حكومة شرق ليبيا ترفض "الهيئة العليا للرئاسات" وتلوح بالحكم الذاتي
في تطور سياسي جديد يزيد من تعقيد المشهد الليبي، أعلنت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب في الشرق، برئاسة أسامة حماد، رفضها القاطع لتأسيس ما يسمى بـ"الهيئة العليا للرئاسات"، التي تم الإعلان عنها مؤخرا كأعلى سلطة سيادية في البلاد، ملوحة في المقابل بخيار "الحكم الذاتي" إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه ولم تجر الانتخابات.
رفض دستوري وسياسي
في بيان رسمي، أكد رئيس الحكومة المكلفة من النواب أسامة حماد، أن الخطوة التي أقدم عليها كل من المجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، والمجلس الأعلى للدولة، بتأسيس "الهيئة العليا للرئاسات"، لا تستند إلى أي أساس دستوري أو قانوني، وفق تعبيره.
وقال حماد إن الإعلان الدستوري وتعديلاته، والقواعد القطعية في النظام الدستوري الليبي، لا تمنح هذه الأجسام حق إنشاء هياكل سيادية جديدة أو الاتفاق على تشكيلها، معتبرا أن ما صدر عنها "عمل منعدم دستوريا وقانونيا، ولا يملك أي من هذه الأجسام سلطة إصداره أو الاتفاق عليه".
وشدد على أن حكومته ترى في هذه الخطوة تجاوزا لصلاحيات تلك الأجسام، وسعيا لفرض أمر واقع سياسي جديد، بعيدا عن الإرادة الشعبية والعملية الانتخابية التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات، وفقًا لوكالة " سبوتنيك".

ما هي "الهيئة العليا للرئاسات"؟
جاء الإعلان عن "الهيئة العليا للرئاسات" في ختام اجتماع عقد في العاصمة طرابلس، جمع بين: رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة
ووفق بيان التأسيس، تقدم هذه الهيئة كأعلى سلطة سيادية في ليبيا، هدفها "توحيد القرار والمواقف الوطنية، خصوصا في الملفات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية"، بما يفترض أنه ينسجم مع جهود توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام
إلا أن هذا الكيان الجديد، بدلا من أن ينظر إليه كخطوة في اتجاه التوحيد، قوبل في الشرق باعتباره محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الغرب الليبي، وتثبيت النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري للأطراف المسيطرة على طرابلس ومحيطها.

رد على تحركات حفتر
المحلل السياسي المتخصص في الشأن الليبي، عبد الستار حتيتة، رأى في تصريحاته أن "الهيئة العليا للرئاسات" ليست مجرد إطار تنسيقي بريء، بل تحمل أيضا أبعادا سياسية تتعلق بتوازنات القوة في البلاد.
وبحسب تحليله، فإن الهيئة "قدمت كمنصة لتنسيق القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية، لكن الواقع يوحي بأنها رد فعل دفاعي سريع على التحركات الأخيرة التي يقوم بها المشير خليفة حفتر في الشرق".
ويُنظر في الغرب الليبي، خاصة في طرابلس ومصراتة، إلى تحركات حفتر باعتبارها تهديدا مباشرا للنفوذ القائم هناك، خصوصا بعد سعيه لتعزيز قوته العسكرية وتحالفاته القبلية في مناطق تمتد من الشرق إلى الجنوب والغرب. ويرى حتيتة أن "الهيئة العليا للرئاسات" تُستخدم كأداة سياسية لمحاولة سحب البساط من تحت أقدام حفتر وتحجيم تأثيره.

تعقيد إضافي لمسار الأمم المتحدة
من زاوية أخرى، يشير حتيتة إلى أن هذه الخطوة تزيد من تعقيد مهمة الأمم المتحدة في ليبيا، التي تعمل منذ سنوات على توحيد السلطة التنفيذية والإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة.
فالإعلان عن كيان سيادي جديد، يضم رؤوس السلطات القائمة في الغرب، يخلق مركز قرار إضافيا موازيا للمسار الأممي، ويُربك جهود تشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات.
تحذيرات من العودة إلى نقطة الصفر
الكاتب الصحفي وخبير الشؤون العربية، أسامة عجاج، حذر من أن هذه التطورات يمكن أن تُعيد الأزمة الليبية إلى "نقطة الصفر"، بعد كل ما بُذل من جهود إقليمية ودولية لدفع العملية السياسية إلى الأمام.
وبحسب " سبوتنيك"، أشار عجاج إلى أن خارطة الطريق الأممية، التي وضعتها بعثة الأمم المتحدة بهدف الوصول إلى انتخابات عامة خلال فترة زمنية محددة، كانت تمثل بارقة أمل حقيقية لليبيين، غير أن القرارات الأحادية وتأسيس هياكل سياسية جديدة خارج هذا المسار تهدد بنسف كل ما تحقق.
ويحذر الخبير من أن هذا التلويح يمكن أن يفتح الباب أمام صدام جديد بين "الجيش الوطني الليبي" في الشرق وبين القوى المسلحة المسيطرة في الغرب، وربما يدفع إلى ظهور قيادات عسكرية موازية لحفتر في المعسكر الآخر، بما يهدد بانفجار عسكري واسع.

المجتمع الدولي بين الرفض والحذر
يرى أسامة عجاج أن المجتمع الدولي لن يبارك أي تحركات أحادية تعمق الانقسام ولا تستند إلى أساس قانوني واضح، سواء جاءت من الشرق أو الغرب.
أما بخصوص تحركات حفتر الداخلية والخارجية بعد تعثر محاولات توحيد المؤسسة العسكرية في القاهرة، فيعتبرها الخبير تحركات "ذكية من حيث توظيف الفراغ السياسي والانقسام"، لكنها في الوقت نفسه "لا تحظى بشرعية قانونية كاملة، وقد تُنظر إليها على أنها تعميق للانقسام وليس خطوة نحو الحل".
الانتخابات.. الأمل المؤجل
رغم كثرة المبادرات والمسارات، يظل الحل السياسي في نظر معظم المراقبين مرهونا بإجراء انتخابات عامة تتفق عليها الأطراف الليبية جميعها، وتُبنى على قواعد دستورية وقانونية متوافق عليها.

