أزمات الجيش الإسرائيلي تتصاعد: جاهزية منخفضة وخلافات مع الحكومة
تصاعدت حدة التوتر بين الجيش الإسرائيلي ووزارة المالية بشأن ميزانية الأمن للمرحلة التالية للحرب، إذ يطالب الجيش بزيادة ضخمة في الميزانية لضمان استمرار الجهود العملياتية ودعم الاحتياط، بينما ترى وزارة المالية أن الإنفاق العسكري وصل حدًّا غير مسبوق، وأن المؤسسة العسكرية لا تظهر شفافية كافية في توزيع الأموال.
وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الجيش الإسرائيلي يستعد لعام 2026 باعتباره سنة مليئة بالنشاط الأمني المكثف وطويل الأمد، في ظل تقديرات أمنية تشير إلى أن الوضع الميداني لن يهدأ قريبًا. ووفقًا للتقديرات التي جرى عرضها خلال اجتماعات سرية جمعت قيادات الجيش مع مسؤولين سياسيين خلال الأسابيع الأخيرة، فإن نحو 60 ألف جندي احتياط سيبقون في الخدمة الفعلية لفترة ممتدة، وهو رقم يعكس حجم الضغوط العملياتية على المؤسسة العسكرية منذ اندلاع الحرب.

بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يعمل الجيش على بناء خطة تشغيلية جديدة لعام كامل، تتضمن تعزيز الجاهزية على عدة جبهات، واستمرار العمليات في غزة، إضافة إلى تحصين الحدود الشمالية أمام تصاعد التوتر مع حزب الله، لكن هذه الخطة تتطلب تمويلًا ضخمًا يتجاوز ما كان مخصّصًا في السنوات السابقة.
خلفية عن أزمات الجيش الإسرائيلي
يواجه الجيش الإسرائيلي سلسلة من الأزمات المتراكمة التي ازدادت وضوحًا بعد الحرب الأخيرة على غزة، مع بروز تحديات تتعلق بالقوى البشرية والجاهزية العملياتية والميزانية، وتعكس هذه الأزمات صعوبات عميقة في قدرة الجيش على الحفاظ على وتيرة العمليات الحالية، في ظل اعتماد متزايد على قوات الاحتياط وانتشار واسع على عدة جبهات.
وتأتي أزمة القوى البشرية في مقدمة التحديات، إذ تشير التقديرات إلى انخفاض الاستعداد للانخراط في الوحدات القتالية مقابل اتساع الفجوة الناجمة عن عدم تجنيد شرائح واسعة مثل الحريديم. هذا الواقع دفع الجيش إلى الاعتماد بشكل غير مسبوق على جنود الاحتياط، الذين باتوا يشكلون جزءًا أساسيًا من القوات المقاتلة في غزة وفي الجبهة الشمالية.

وفي نفس السياق، تتواصل الخلافات بين الجيش ووزارة المالية بشأن ميزانية الأمن، حيث تتهم الوزارة المؤسسة العسكرية بتضخيم الإنفاق وعدم تقديم مبررات كافية لطلباتها المالية، بينما يحذر الجيش من أن أي تقليص في الميزانية سيؤثر مباشرة على جاهزيته وقدرته على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
كما أدت هذه الأزمات إلى تراجع الثقة بين المؤسسة العسكرية والجمهور الإسرائيلي، في ظل انتقادات واسعة لأداء الجيش خلال الحرب ومع استمرار الاحتجاجات من عائلات الجنود والمتضررين من طول فترات الخدمة. وتؤكد التقديرات أن استمرار هذه الأزمات دون حلول واضحة سيُلقي بظلال ثقيلة على الأمن والاستقرار داخل إسرائيل خلال الفترة المقبلة.
الميزانية كلمة السر في خلافات الجيش والمالية
لا تزال أزمة الميزانية التي يتم رصدها للجيش محل نقاش، إذ كشفت تقارير إعلامية أنه لا يوجد أي حوار مباشر حاليًا بين الطرفين، ما يعمق الأزمة ويجعل عملية إعداد الميزانية للعام المقبل أكثر تعقيدًا. وتعتبر وزارة المالية أن الجيش يفرض الطلبات دون تقديم مبررات مالية واضحة، في حين يرى الجيش أن رفض الوزارة يُعرّض الأمن القومي للخطر.
من المحتمل أن يتسبب هذا الانسداد في أزمة سياسية-اقتصادية خلال الأشهر المقبلة إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية، خاصة مع استمرار الاعتماد المكثف على قوات الاحتياط وما يترتب على ذلك من كلفة مالية باهظة.

تُظهر البنود الأولية لميزانية الأمن الإسرائيلية للعام المقبل صورة أكثر تعقيدًا للوضع الميداني، مع استمرار الواقع الأمني الصعب الذي يفرض على الجيش الحفاظ على انتشار واسع على مختلف الجبهات وفي جانبي الحدود. وتشير التقديرات إلى أن الجيش سيواصل اعتماده الكبير على قوات الاحتياط خلال عام 2026، في ظل غياب أي مؤشرات على تراجع التوترات الأمنية.
وتكشف التقديرات العسكرية أن أكثر من نصف القوات المقاتلة والداعمة التي ستعمل في العام المقبل ستكون على الأرجح من جنود الاحتياط، وليس من القوات النظامية. ويعد هذا التحول غير مسبوق منذ سنوات طويلة، ويعكس حجم الضغوط العملياتية التي يواجهها الجيش، كما يفرض في الوقت نفسه عبئًا ماليًا كبيرًا على ميزانية الدفاع.
وبحسب البيانات الرسمية، يكلف يوم الخدمة الواحد لجندي الاحتياط حوالي 1,100 شيكل، فيما تُقدّر وزارة المالية تكلفة قوات الاحتياط منذ بداية الحرب بنحو 70 مليار شيكل ضمن النفقات المباشرة. أما الأضرار الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن غياب عشرات آلاف الجنود عن سوق العمل، فتصل إلى نحو 110 مليارات شيكل، ما يزيد من حدة الخلاف بين الجيش والوزارة بشأن ميزانية الأمن للعام المقبل.
التجنيد الإلزامي بين الضرورة الأمنية والمعارضة الدينية
في وقت تتعمّق فيه الفجوة بين المؤسستين الأمنية والمالية، مع انقطاع الحوار المباشر بينهما حول كيفية تمويل عمليات الجيش في المرحلة المقبلة، تظهر أزمة تجنيد الحريديم، وهي واحدة من أكثر القضايا خلافية داخل المجتمع الإسرائيلي، بعد أن وصلت الضغوط الأمنية والسياسية إلى مستويات غير مسبوقة.
وتتمحور الأزمة حول رفض غالبية الشباب الحريدي، المنتمين للجماعات الدينية اليهودية المتشددة، الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي بدعوى التفرغ للدراسة الدينية، وهو ما يفاقم العجز في القوى البشرية داخل الجيش.

وتفاقمت الأزمة خلال الأشهر الأخيرة بعدما أصدرت المحكمة العليا قرارات تلزم الحكومة بالبدء في تجنيد الحريديم وإلغاء الإعفاءات الواسعة التي مُنحت لهم لعقود. هذا التطور أحدث توترًا حادًا بين الحكومة التي تضم أحزابًا دينية وبين المؤسسة العسكرية التي تطالب بزيادة عدد المجندين لتلبية احتياجاتها في ظل تعدد الجبهات وامتداد العمليات.
وفي الجانب الاجتماعي، أثار الموضوع انقسامًا واسعًا بين الإسرائيليين، إذ يرى التيار العلماني أن استمرار إعفاء الحريديم يشكل "عبئًا غير عادل" على بقية فئات المجتمع التي تتحمل الخدمة العسكرية رسميًا، بينما يعتبر الحريديم أن التجنيد يمسّ بهويتهم الدينية وطريقة حياتهم التقليدية. وقد شهدت شوارع القدس وتل أبيب احتجاجات متكررة شارك فيها الحريديم ضد إجراءات التجنيد.
أما على المستوى السياسي، فيهدد الملف استقرار الائتلاف الحكومي، إذ ترفض الأحزاب الدينية أي تغيير في الوضع القائم، بينما تتعرض الحكومة لضغط قضائي وشعبي لتنفيذ قرارات التجنيد. ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تفجّر خلافات داخلية أوسع، خاصة مع تصاعد التوتر بين المؤسسات الدينية والعسكرية والقضائية.

ختامًا:
استمرار إشكالية الميزانية بين وزارة المالية والجيش الإسرائيلي سيؤثر على التخطيط الاستراتيجي وعلى استقرار الاقتصاد الإسرائيلي خلال العام القادم. كما أن حل أزمة تجنيد الحريديم أصبح ضرورة أمنية ملحة، في ظل الحاجة لتعزيز القوات النظامية وتقليل الاعتماد على جنود الاحتياط الذين يشكّلون اليوم العمود الفقري للعمليات العسكرية.



