رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما بعد الكوكايين: كولومبيا تنقلب على واشنطن وتعيد رسم نفوذها الإقليمي

الرئيس الكولومبي
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو

في خطوة تصعيدية جديدة بين دول الكاريبي والولايات المتحدة الأمريكية، أعلن الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو، الثلاثاء 11 نوفمبر 2025، تعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن حتى تتوقف عن مهاجمة قوارب الكوكايين المزعومة في منطقة البحر الكاريبي، مشددًا على أن مكافحة المخدرات يجب أن تكون خاضعة لحقوق الإنسان لشعوب المنطقة.  

تأتي الإجراءات الكولومبية على خلفية قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف جميع أشكال الدعم والمساعدات المالية الموجهة إلى كولومبيا في أكتوبر الماضي، متهمًا بيترو بالتقاعس في مواجهة إنتاج المخدرات، ومؤكدًا أن المساعدات الأمريكية استُغلت على مدى سنوات لنهب الولايات المتحدة.

مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 
مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 

وتبادل الطرفان تصريحات تصعيدية، إذ حذّر ترامب نظيره الكولومبي من أن واشنطن ستتدخل بنفسها لإغلاق ما وصفه بـ"حقول القتل" ما لم تتخذ "بوجوتا" إجراءات فورية، مشددًا على أن الولايات المتحدة لن تقدم بعد الآن أي نوع من الدعم أو التمويل لبوجوتا؛ وردّت الحكومة الكولومبية باستدعاء سفيرها لدى واشنطن اعتراضًا على ما وصفته بالإهانة لسيادة البلاد ومساس بكرامة الشعب الكولومبي.

بوجوتا نحو موقف سيادي مستقل

لا يمكن الفصل بين قرار وقف المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية المقدمة إلى كولومبيا وما تبعه من تجميد التعاون الاستخباراتي من جانب "بوجوتا"، إذ حمل هذا القرار دلالات سياسية وأمنية عميقة، عكست توترًا غير مسبوق في العلاقات بين البلدين الحليفين منذ عقود، حيث كانت كولومبيا طيلة السنوات الماضية ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة المخدرات في أمريكا اللاتينية، ما يجعل هذا التصعيد مؤشرًا على تحول محتمل في موازين النفوذ الإقليمي.

مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 
مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 

وربما أراد ترامب أن يوقف المساعدات كرسالة ضغط مباشرة على حكومة الرئيس اليساري بيترو، التي تتبنى سياسة أكثر استقلالًا في قضايا الأمن والسيادة، وخصوصًا فيما يتعلق بتعاطيها مع ملف مكافحة المخدرات. وترى واشنطن في هذا التوجه تخليًا عن الالتزامات التقليدية في إطار التعاون الأمني، بينما تعتبر بوجوتا أن السياسات الأمريكية تتجاوز حدود الشراكة وتنتقص من سيادتها الوطنية.

في المقابل، فإن الموقف الكولومبي يُعدّ محاولة لإعادة صياغة علاقة أكثر توازنًا مع الولايات المتحدة، تقوم على الندية والاحترام المتبادل بدل التبعية السياسية والاقتصادية، كما يعكس القرار رغبة الحكومة الكولومبية في وضع حد لما تعتبره تدخلاً مفرطًا في شؤونها الداخلية، خاصة بعد التهديدات الأمريكية بالتدخل المباشر لمواجهة ما وصفه ترامب بـ"حقول القتل".

ومن شأن هذا التوتر أن ينعكس على جهود مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في المنطقة، حيث تعتمد واشنطن بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية الكولومبية. ومع تعليق التعاون وتراجع الثقة المتبادلة، قد تشهد أمريكا اللاتينية مرحلة جديدة من إعادة تموضع التحالفات، وربما دخول أطراف دولية أخرى على خط النفوذ الأمني في المنطقة.

الحليف الموثوق لواشنطن يعيد رسم تحالفاته

تشير التطورات إلى تحولات مرتقبة تتعلق بموقع بوجوتا داخل الخارطة الجيوسياسية لأمريكا اللاتينية، عقب تعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن، ويُنظر إلى هذه الأزمة باعتبارها بداية مرحلة جديدة تسعى فيها كولومبيا إلى تعزيز استقلالها السياسي والأمني عن الهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود.

مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 
مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 

وتوضح مؤشرات عديدة أن كولومبيا تتجه نحو إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تنويع علاقاتها الإقليمية والدولية، من خلال تعزيز التعاون مع دول أمريكا اللاتينية ذات التوجه التقدمي مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، إلى جانب الانفتاح على شركاء عالميين جدد كالاتحاد الأوروبي والصين. ويأتي ذلك في إطار سياسة خارجية جديدة يصفها بيترو بأنها قائمة على السيادة الوطنية والندية في العلاقات الدولية.

تعكس هذه التغيرات تراجعًا تدريجيًا لدور الولايات المتحدة التقليدي في كولومبيا، الدولة التي كانت تُعدّ الحليف الأقرب لواشنطن في مكافحة المخدرات والإرهاب، كما يشير إلى رغبة الحكومة الكولومبية في بناء نموذج جديد للتعاون الأمني يعتمد على التنمية الاجتماعية بدل الحلول العسكرية، وهو ما ينسجم مع التوجهات الجديدة لليسار اللاتيني.

ويُتوقع أن يؤثر هذا المسار على موازين القوى في المنطقة، مع احتمالات بروز كولومبيا كقوة إقليمية مستقلة تسعى إلى لعب دور الوسيط بين المعسكرين الأمريكي والتقدّمي اللاتيني، في وقت تشهد فيه القارة تحولات متسارعة في تحالفاتها السياسية والاقتصادية.

العودة الثانية لترامب وتدهور العلاقات اللاتينية–الأمريكية

منذ الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تشهد العلاقات الأمريكية–اللاتينية توترًا متصاعدًا، في ظل تبنيه خطابًا أكثر حدة تجاه دول القارة الجنوبية، وعلى رأسها كولومبيا والمكسيك وفنزويلا. فبعد قراره بوقف المساعدات إلى بوجوتا وتهديده بالتدخل المباشر لوقف إنتاج الكوكايين، بدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية الجديدة تعود إلى نهج الضغط والإملاءات السياسية الذي طبع ولايته الأولى، ما أثار مخاوف من اتساع الفجوة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في المنطقة.

مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 
مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 

ويسعى ترامب من خلال هذه السياسة إلى إعادة فرض النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، مستندًا إلى مقاربة أمنية واقتصادية صارمة تربط المساعدات بالتزامات واضحة من الدول اللاتينية في ملفات الهجرة والمخدرات والتجارة، بيد أن هذا النهج يواجه رفضًا متزايدًا من حكومات تتبنى توجهات يسارية أو سيادية مثل كولومبيا والبرازيل والمكسيك، التي تعتبر أن الخطاب الأمريكي يتجاهل واقع التحولات السياسية والاجتماعية في القارة.

مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 
مكافحة المخدرات في كولومبيا - أرشيفية 

وفي المقابل، يفتح هذا التوتر الباب أمام تحولات جيوسياسية جديدة، إذ تتجه بعض دول أمريكا اللاتينية إلى تنويع شراكاتها نحو قوى عالمية أخرى كالصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، بحثًا عن توازن في العلاقات الخارجية وتقليص التبعية الاقتصادية لواشنطن. وبينما تؤكد الولايات المتحدة أنها ما زالت الشريك الطبيعي لدول المنطقة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن عهد ترامب الثاني قد شهد تراجعًا ملموسًا في الحضور الأمريكي لصالح قوى دولية منافسة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء