رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السودان على مفترق طرق.. هل يتحول إلى ملاذ للجماعات الإرهابية؟

أفراد من مليشيا الدعم
أفراد من مليشيا الدعم السريع السودانية

يشهد السودان اليوم وضعاً بالغ التعقيد يثير القلق المحلي والإقليمي والدولي، في ظل الصراع المستمر بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع. 

مساحة البلاد الشاسعة وتدهور الوضع الأمني والاقتصادي يجعل السودان هدفاً مغرياً للجماعات الإرهابية الباحثة عن ملاذ آمن، وميداناً خصباً لتفريخ خلايا عنيفة تهدد استقرار الدولة وتفاقم أزمات دول الجوار.

السودان يقف اليوم على حافة هاوية تاريخية

يأتي ذلك فيما حذر رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف "صمود" الدكتور عبد الله حمدوك، من أن السودان يقف اليوم على حافة هاوية تاريخية، مهددا بالتحول إلى بؤرة خطيرة للجماعات الإرهابية إذا استمرت الحرب وانهارت ما تبقى من مؤسسات الدولة.

وفي خطاب مطول وجهه إلى الشعب السوداني وإلى المجتمعين الإقليمي والدولي عبر حسابه الرسمي، استعرض حمدوك المشهد القاتم الذي يعيشه السودان مع اقتراب الحرب من عامها الثالث، مؤكدا أن البلاد تمر بأخطر لحظاتها، وأن استمرار الصراع سيحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للفوضى والعنف والتطرف، ما لم يُتخذ قرار شجاع بوقف الحرب والشروع في مسار سياسي شامل.

ملايين السودانيين يعيشون معاناة تفوق الوصف

وأشار إلى أن رقعة القتال ما زالت تتمدد، وأن ملايين السودانيين يعيشون معاناة "تفوق الوصف"، حيث يُقتل ويُهجّر مئات الآلاف من المدنيين كل شهر، وتتحول المدن الكبرى في دارفور والخرطوم وكردفان إلى أطلال بعد أن كانت تعج بالحياة والحركة.

وأوضح أن مؤسسات الدولة شُلت أو تهاوت بالكامل، ومعها انهارت منظومات الخدمات الأساسية؛ فأصبح الحصول على الغذاء والماء والدواء والمأوى معركة يومية يخسر فيها كثيرون حياتهم، في ظل تراجع قدرة الدولة والمنظمات الإنسانية على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.

الوضع في السودان
الوضع في السودان

هشاشة الدولة وجاذبية الإرهاب

بحسب خبراء ومحللين، يمثل الصراع المسلح بين الجيش وميليشيا الدعم السريع عاملاً رئيسياً في خلق فراغ أمني، يمكن أن تستغله التنظيمات الإرهابية للتسلل وإنشاء معاقل على أطراف العاصمة الخرطوم أو في مناطق نائية. السودان، بتاريخ طويل من النزاعات الإقليمية، يوفر بيئة ملائمة للجماعات المسلحة لتنفيذ عملياتها، سواء عبر استقطاب السكان المحليين أو عبر عبور حدود البلاد بسهولة.

إقليم دارفور، غرب البلاد، يمثل مثالاً صارخاً على هذا الخطر. النزاعات الداخلية وعدم الاستقرار في المنطقة، إلى جانب قربها من ليبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى، تجعلها ممراً سهلاً للعناصر الإرهابية، سواء لدخول البلاد أو الخروج منها، وصناعة خلايا نائمة.

الخطط السابقة لتنظيم "داعش" في السودان أظهرت محاولات لإنشاء "ولاية" على الأراضي السودانية، مستفيدين من ضعف الرقابة الأمنية والتوترات السياسية، كما أن السودان شهد سابقاً إيواء عناصر إرهابية بارزة مثل أسامة بن لادن، ما يعطي مؤشراً على إمكانية عودة مثل هذه الظواهر في الظروف الحالية.

الوضع الإنساني والاقتصادي: أرض خصبة للتجنيد

الأزمات الإنسانية والاقتصادية تضيف بعداً جديداً لخطر الإرهاب في السودان. البطالة والفقر المدقع ونقص الخدمات الأساسية تجعل الشباب عرضة للتجنيد من قبل الجماعات الإرهابية مقابل المال أو وعود بالسلطة. في هذا السياق، يمكن أن تلعب الجماعات السياسية السابقة، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، دوراً في استقطاب العناصر إلى التنظيمات المسلحة، مستغلة الأزمات السياسية والرغبة في العودة إلى المشهد العام.

أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني والدعم السريع في الخرطوم
أضرار مادية من الاشتباكات بين الجيش السوداني والدعم السريع في الخرطوم

المناطق الاستراتيجية المستهدفة

يحدد المحللون أربع مناطق رئيسية تعتبر الأكثر جاذبية للجماعات الإرهابية:

 1- إقليم دارفور غرباً: قربه من منطقة الساحل الإفريقي التي تتفشى فيها الجماعات المسلحة.

 2- الولايات الشرقية (البحر الأحمر، كسلا، القضارف): حيث توجد جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وحركة الشباب في الصومال.

3- الحدود الجنوبية الشرقية مع إثيوبيا: شهدت اعتقال خلايا إرهابية كانت تتخذ محمية الدندر مركزاً للتدريب.

4- المناطق الغنية بالموارد الطبيعية مثل الذهب والزراعة: ما يوفر التمويل المحتمل للجماعات المسلحة.

التحذيرات الدولية

التقارير الاستخباراتية الأمريكية الحديثة تحذر من تحول السودان إلى "بيئة مثالية" للنشاط الإرهابي. التقرير السنوي لعام 2024 لمكتب الاستخبارات الوطنية أشار إلى أن استمرار القتال بين الجيش وميليشيا الدعم السريع قد يؤدي إلى امتداد النزاع خارج حدود البلاد، وزيادة خطر انخراط عناصر إرهابية دولية في المعارك، مما يضاعف تهديد المدنيين ويزيد من معدلات النزوح والجوع.

كما حذرت الاستخبارات الأمريكية من توسع تنظيمات مثل “داعش” و"القاعدة" في القارة الأفريقية، مستغلة الصراعات المحلية في غرب السودان والساحل الإفريقي لتحقيق مكاسب استراتيجية. ويشير التقرير إلى أن هذه التنظيمات قد تستفيد من ضعف الدولة السودانية، كما حصل في التسعينات عندما استضاف السودان أسامة بن لادن وأتاح للتنظيمات الإرهابية تنفيذ عمليات دولية.

تصاعد العنف الميداني والرمزي

بالإضافة إلى الخطر التنظيمي، شهد السودان في الأشهر الماضية حوادث مروعة تظهر العنف المتبادل بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، بما في ذلك تداول مقاطع فيديو تظهر أشلاء بشرية، ما يعكس فوضى لا تقل خطورة عن العمليات الإرهابية. هذه الأعمال تعزز مخاطر الاستقطاب والتطرف، وتزيد من هشاشة المجتمع المدني.

صور أقمار صناعية توثق نشاط قوات الدعم السريع للتخلص من جثث القتلى في الفاشر
صور أقمار صناعية توثق نشاط قوات الدعم السريع للتخلص من جثث القتلى في الفاشر

التدخلات الخارجية وتحديات السلام

التقارير تشير أيضاً إلى دخول أطراف خارجية في دعم القوات المتحاربة، سواء عبر شحنات أسلحة أو طائرات مسيرة، ما يعقد أي جهود للوصول إلى اتفاق سلام شامل. هذا الوضع دفع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى تعيين مبعوث خاص لتعزيز جهود إنهاء الحرب في السودان، والتنسيق مع الدول المجاورة للتوصل إلى حلول سياسية.

الفوضى الأمنية 

السودان اليوم يقف على مفترق طرق: استمرار النزاع الداخلي، ضعف الدولة، الأزمة الإنسانية، والفوضى الأمنية كلها عوامل تجعل البلاد أرضاً خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية.

 التحذيرات الدولية وجاهزية التنظيمات مثل “داعش” و"القاعدة" تشير إلى أن الوقت المتاح للحيلولة دون تحول السودان إلى ملاذ للإرهاب محدود. أي تأجيل في إنهاء الصراع أو معالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية قد يفتح الباب أمام عودة التاريخ الإرهابي للبلاد، مع عواقب لا تقتصر على الداخل السوداني، بل تمتد لتشمل الأمن الإقليمي والدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء