حمدوك: السودان مهدد بالتحول إلى بؤرة للجماعات الإرهابية إذا استمر الصراع
حذر رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف "صمود" الدكتور عبد الله حمدوك، من أن السودان يقف اليوم على حافة هاوية تاريخية، مهددا بالتحول إلى بؤرة خطيرة للجماعات الإرهابية إذا استمرت الحرب وانهارت ما تبقى من مؤسسات الدولة، وفقًا لـ" روسيا اليوم".
وفي خطاب مطول وجهه إلى الشعب السوداني وإلى المجتمعين الإقليمي والدولي عبر حسابه الرسمي، استعرض حمدوك المشهد القاتم الذي يعيشه السودان مع اقتراب الحرب من عامها الثالث، مؤكدا أن البلاد تمرّ بأخطر لحظاتها، وأن استمرار الصراع سيحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للفوضى والعنف والتطرف، ما لم يُتخذ قرار شجاع بوقف الحرب والشروع في مسار سياسي شامل.

حرب تحولت إلى كارثة شاملة
استهل حمدوك رسالته بالتأكيد على أن الحرب التي اندلعت قبل نحو ثلاثة أعوام لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحوّلت إلى حرب شاملة تستهدف الإنسان السوداني في حياته وكرامته وهويته ومستقبله.
وأشار إلى أن رقعة القتال ما زالت تتمدد، وأن ملايين السودانيين يعيشون معاناة "تفوق الوصف"، حيث يُقتل ويُهجّر مئات الآلاف من المدنيين كل شهر، وتتحول المدن الكبرى في دارفور والخرطوم وكردفان إلى أطلال بعد أن كانت تعج بالحياة والحركة.
وأوضح أن مؤسسات الدولة شُلت أو تهاوت بالكامل، ومعها انهارت منظومات الخدمات الأساسية؛ فأصبح الحصول على الغذاء والماء والدواء والمأوى معركة يومية يخسر فيها كثيرون حياتهم، في ظل تراجع قدرة الدولة والمنظمات الإنسانية على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.
انتهاكات جسيمة وجرائم موثقة
ولفت حمدوك النظر إلى أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد "انفلات أمني"، بل سلسلة ممنهجة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، موضحا أن التقارير الميدانية والموثقة تشير إلى: عمليات قتل واسعة بحق المدنيين، استخدام الغذاء كسلاح في بعض المناطق، انتشار مروع للعنف الجنسي ضد النساء والفتيات، قصف جوي عشوائي يطال الأحياء السكنية والأسواق ودور العبادة والمستشفيات.
وتحدث كذلك عن تقارير مقلقة بشأن استخدام محتمل لأسلحة كيميائية، إضافة إلى عمليات تهجير قسري وتدمير متعمد لمنازل المدنيين، وحرمان جماعي من الأوراق الثبوتية على أساس الهوية أو الانتماء العرقي، الأمر الذي يهدد ملايين السودانيين بالتمييز والعزل من حقوقهم الأساسية.

مجاعة تطرق الأبواب وانهيار مجتمع كامل
وحذر حمدوك من أن المجاعة لم تعد مجرد احتمال بعيد، بل أصبحت واقعاً يقترب بسرعة نتيجة انهيار سلاسل الإمداد والحصار المفروض على مناطق واسعة، وانعدام الأمن على طرق الإغاثة.
وأكد أن معدلات الجوع وصلت إلى مستويات كارثية تهدد حياة الملايين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل تراجع قدرات الأسر على الحصول على أبسط مقومات البقاء.
وأضاف رئيس الوزاراء السابق، أن استمرار الحرب يعني انزلاق السودان إلى انهيار اجتماعي واقتصادي شامل، وظهور جيل كامل محروم من التعليم والرعاية الصحية والأمان، وهو ما يهيئ بيئة خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية وتنامي خطاب الكراهية والعنف، مستغلة الفراغ الأمني واليأس الشعبي.
التحالف السياسي ومسار الحوار
وفي هذا السياق، شدد حمدوك على أن تحالف "صمود" سيواصل الدفع باتجاه الحل السياسي والحوار الشامل، باعتباره السلاح الوحيد القادر على إنهاء النزاع، مؤكدا التمسك الكامل بشعارات ثورة ديسمبر المجيدة: "حرية، سلام، وعدالة".
ودعا حمدوك القوات المسلحة السودانية إلى أن تحذو حذو "قوات الدعم السريع" في إعلان ترحيب واضح وصريح بكل الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار والجلوس إلى مائدة المفاوضات، معتبرا أن استمرار القتال لا يُنتج سوى المزيد من الخراب وأنه "لا رابح في هذه الكارثة".
وأوضح أن الإصرار على إطالة أمد الحرب أو التحريض على استمرارها يمثل مشاركة مباشرة في إزهاق الأرواح، مطالباً جميع الأطراف بالاستماع لصوت العقل ولصرخات الملايين من الجوعى والجرحى والنازحين واللاجئين الذين يدفعون ثمن النزاع.
إشادة بالمبادرات الدولية والإقليمية
وثمن حمدوك الجهود التي تبذل على المستويين الإقليمي والدولي، مع إشارة خاصة إلى خارطة الطريق التي طرحتها الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر)، موضحاً أن هذه المبادرات الجديدة أعادت شيئاً من الأمل للسودانيين في إمكانية وقف نزيف الدم والحفاظ على ما تبقى من كرامة الإنسان السوداني.
ودعا إلى تنسيق وثيق بين كل المبادرات الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوداني، بما يمنع تضارب المسارات ويضمن توحيد الجهود نحو هدف واحد هو إنقاذ السودان من التفكك والضياع.
خطوات عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
وطالب حمدوك الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيجاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ودول الجوار باتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة والملحة، من بينها:
-وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وفق مقترح الرباعية، بما يسمح بإغاثة الأرواح ويفتح الطريق أمام العمل الإنساني الجاد.
-ضمان وصول المساعدات الإنسانية بلا قيود وتأمين العاملين في المجال الإغاثي، ومنع استخدام المعونات كورقة ضغط أو سلاح في الحرب.
-حماية المدنيين عبر وقف القصف العشوائي وفتح ممرات آمنة، وإجراء تحقيقات جدية في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
-تعبئة الموارد الدولية لسد فجوة التمويل وضمان توفير الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب والمأوى، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية التي تستضيف النازحين واللاجئين.
-إطلاق عملية إنسانية شاملة عبر الحدود تضمن وصول الإغاثة إلى المحاصرين والبعيدين عن مراكز السيطرة، مع تجديد الدعوة لإنشاء آلية إنسانية إقليمية خاصة بالسودان بإشراف الأمم المتحدة.

وقف الحرب بوابة العودة إلى الديمقراطية
وأكد حمدوك أن وقف الحرب لا يمثل نهاية الطريق، بل هو الخطوة الأولى والبوابة الضرورية للعودة إلى مسار ديمقراطي حقيقي يعيد بناء السودان على أسس جديدة قوامها العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون.
وشدد على أن أي عملية سياسية قادمة يجب أن تكون شاملة وعادلة وذات مصداقية، وتستند إلى تطلعات السودانيين وشعارهم الجامع "الحرية والسلام والعدالة"، بعيداً عن الإقصاء أو المحاصصات الضيقة.
واختتم حمدوك خطابه بالتأكيد على إيمانه العميق بقدرة الشعب السوداني على النهوض مجدداً، مهما اشتدت المحنة، إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة ودعم المجتمعين الإقليمي والدولي، داعياً الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية والتاريخية، لإنقاذ ملايين الأرواح المهددة ووقف الدمار الذي يلتهم السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من 13 مليون إنسان، فيما لا تزال مدينة الفاشر وغيرها من المدن تواجه تصعيداً عسكرياً خطيراً وسط.

