رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الوسطية في مواجهة التطرف.. كيف صنعت "نهضة العلماء" وعي الأمة الإندونيسية؟

احتفالات جمعية  نهضة
احتفالات جمعية نهضة العلماء الإندونيسية  - أرشيفية

تعد نهضة العلماء الإندونيسية منظمة دينية واجتماعية ذات جذور عميقة في النسيج الاجتماعي الإندونيسي، وقد تأسست للحفاظ على التقاليد الدينية لطلاب العلوم الدينية، وتنتشر بشكل أساسي في المجتمعات الريفية، وهي تقوم بدور مرجعي بين التيارات الإسلامية في إندونيسيا، وقد لعبت دورًا محوريًا في تشكيل وعي الملايين عبر أجيال متعددة، وما زالت تواصل التأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع الإندونيسي الحديث.   

احتفالات جمعية  نهضة العلماء الإندونيسية  - أرشيفية
احتفالات جمعية  نهضة العلماء الإندونيسية  - أرشيفية

منهج نهضة العلماء

يعتمد منهج "نهضة العلماء" المذهب الأشعري، وتنتشر بين أتباعها الطقوس الصوفية، وهناك تركيز خاص على تراث أبي حامد الغزالي، وفي الفقه المذهب الشافعي، مع مرونة في الممارسة عبر تاريخ طويل من الاجتهاد المحلي، مما سمح لنهضة العلماء بأن تكون جسرًا بين المرجعيات الدينية والسلطات المدنية، فالمفهوم التقليدي لدى الجماعة يتقبل طرح حلول معاصرة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الأمة، ولذلك ترى الجماعة أن التجديد ممكن داخل السياق التاريخي الثقافي.

التنظيم

من الناحية التنظيمية، تتمتع جماعة نهضة العلماء بشبكة واسعة من الهيئات والمؤسسات التي تغطي التربية والتعليم والصحة والتنمية الريفية، وتوفر هذه الشبكة للجماعة قدرة تنفيذية تجعلها فاعلًا اجتماعيًا وليس مجرد هيئة فكرية، وهذه القدرة التنفيذية أصبحت نقطة مميزة.

وقد وضعت تحولات السياسة التي عايشتها إندونيسيا نهضة العلماء أمام تحديات استراتيجية، منها مسألة العلاقة مع الدولة وموازنة المشاركة السياسية وحفاظ المنظمة على استقلاليتها، فبعد انتخابات وطنية متعددة برزت ضرورة أن تكون مواقف الجماعة مرنة وذكية، وهو ما انعكس في دعواتها للحفاظ على السلم الاجتماعي وتوجيه قواعدها بعدم الانخراط في أعمال تحريضية أو انقسامات طائفية أو سياسية حادة، وهذا التوجه يعكس وعي القيادة بضرورة أن تكون الجماعة عامل استقرار وليس أداة انقسام في المجتمع الكبير المتنوع.

احتفالات جمعية  نهضة العلماء الإندونيسية  - أرشيفية
احتفالات جمعية  نهضة العلماء الإندونيسية  - أرشيفية

وتختلف التقديرات حول عدد أعضاء نهضة العلماء، وتذهب تقديرات شهيرة إلى أن عدد الأعضاء يبلغ 90 مليون نسمة، وبذلك يمكن اعتبارها أكبر جماعة إسلامية في العالم.

وعلى الرغم من أن نهضة العلماء ليست حزبًا سياسيًا، إلا أن وزنها الجماهيري يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في الحسابات الانتخابية، ولهذا فإن الجماعة ارتبطت بعلاقات وثيقة مع كبار القادة والسياسيين الإندونيسيين بشكل مستمر.

على الصعيد الفكري، قامت نهضة العلماء بتعزيز خطاب الوسطية والاعتدال كمشروع تربوي وثقافي يسعى لسد الهوة بين التقاليد الدينية ومتطلبات الحداثة، فمنهج الجماعة يتضمن برامج عملية في التربية والنشر وتكوين الواعظين والمعلمين الذين يروجون لمفاهيم تعايش مدني ومواطنة فاعلة، وهذا ما يجعلها معنية بإنتاج خطاب يواجه التطرف.

من أهم التوجهات الحديثة التي برزت في السنوات الأخيرة لدى الجماعة هو التحول نحو قضايا إصلاحات الأراضي والحقوق الريفية وحفظ الغابات وإشراك المجتمعات المحلية في سياسات الحكومة المتعلقة بالبيئة، وهذا الانشغال الجديد يضع نهضة العلماء في تفاعل مع حركات مجتمع مدني أخرى، ومع سياسات حكومية تسعى لتحقيق عدالة اقتصادية واجتماعية في المناطق الريفية، كما ظهر في قرارات ومداولات المؤتمرات التنظيمية لعام 2025 التي طالبت بمشاركة فعالة للمجتمعات المحلية في سياسات الإصلاح الزراعي والغابات.

رئيس جمعية نهضة العلماء برفقة الدكتور أسامة الأزهري
رئيس جمعية نهضة العلماء برفقة الدكتور أسامة الأزهري

كما ركزت مؤسسات التعليم التابعة للجماعة على تحديث المناهج وبناء قدرات المعلمين، والانتقال التدريجي إلى برامج تربوية تجمع بين تراكم المعرفة الدينية والمهارات العملية لصالح الوظائف المعاصرة، وهذا الاتجاه ظهر في برامج "معارف" التي أعلنت عن مبادرات وطنية لتنظيم معسكرات تعليمية لتجهيز طلاب المدارس الدينية لسوق عمل متغير ومتطلبات عالمية جديدة.

وفي مجال الصحة العامة والتعامل مع أزمات كالجائحة، أثبتت الجماعة مرونة عالية بتكوين فرق عمل للتوعية والمشاركة في حملات التطعيم وبرامج الصحة المجتمعية.

العلاقات مع الجماعات الأخرى

علاقة جماعة نهضة العلماء الإندونيسية بالجماعات الإسلامية الأخرى داخل إندونيسيا وخارجها تُعد من أكثر الجوانب تعقيدًا في تجربتها التاريخية، فهي من حيث الجوهر جماعة سنية تقليدية ذات جذور شافعية وأشعرية وصوفية تؤمن بالمرجعية المذهبية، ولذلك تختلف عن التيارات السلفية التي تنادي بالعودة المباشرة إلى النصوص.

رئيس جمعية نهعضة العلماء في ضيافة وزير الارشاد الديني السعودي
رئيس جمعية نهعضة العلماء في ضيافة وزير الارشاد الديني السعودي

فالعلاقة بين نهضة العلماء وتلك الجماعات السلفية مرت بمراحل متعددة من التوتر والحوار، ففي التسعينيات ومع تصاعد التيارات السلفية القادمة من المنطقة العربية، وجدت نهضة العلماء نفسها في موقع الدفاع عن النموذج المحلي الذي يدمج بين الشريعة والعادات المحلية وطرائق التدين الشعبي مثل الاحتفال بالمولد أو زيارة القبور أو الذكر الجماعي، وقد ردت الجماعة على الخطاب السلفي ببيانات فكرية تؤكد أن هذه الممارسات ليست بدعًا، بل جزء من تعبير المجتمع عن إيمانه في سياق ثقافي محلي، وأن محاولات نزعها تؤدي إلى تفكيك الهوية الثقافية الإسلامية الإندونيسية.

في المقابل، فإن علاقة نهضة العلماء بالحركات الإسلامية ذات الطابع السياسي مثل حزب العدالة والرفاه أو الجماعات المرتبطة بفكر جماعة الإخوان اتسمت بالحذر الشديد، فنهضة العلماء تتخذ موقفًا مختلفًا، رغم أن بعض كوادرها شاركوا تاريخيًا في العمل السياسي عبر حزب "الصحوة الوطنية"، الذي يعد الحزب المعبر عن فكر الجماعة، إلا أن القيادة المركزية للجماعة تؤكد باستمرار أن الحزب ليس الذراع الرسمي لها، بل مجرد تعبير سياسي عن تيار قريب منها دون أن يحتكر تمثيلها.

وفي الخارج، أقامت نهضة العلماء علاقات مع الأزهر الشريف في مصر، ومع مؤسسات التعليم الديني في اليمن والمغرب والسودان، حيث تستفيد من العمق الفقهي والمذهبي المشترك، كما أن لديها حضورًا في المنظمات الإسلامية العالمية مثل رابطة العالم الإسلامي ومنتدى حوارات الأديان التابع للأمم المتحدة.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء