رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عبق التاريخ وروح الحاضر: المتحف المصري الكبير تحفة معمارية وحضارية

الأثار المصرية في
الأثار المصرية في المتحف الكبير

تشهد مصر حاليًا لحظات فارقة في تاريخها الحديث بافتتاح المتحف المصري الجديد، والذي يُعد أكبر متحف يضم الآثار المصرية القديمة، وقد صُمم المتحف ليستوعب قرابة ثمانية ملايين زائر سنويًا، ومن الملفت للنظر حالة التلاحم الشعبي الداعم لافتتاح المتحف المصري، فمع اقتراب موعد الافتتاح تصاعدت مظاهر الأفراح الشعبية مصحوبة بشعور فخر قومي متزايد لدى المصريين، وكأن افتتاح المتحف هو بداية عودة إدراك المصريين لذاتهم الحضارية الخاصة بهم.

 الحضارات الإنسانية

يعيش المصريون في تلك الفترة واحدة من أخطر فترات التاريخ، فترة تموج فيها الصراعات والاقتتالات الداخلية في دول المنطقة، ومحاولات من بعض الدول الأخرى ادعاء امتلاكها حضارات ضاربة الجذور ومقللة في ذات الوقت من شأن الحضارة المصرية القديمة أو الحديثة، لذا كان افتتاح المتحف بمثابة عودة الروح مرة أخرى للشخصية المصرية، وإثباتًا قاطعًا على أننا كمصريين لا نساوم حضاريًا.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

ليست كل الدول كمصر، فمصر كما قال عنها الأديب العالمي نجيب محفوظ: "جاءت مصر ثم جاء التاريخ"، فتلك الجملة ليست عابرة أو مدعاة للفخر القومي، بل هي مقولة حقيقية؛ فعلى مدار التاريخ قدّمت مصر حضارات مختلفة متباينة حتى وهي في أضعف حالاتها السياسية والاقتصادية.

ففي عز قوة مصر ومجدها السياسي قدمت واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، وهي الحضارة الفرعونية بكل ما تشمله من مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والإنشائية، فعلى مدار التاريخ تميزت مصر بالآثار الفرعونية القديمة، وإليها حج آلاف السياح والزوار والباحثين عن أسرارها، وبناءً عليه تشكّل "علم المصريات" المختص فقط بدراسة الآثار المصرية القديمة.

وفي سياق حديثنا عن المتحف المصري الجديد والحضارة الفرعونية لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار حضارات أخرى امتزجت بالحضارة المصرية القديمة وشكّلت امتدادًا لها في عصور لاحقة مثل الحضارة البطلمية، والحضارة القبطية، وأخيرًا الحضارة الإسلامية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

كانت الحضارة الفرعونية هي المنهل الرئيس للحضارات المصرية اللاحقة، فلم تقبل مصر القبطية أو البطلمية أو الإسلامية دور الحضارة الوسيطة أو التابعة لحضارات أخرى، فالبطالمة رغم أصولهم الإغريقية إلا أنهم سرعان ما استقلوا بحضارتهم في مصر وتسيدوا البحر المتوسط، أما الحضارة القبطية المصرية فرفضت شكلًا وموضوعًا أن تكون تابعة للحضارة الرومانية، وأخيرًا الحضارة الإسلامية التي تسيدت فيها مصر العالم الإسلامي، وكانت الكنانة الخاصة به والمدافع عنه في العديد من الأوقات الحرجة.

حداثة الحاضر في حضن عبق الماضي

نعود للحديث عن الافتتاح الكبير لمتحفنا العظيم، والذي يتميز بالحداثة والعبق في آنٍ واحد، فالمتحف رغم كونه يُعد تحفة معمارية حديثة شاركت في إنشائه العديد من شركات المقاولات العالمية والمصرية في مختلف المجالات الإنشائية، إلا أن بناء المتحف يحمل في طياته عبق الماضي الأصيل، إذ اعتمد في تصميمه على حيلة فرعونية قديمة، وهي تعامد أشعة الشمس على وجه تماثيل الملوك في المعابد.

لذا اعتمد المتحف في تصميمه على أن تمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة، عند التقائها، كتلة مخروطية هي المتحف المصري الكبير، هذا فضلًا عن موقعه الفريد بالقرب من أهرامات الجيزة ليكون بمثابة الهرم الرابع في المنظومة الحضارية المصرية.

تزامنًا مع النهضة الإنشائية

منذ ما يقارب عقدًا من الزمن تشهد مصر نهضة إنشائية واسعة المدى، بدءًا من افتتاح مشروع توسيع قناة السويس، مرورًا بشبكة الطرق والكباري التي انتشرت في العديد من المحافظات، وامتدادًا أيضًا إلى مشروعات الإسكان الاجتماعي والجامعات الأهلية الجديدة وغيرها من المشروعات الإنشائية الحضارية، والتي من أبرزها على الإطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة شرق مدينة القاهرة.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

لم يغب عن صانع القرار المصري، في خضم تنفيذ المشروعات الإنشائية الحديثة، إنشاء مشروعات فريدة تخلّد الحضارة المصرية القديمة، ولا يُعد افتتاح المتحف المصري الكبير هو الأول من نوعه، بل سبقه افتتاح متحف الحضارات أو "المتحف القومي للحضارة المصرية" في منطقة الفسطاط بعين الصيرة وسط القاهرة، والذي افتُتح عام 2021، وواكب افتتاحه خروج موكب المومياوات الملكية من المتحف المصري بميدان التحرير إلى متحف الحضارة بالفسطاط.

امتزاج التاريخ

لعل ما يميزنا نحن المصريين هو تصالحنا مع تاريخنا بأبعاده المختلفة، والحرص على امتزاج حضارتنا التاريخية مع بعضها البعض لتضفي طابعًا فريدًا على الشخصية المصرية في كل مكان وزمان، فكما أوضحنا أن المتحف المصري الجديد وبناؤه الحديث بُنيا في حضن الأهرامات ليشكلا الماضي والحاضر والمستقبل تلاحمًا فريدًا من نوعه.

هذا التلاحم بين الماضي والحاضر لم يقتصر على المتحف الجديد، بل سبقه أيضًا متحف الحضارات الذي ضم في طياته العديد من الحضارات المصرية القديمة: الفرعونية، واليونانية، والرومانية، والقبطية، والإسلامية، بل المثير للدهشة أنه بُني في مدينة الفسطاط، أول عاصمة إسلامية لمصر.

عودة الإدراك بالذات

يشكل افتتاح المتحف المصري الكبير، وما سبقه من افتتاح متحف الحضارات وموكب المومياوات الملكية عام 2021، لحظة مفصلية في تاريخ وجدان المواطن المصري، ألا وهي عودة إدراكه لتاريخه وتاريخ بلاده، وأنه حامٍ لتاريخ وطنه، وعلى سيرة أجداده القدماء ينبغي أن يكون الأحفاد على قدر المسؤولية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

مصر اليوم ليست في أفضل حالاتها السياسية والاجتماعية، فسياسيًا تعيش في إقليم مضطرب شمالًا وجنوبًا، وأما اجتماعيًا فتبرز العديد من الإشكاليات التي تسببت فيها الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير، لذا قد يأتي افتتاح المتحف الكبير بمثابة عودة الروح للشخصية المصرية بكل طاقاتها وتوهجها الاجتماعي والسياسي، فالشخصية المصرية وإن مرت بفترات كبوة فإنها تنتظر حثًّا فريدًا لأجل العودة من جديد، وإن عادت فإنها تشع نورًا يضيء الكون.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء