رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جذور العلاقات السعودية-الأمريكية: إدارة دبلوماسية مزدوجة وتوازنات إقليمية

الرئيس ترامب والأمير
الرئيس ترامب والأمير محمد بن سلمان

أعادت الصحفية ماري بروس، مراسلة شبكة إي بي سي نيوز الأمريكية، الحديث عن تأثير أسامة بن لادن، المخطط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، على العلاقات بين واشنطن والرياض، إذ أحدث تورطه في الحادث الإرهابي تحولات في مسار العلاقة بين البلدين رغم متانتها التاريخية. فبن لادن، الذي كان يحمل الجنسية السعودية قبل سحبها منه، كان نقطة انعطاف أثّرت على طريقة تعامل الطرفين مع ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة التطرف، وإعادة صياغة التعاون الاستخباراتي بينهما.

وعلى الرغم من أن جذور العلاقات بين البلدين تعود إلى عقود طويلة سبقت ظهور بن لادن، فإن المرحلة التي تلت هجمات 2001 فرضت على الطرفين إعادة تقييم أدوارهما، وتعميق التنسيق الأمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، ما جعل قضية بن لادن عاملًا أعاد رسم أولويات الشراكة دون أن يغير جوهر التحالف الاستراتيجي القائم بينهما.

العلاقات الأمريكية السعودية
العلاقات الأمريكية السعودية

خلفية تاريخية عن العلاقات السعودية-الأمريكية

منذ اكتشاف النفط في شبه الجزيرة العربية في الثلاثينيات، تشكّلت بين الولايات المتحدة والسعودية علاقة استراتيجية قائمة على تبادل المصالح؛ فالرياض وفّرت مصدرًا مستقرًا للطاقة، بينما قدّمت واشنطن مظلة أمنية ودعمًا عسكريًا في بيئة إقليمية مضطربة. وقد تعزّز هذا الارتباط خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، حين أدركت واشنطن أهمية الخليج في موازنة القوى الدولية، فيما رأت المملكة في الشراكة الأمريكية عنصرًا ضروريًا للحفاظ على استقرارها وتنميتها.

شهدت العقود اللاحقة توسعًا في التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، خاصة خلال الحرب الباردة، إذ لعبت السعودية دورًا محوريًا في دعم السياسات الأمريكية لمواجهة النفوذ السوفيتي في المنطقة. كما تزايد الاعتماد الأمريكي على النفط السعودي، ما جعل البلدين ينسّقان في ملفات الطاقة والأسواق العالمية. ورغم بعض المحطات الصعبة — مثل أزمة النفط 1973 — استمرت العلاقة في مسارها الاستراتيجي مع تنامي التعاون العسكري وصفقات التسليح.

في بداية الألفية الجديدة، وخصوصًا بعد هجمات 11 سبتمبر، دخلت العلاقات مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد واجه الجانبان تحديات أمنية وتوترات إعلامية وسياسية، لكنها لم تمنع استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الأمنية، ودعم الاستقرار الإقليمي. كما ظلّ البلدان شريكين أساسيّين في ملفات المنطقة، من العراق إلى اليمن، مع استمرار العلاقات الاقتصادية، وخاصة في مجالات الطاقة وصناعة النفط.

أما في السنوات الأخيرة، فقد اتخذت العلاقات أبعادًا جديدة مع رؤية السعودية 2030 التي فتحت الباب أمام شراكات في التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والمشاريع الاستثمارية الضخمة. وفي الوقت نفسه، تعكس العلاقات الحالية مزيجًا من المصالح المشتركة والاختلافات في بعض الملفات السياسية وحقوق الإنسان، إلا أن الطرفين ما زالا يدركان أن تعاونهما يشكل عنصرًا أساسيًا في استقرار الشرق الأوسط وفي التوازنات الدولية، مما يدفعهما للحفاظ على قنوات الحوار والشراكة الاستراتيجية.

العلاقات الأمريكية السعودية
العلاقات الأمريكية السعودية

جثة بن لادن: ثلاث روايات لم تحل اللغز

أ) رواية روب أونيل

وكانت واشنطن أعلنت في الذكرى التاسعة لعملية اغتيال بن لادن التفاصيل الميدانية التي قادتها قوات "نيڤي سيلز" الأمريكية، عبر فيلم وثائقي حمل عنوان "الرجل الذي قتل بن لادن". في هذا العمل، سرد الجندي السابق روب أونيل مراحل الإعداد للعملية، مشيرًا إلى تدريبات مكثفة امتدت أسابيع، جرى خلالها محاكاة دقيقة لمخطط المنزل الذي كان يختبئ فيه بن لادن في آبوت آباد.

ووفقًا لأونيل، فإن الرحلة الجوية التي أقلّت فريق الاقتحام استغرقت حوالي 82 دقيقة، وهي لحظات وصفها بأنها كانت محمّلة بالترقّب والتركيز على الهدف، دون مساحة للتفكير في أي تبعات سياسية أو استخباراتية للعملية.

وعند تنفيذ الاقتحام، يقول أونيل إنه كان ضمن الفريق الذي وصل إلى الطابق العلوي حيث غرفة نوم بن لادن. وبعد دخول الغرفة، أطلق – بحسب روايته – رصاصة مباشرة على جبهة زعيم القاعدة، ليضع نهاية لشخصية كانت تُعتبر أخطر المطلوبين في العالم.

وكشف الوثائقي كذلك الطريقة التكتيكية التي استخدمتها القوة للتسلل إلى داخل المجمع، وكيف واجه الفريق لحظة توتر حين وجد عددًا من بنات وزوجات بن لادن خلف ستار داخل أحد الممرات. وتخوّف الجنود حينها من احتمال أن يحملن أحزمة ناسفة، إلا أن أحد عناصر الفريق تدخل لإبعادهن، ما شكّل مخاطرة كبيرة لأنها لحظة قد تسمح لبن لادن – إن كان قريبًا – باستغلال الفوضى.

ب) الرواية الرسمية الأمريكية ومصير الجثة

بعد التنفيذ، قدّم الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما ووكالة الاستخبارات المركزية رواية رسمية تؤكد مقتل بن لادن برصاصة في الرأس خلال عملية دقيقة، مؤكدين أن الصور التي توثق الجثة لن تُعرض للرأي العام لتجنب إثارة الغضب أو الاستغلال الدعائي في الشرق الأوسط. كما أفادت الرواية بأن الجثة أُلقيت في بحر العرب بعد تكبيلها بوزن يبلغ نحو 136 كيلوغرامًا، وذلك لمنع أي محاولة لتحويل قبره إلى رمز ديني أو سياسي قد يستقطب المتشدّدين.

أسامة بن لادن - مؤسس تنظيم القاعدة  
أسامة بن لادن - مؤسس تنظيم القاعدة  

لكن هذه الرواية واجزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادنهت تشكيكًا فوريًا، خصوصًا عندما قدمت زوجته أمل عبد الفتاح شهادة مغايرة. فقد أكدت أن الجثة سُحبت بالفعل إلى مروحية كانت قريبة من المنزل، إلا أن قذيفة أطلقها أحد حراس بن لادن أصابت الطائرة بعد إقلاعها، ما أدى – وفق قولها – إلى تناثر الجثث داخلها وتحوّلها إلى أشلاء يصعب التعرف عليها. وبهذا، ترى أمل أن الولايات المتحدة لم تُلقِ الجثة في البحر كما أعلنت، بل إنها لم تستطع استعادتها نتيجة الانفجار، ما يفتح الباب أمام سرديات مختلفة حول ما جرى في اللحظات الأخيرة.

ج) الروايات البديلة والوثائق المشككة

لم تتوقف الشكوك عند رواية زوجة بن لادن، بل توسعت مع ظهور وثائق نشرها موقع ويكيليكس منسوبة لشركة "ستراتفور" الاستخباراتية، والتي تشير إلى أن الجثة نُقلت إلى معهد القوات المسلحة لعلم الأمراض في ميريلاند، ما يعني – وفق هذه الوثائق – أن الولايات المتحدة احتفظت بالجثة لأغراض لا تزال غير واضحة. هذه التسريبات أعادت الجدل حول شفافية العملية، ووضعت علامات استفهام حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد أخفت معلومات عن الرأي العام.

كما ظهرت روايات أكثر تعقيدًا، بينها وثيقة منسوبة لأحد المنتسبين لتنظيم القاعدة تفيد بأن بن لادن كان مرتديًا حزامًا ناسفًا أدى إلى تفتيت جسده بشكل كبير، مما جعل إظهار صور لجثته أمرًا مستحيلًا. أما الصحفي الأمريكي المخضرم سيمور هِرش، فقد قدّم رؤية مختلفة تمامًا، مشيرًا في كتابه إلى أن الاستخبارات الباكستانية كانت تحتجز بن لادن منذ عام 2006 في آبوت آباد، وأن الأمريكيين نفذوا العملية بتنسيق مع قيادة باكستان، لا عبر عملية استخباراتية منفردة كما رُوّج رسميًا. ووفق هرش، كان بن لادن مريضًا وغير قادر على الحركة، وتحت رعاية طبيب باكستاني، ما يعيد طرح أسئلة حول مدى صحة النسخة الأمريكية التقليدية عن المطاردة والاشتباك داخل المنزل.

العلاقات الأمريكية السعودية
العلاقات الأمريكية السعودية

السعودية بين شراكة باكستان وأمريكا: توازنات إقليمية في معادلة معقدة

تتموضع السعودية في قلب معادلة إقليمية معقّدة تجمعها بعلاقات متشابكة مع كلٍّ من الولايات المتحدة وباكستان، إذ تمتد هذه الروابط عقودًا طويلة وتستند إلى مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية. فمع واشنطن، تم بناء شراكة استراتيجية قائمة على الطاقة والأمن والدفاع، فيما ترتبط الرياض بإسلام آباد بعلاقات وثيقة ذات طابع ديني وثقافي، إضافة إلى تعاون عسكري يمتد منذ سبعينيات القرن الماضي، ما جعل المملكة نقطة توازن بين قوتين ترتبط كلٌّ منهما بها بدرجات مختلفة.

وخلال العقود الأخيرة، وصلت تداخلات هذه العلاقات إلى مستويات أعمق، خاصة مع الدور الأمريكي في جنوب آسيا، والحضور الباكستاني في الملفات الأمنية المتعلقة بالعالم الإسلامي. وقد وجدت السعودية نفسها في أحيان كثيرة أمام ضرورة إدارة نوع من "الدبلوماسية المزدوجة" للحفاظ على استقرار علاقاتها مع الطرفين، خصوصًا حين تتقاطع مصالح واشنطن وإسلام آباد أو تتعارض.

فالأزمات الإقليمية، مثل الحرب السوفيتية في أفغانستان، ثم الحرب على الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر، وضعت الرياض في موقع اللاعب الذي يسعى إلى التوفيق بين حليفين لا تربطهما دائمًا علاقة مستقرة.

ورغم حساسية هذا التوازن، استطاعت السعودية الحفاظ على علاقات مستقرة وشراكات مؤثرة مع كل من أمريكا وباكستان من خلال مراعاة اختلاف أولويات كل منهما، وممارسة دور محوري في ملفات الأمن الإقليمي وتمويل التنمية والدفاع. واليوم، ومع تغيرات النظام الدولي وصعود قوى جديدة، تستمر المملكة في اتباع استراتيجية تقوم على تنويع التحالفات وتعزيز استقلالية قرارها، دون التخلي عن شراكاتها التقليدية، ما يجعلها فاعلًا رئيسيًا في صياغة توازنات المنطقة بين واشنطن وإسلام آباد.

العلاقات الأمريكية السعودية
العلاقات الأمريكية السعودية

ختامًا:

تُظهر تجربة ملف بن لادن كيف يمكن لشخصية فردية وأحداث محددة أن تُحدث تحولات كبيرة في مسار العلاقات الدولية، حتى بين حلفاء تاريخيين مثل السعودية والولايات المتحدة. فبينما اعتمدت واشنطن على شراكة استراتيجية مع الرياض لتحقيق استقرار إقليمي وتأمين مصالحها في الطاقة والأمن، فرضت أحداث 11 سبتمبر وإرث بن لادن تحديات جديدة على هذا التحالف، سواء في مجال مكافحة الإرهاب أو في إعادة صياغة التعاون الاستخباراتي.

كما تكشف الروايات المتعددة حول مصير جثة بن لادن عن تعقيدات تتعلق بالشفافية والمصداقية والمصالح المتشابكة بين الدول، وتبرز دور الإعلام والتقارير الاستقصائية في تشكيل الرأي العام الدولي. وفي الوقت نفسه، تبقى السعودية لاعبًا محوريًا في معادلات القوة الإقليمية، إذ نجحت في التوفيق بين شراكاتها مع واشنطن وإسلام آباد، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي في ظل التحديات الدولية المتجددة.

يمكن القول إن العلاقة الأمريكية-السعودية بعد بن لادن لم تعد مجرد تحالف تقليدي، بل أصبحت إطارًا مرنًا يتكيف مع التحولات الأمنية والسياسية، مع الحفاظ على مصالح مشتركة في مواجهة التطرف وتحقيق استقرار المنطقة. وهذا يُبرز أهمية التعامل مع الأزمات الدولية بروح التوازن والواقعية، إذ يمكن لأي حدث أو شخصية أن تعيد رسم أولويات الشراكة، وتعيد تشكيل أدوات القوة والنفوذ في المنطقة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء