رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

باكستان.. مخاوف من تكريس عاصم منير "الرجل الأقوى" بعد تعديل دستوري مثير

قائد الجيش الباكستاني
قائد الجيش الباكستاني عاصم منير

أثار تعديل دستوري جديد في باكستان موجة واسعة من الجدل، بعد أن منح قائد الجيش الفريق عاصم منير صلاحيات أوسع وحصانة مدى الحياة، في خطوة يرى مراقبون أنها تُدخل المؤسسة العسكرية مرحلة نفوذ غير مسبوق، وتضع منير في موقع "الرجل الأقوى في البلاد".

فبموجب التعديل الذي أقر الخميس، حصل منير على لقب "قائد قوات الدفاع"، بما يجعله  وفق الدستور  القائد الأعلى للقوات البرية والجوية والبحرية للسنوات الخمس المقبلة، بحسب وكالة "فرانس برس".

من هو عاصم منير؟

يبلغ عاصم منير 57 عامًا، وتولّى منصب رئيس أركان الجيش في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ما منحه رسميًا قيادة القوات البرية، رغم تمتعه عمليًا بنفوذ واسع على باقي الأفرع العسكرية قبل ذلك.

تدرّج منير في عدد من المواقع الحسّاسة داخل المؤسسة العسكرية، من أبرزها قيادة الاستخبارات العسكرية، ثم رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الباكستانية "آي إس آي". إلا أن رئيس الوزراء السابق عمران خان أقاله من هذا المنصب عام 2019 بعد ثمانية أشهر فقط، من دون توضيح الأسباب.

بعد الإطاحة بعمران خان عبر البرلمان

انقلب المشهد لصالح منير بعد الإطاحة بعمران خان عبر البرلمان، وتولي شهباز شريف رئاسة الحكومة؛ ليُسلَّم منير زمام القيادة الفعلية للجيش. ومع تصاعد التوتر مع الهند في مايو، برز اسمه أكثر في الواجهة، قبل أن يُرقّى إلى رتبة "مشير".

وبحسب التعديل الدستوري الأخير، فإن أي ضابط يُرقي إلى رتبة مشير سيحتفظ بها مدى الحياة، ويتمتع بحصانة من أي ملاحقة قضائية. وتُعد هذه سابقة لافتة، إذ لم تمنح هذه الرتبة في تاريخ الجيش الباكستاني إلا مرة واحدة للجنرال محمد أيوب خان، الذي حكم البلاد بعد انقلاب عسكري عام 1958.

سلطة عسكرية وحصانة قضائية

الجمع بين قيادة القوات المسلحة والحصانة القضائية أثار على الفور مخاوف من ترسيخ نمط حكم أقرب إلى الاستبداد المغلّف بشرعية دستورية.

أكاديميون وخبراء في الشأن الباكستاني يرون أن الخطوة تمثل "شرعنة" لوضع استثنائي؛ فالحصانة الممنوحة لعاصم منير تكاد تُفرغ المادة السادسة من الدستور  التي تجرم الانقلابات العسكرية من مضمونها، إذ يصبح من شبه المستحيل مساءلة أعلى قائد عسكري عن أي تدخل محتمل في الحكم.

ووفق “فرانس برس”، من جانبه، يعتبر محللون عسكريون أن التعديل جعل من منير "الحاكم الفعلي" لباكستان، محملين الطبقة السياسية جزءًا كبيرًا من المسؤولية؛ إذ تغلبت حساباتهم الآنية على المصلحة الاستراتيجية للدولة، بعدما فتحوا الباب أمام تعاظم نفوذ الجيش مقابل ضمانات قصيرة الأجل لبقائهم في السلطة أو قربهم منها.

جيش يحكم من خلف الستار

لطالما كان الجيش المؤسسة الأقوى في باكستان، إذ حكم البلاد بشكل مباشر قرابة نصف تاريخها منذ الاستقلال عام 1947، وتُوجه إليه باستمرار اتهامات بالتدخل في المشهد السياسي، رغم نفيه المتكرر.

التعديل الجديد يُنظر إليه كحلقة جديدة في مسار طويل من ترسيخ حضور العسكر في المعادلة السياسية، ولكن هذه المرة تحت مظلة دستورية واضحة تضفي طابعًا رسميًا على ما كان يُمارَس غالبًا من خلف الكواليس.

حسابات سياسية 

يرجح محللون أن يكون الدافع الرئيس للتعديل الدستوري سياسيًا بامتياز؛ فالأحزاب والشخصيات المقربة من الجيش، والتي تحالفت بعد انتخابات فبراير 2024 عقب إقصاء عمران خان وسجنه، بدت حريصة على "تجديد ضمانتها" مع المؤسسة العسكرية.

هذه القوى، بحسب مراقبين، تسعى إلى تأمين دعم عاصم منير في الانتخابات العامة المقبلة، المقررة عام 2029، أي قبل عام واحد من انتهاء ولايته الجديدة، في إطار مقايضة غير معلنة: غطاء سياسي للنفوذ العسكري مقابل مظلة عسكرية لاستمرار نفوذها هي الأخرى.

ويذهب بعض الباحثين إلى حد القول إن منير بات يمتلك اليوم «قوة تعادل» تلك التي تمتع بها الجنرال برويز مشرف الذي حكم باكستان قرابة عقد منذ 1999؛ فمثله، لديه رئيس وزراء يدين له بالكثير، إضافة إلى قدرة واسعة على إعادة تشكيل هيكلية الجيش وفق رؤيته.

حضور دولي.. ولكن حدود للنفوذ

حتى قبل التعديل الدستوري، لم يكن اسم عاصم منير غائبًا عن المشهد الدولي؛ فقد ظهر في لقاءات رفيعة المستوى، كان من أبرزها غداء خاص جمعه بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في إشارة إلى الاهتمام الدولي بدوره وموقعه داخل الدولة الباكستانية.

مع ذلك،  أن هذه الرمزية الخارجية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفتح الطريق أمامه نحو سلطة سياسية مطلقة، إذ تبقى الساحة الباكستانية معقدة، تتداخل فيها الحسابات الحزبية والاحتقان الشعبي والأزمات الاقتصادية، إلى جانب الإرث الثقيل لتجارب الحكم العسكري السابقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء