشكيل المشهد السياسي.



